"الفتيان": أن تكون نذلاً وبطلاً خارقاً في آن

هناك جانب مظلم من عوالم DC للقصص المصوّرة، نتلمسه في بعض إصدارات باتمان، ويظهر بوضوح في Watch men الذي حُوّل إلى فيلم بذات العنوان عام 2009، وتستعد HBO الآن لإطلاقه كسلسلة تلفزيونيّة. 

ضمن ذات العوالم الديستوبيّة، صدر هذا العام مسلسل مقتبس عن واحد من كتب DC باسم the boys، أو “الفتيان”، الذي يتحدث عن جماعة من “البشر” العاديين، يطاردون الأبطال الخارقين لكشف حقيقة أنهم مجرد متكبرين ومتحرشين وسفلة بقوة خارقة.

الموسم الأول من المسلسل بثته منصة “أمازون برايم”، ووعدت متابعيها بموسم ثان، بسبب نسب المشاهدة العاليّة التي نالها المسلسل؛ كونه يقدّم شكلاً جديداً لحكايات الأبطال الخارقين، يتصف بالسوداويّة والعنف المفرط، مقتبساً شخصيات من أبطال نعرفهم من قبل كـ”هوم لاندر” الذي يشبه مزيجاً من سوبر مان وكابتن أميركا، و”أي تراين” الذي يشبه فلاش و”ذا ديب” المقتبس عن أكوا مان. ما يجعل المسلسل مختلفاً، أننا نشاهد القتل منذ اللحظات الأولى، إذ نرى “أي تراين” وهو يركض بسرعة خياليّة، ليرتطم بحبيبة “هيوي” مُفتتاً إياها لأشلاء، لتبدأ رحلة هيوي للانتقام من كل مؤسسة الأبطال الخارقين، التي تعرض على هيوي تعويضاً مالياً تافهاً واعترافاً منه بأن ما حدث كان خطأ سببه أن حبيبته كانت تقف في الشارع، في حين أنها كانت على حافة الرصيف.

نستخدم كلمة مؤسسة لأن العالم الذي تقدمه السلسلة يشبه عالمنا هذا، وتدور أحداثه في الألفية الجديدة التي تحوي أبطالاً خارقين كثيرين، تختلف قواهم، لكن يعيشون حياة طبيعيّة منذ الصغر، إلى أن يتم اختيار بعض منهم في مسابقة ليدخل ضمن نظام “مكافحة الجريمة” التي تديرها شركة “فوت العالميّة” الخاصة، ليتم بعدها توزيعهم على المدن المختلفة. الأمر أشبه بمسابقات الجمال، حيث يتقدم “الخارقون” ويستعرضون قصصهم وقواهم ليتحولوا بعدها إلى علامات تجارية تدر الملايين على الشركة ورئيستها إليزابيث شو، التي تُغطّي الأضرار التي يسبّبها الأبطال الخارقون، بالمال والبروباغاندا، خصوصاً أنهم لا يرتدون أقنعة، وحياتهم علنية للجميع، بل إن كثيرا منهم تخلى عن هويته العاديّة ليصبح فقط بطلاً خارقاً كحالة “السبعة”، أشهر الأبطال الخارقين الذين يقودهم “هوم لاندر”؛ فهم مشاهير يستخدمون صورتهم وسحرهم لأجل الشهرة والمال.

يحاول المسلسل الإجابة عن الأسئلة التي تخطر دوماً على بال متابعي الأبطال الخارقين. مثلاً، ما مصير الدمار الذي يسببه الأبطال الخارقون حين “يقاتلون الأشرار”؟ وماذا عن الضحايا الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا، صدفةً، موجودين؟ هنا، تبرز عصبة “الفتيان” وسبب رغبة أفرادها بالانتقام، فهم مجموعة من ضحايا الأبطال الخارقين، كبوتشر الذي اغتصبت زوجته من قبل هوم لاندر، وهيوي الذي فقد حبيبته وكيميكو ضحية الاتجار بالبشر والتجارب الطبيّة.

نكتشف أثناء المسلسل وفي النهاية مجموعة من الحقائق، لن نتحدث عنها جميعها، لكن أقلها جدلاً هي أن الأبطال الخارقين ليسوا حالات نادرة أو طفرات جينيّة، بل نتاج تجارب طبية وتحسين جينيّ يتم تصميمهم في المختبر، تبيعهم أسرهم للشركة، ليتم تحسينهم وهم رضّع ليعودوا بعدها إلى منازلهم، بانتظار أن يحين دورهم كفاعلين في الشركة، كحالة ستار لايت التي تكتشف حقيقة ما فعلته أسرتها في النهاية.

يحاكي المسلسل عدداً من الموضوعات السياسية الحاليّة؛ إذ نرى التحرش الجنسي بأقسى حالاته، والرغبة بالانتقام والهيمنة الأيديولوجية ودور وسائل الإعلام في ترسيخها، كذلك نتلمس محاولات المسلسل طرح تساؤلات عن مفاهيم الإرهاب، بسبب رغبة الشركة بإدخال الأبطال الخارقين في الجيش الوطني، بوصفهم “مخلصين من السماء”؛ إذ يناقش العمل الشعبوية بوصفها وهماً وتمسكاً بقوى “علويّة” قادرة على تغيير العالم، ومكافحة الأعداء بالقتل فقط.

الأهم، أن إنقاذ “العالم” والأبرياء ليس إلا عملاً جانبياً بالنسبة للأبطال، ولا يشكل النشاط الرئيسي لهم، خصوصاً أن “الجرائم” التي عليهم مكافحتها مضبوطة ومُختارة بدقة خوفاً من الدعاوى القضائية التي قد تنتج إثر التصرفات الرعناء أو عدم حساب الخسائر التي قد تنتج عن إيقاف جريمة ما، ليبدو “أداء” الأبطال الخارقيّن مُجهزاً مسبقاً وأشبه ببرنامج لتلفزيون الواقع حيث تلاحق الكاميرات الأبطال حتى أثناء القتال، ليكون “انتصارهم” مُنتجاً الهدف منه “الاستعراض”، لا إنقاذ من هم في خطر.

الأبطال الخارقون كالمشاهير، يظن الناس أنهم فوق القانون ومثاليون، لكن هذا الصورة تدمر تدريجياً، لنكتشف إدمانهم للمخدرات الذي يودي بحياة الأبرياء، وسفالة بعضهم القادرين على ترك العشرات لموتهم فقط لأجل قرار سياسيّ، والأهم التعرف على ما يحدث في كواليس صناعة “البطل” التي تكشف “وحشيّة” الخارقين، ليأتي المسلسل كتعليق على الفضائح التي تطاول المشاهير، وانتقاد لرجال السلطة المُهمِلين الذي لا يهتمون بحياة البشر، بل فقط صورتهم العامة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *