"القبلات" لمانويل بيلاس: رواية العودة إلى الوطن البيولوجي

كثيرةٌ هي الكتبُ والروايات التي تناولت موضوع الحياة الإنسانيّة وتقلّباتها في ظلِّ الجوائح والأوبئة. وقد تكون رواية “الحبُّ في زمن الكوليرا” للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيّا ماركيز أبرز هذه الأعمال وأسرعها حضوراً إلى ذهننا عندما نتحدّث عن هذا الموضوع.


اليوم، بعد مرور ما يقارب عاماً ونصف على تفشّي جائحة كورونا؛ وهو زمنٌ قصيرٌ إلى حدٍّ ما قياساً مع كمِّ الكتب والرّوايات التي اتخذت من وباء كورونا إطاراً عاماً ومرجعيّاً، وفي كثيرٍ من الأحيان، عنصراً رئيساً في الحبكة، بدأ النقد الإسباني يتحدّث عن مرحلة “انفجارٍ” في الأدب الوبائي، على الرغم من أن العديد من الكتّاب والروائيين الإسبان يعتبرون أنَّ الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن جنس أدبي خاصٍّ بالأدب الوبائي، معتبرين الوباء أرضية زلقة للغاية، ولا سيّما أن الكثير من الأسئلة لا تزال غامضة عليهم.


هذا هو رأي الكاتب الإسباني مانويل بيلاس (مواليد بارباسترو، 1962)، صاحب رواية “القبلات”، الصادرة حديثاً عن دار نشر Planeta البرشلونية، والتي يستخدم فيها الوباء كسياقٍ عامّ تتطوّر فيه الرواية التي تبدأ أحداثها في شهر آذار/ مارس من عام 2020، عندما يُقرّر سلفادور؛ أستاذٌ تقاعَدَ مبكّراً من أحد المعاهد الثانوية في مدريد بسبب الإرهاق النفسي، مغادرة مدينته وقضاء فترة من الوقت تزامنت مع الحجر الصحي في كوخ في إحدى القرى الجبلية القريبة من العاصمة الإسبانية من أجل التعافي واسترداد السلام الداخلي مع نفسه، مصطحباً معه في عزلته هذه شيئين لا غير: الإنجيل المقدّس ورواية “دون كيخوته دي لا مانشا” لمؤلّفها الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس.


قصّة أستاذ متقاعد يُغادر إلى قرية جبلية بحثاً عن السلام الداخلي


هناك، في القرية الجبليّة، سيلتقي سلفادور بـ مونتسرات، السيّدة العاملة في متجر القرية والتي تصغره ببضع سنوات. سرعان ما سيشعّ بريق الحبِّ في أعماق سلفادور الذابلة، ستسطعُ الشمس في جسده في كل مرة يراها فيها، وستتحول لقاءاتهما إلى شلالٍ من الضوء. سيتحمّس سلفادور كثيراً لفكرة الحبّ، هكذا سيقع في غرام مونتسرات في سبع دقائق فحسب، فيقرّر أن يغيِّر اسمها، ويطلق عليها اسم ألتيسيدورا، متأثّراً، بلا شك، بشخصية الأميرة الموجودة في رواية ثيربانتس.


تحتلُ قصة الحبِّ التي تخلقُ نفسها ببطءٍ وجاذبية القسمَ الأكبر من الرواية، ناهيك عن بعض الأسرار والألغاز والأسئلة التي تُثيرها شخصيّةٌ مجهولة تجذبنا بقوةٍ إلى الغوص في خبايا الحبكة. مع غياب الفعل والحركة، لا سيما في ظل الحجر الصحيِّ، ذكرياتُ الماضي ستحضر مسرعةً وتحتل قسماً لا بأس منه في الرواية، لا سيّما عبر شخصيّة مونتسرات التي ستسردُ علينا حياتها السابقة، ومن خلالها سنتعرفُ على طفلها الذي يعيش مع والده في ألمانيا، والذي تربطها به علاقة أقل ما يمكن وصفها بأنها علاقة حنونة وصادقة.


في الوقت نفسه، يسترجعُ سلفادور في مناجاةٍ طويلةٍ تجربته التاريخيّة، متذكّراً أهم الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة التي عاشها في إسبانيا، بشكلٍ خاصٍّ انقلاب الثالث والعشرين من شباط/ فبراير، الذي وقع عندما بدأ دراسته الجامعية وأقام في أكاديمية أقرب ما تكون إلى النزل، حيث تعرّف على صديقه في الدراسة رافائيل بويج، الذي سيعلّمه، من بين العديد من الأشياء، عن “احتماليات أن تكون المادة والبشر أشياء كثيرة في آن معاً”.




هنا تماماً سيبدأ الفكر بالجريان بين مسارات الجُمل والفروع التي ترسمها مفردات الرواية، فيدخل القارئ في سديم المفاهيم الثابتة والمتحركة، ويعرف أنَّ الدافع الأكبر للرواية هو الحبُّ بوصفه المعنى الجوهري لوجودنا والوسيلة التي تعوّض النوع البشري عن نقصه وحدوده، لا سيّما في مواجهة ذلك الكيان الغامض الذي يقحمنا في أخطار لا نفهمها ولا نعرف كيفية الخروج منها: الجهل.


في إطار هذا كلّه، ستُوفّر قراءة بطل العمل سلفادور لرواية “دون كيخوته”؛ والتي تُقدّم وتُفهم في إطار الرواية على أنّها قصّة حبٍّ خياليّة وتجربة غريبة في نقد إسبانيا، إضافة إلى بعض التأمّلات الموجزة التي تنبثق عن فعل القراءة، مناخاً مناسباً للكاتب لإدراج مستويين من الكتابة، إن صح التعبير: الشخصيُّ الحميميُّ، والجماعيُّ أو التاريخيُّ.


ضمن هذا السياق، سيسهّل المستوى الأخير أمام بيلاس مهمّة التعبير عن أفكاره في الكثير من الأمور الراهنة: أزمة الهوية؛ والموت البطيء لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، المال، التكنولوجية الساحقة، الحريّة الفردية، تفوّق السياسة على أي خطاب، والعالم الافتراضي الجديد. سيحلّل بيلاس هذه الأفكار جيداً من خلال مونولوغات سلفادور الطويلة، وسيصل إلى نتيجة سلبية حول الطبيعة الإنسانية وانحرافها التاريخي. مع ذلك، لن يكون عدمياً مفرطاً، بل سيُبقِي بريق الأمل ساطعاً، لا سيما من خلال قصة الحبّ، وشخصية دون كيخوته الطوباوية، والجمال؛ الكلمة التي تكاد أن تتردّد في كل صفحة من صفحات الرواية التي يصل عددها إلى 445 صفحة.


تصل إلى نتيجة سلبية حول الطبيعة الإنسانية وانحرافها التاريخي


لم يستقبل النقد رواية “القبلات” بالحفاوة نفسها التي تعامل بها مع روايتَي بيلاس الأخيرتين، “أورديسا” (2018) و”سعادة” (2019)، إذ تمّ وصفها بأنّها روايّة رومانسيّةٌ ومثالية، فيها تكرار مفرط في المواقف اليومية، لا سيّما تلك المتعلقة بـ”نوبات الحب” في متجر القرية، ناهيك عن السرد المنمَّق والاستطرادي على لسان بطل العمل سلفادور.


قد تكون رواية بيلاس رومانسية ومثالية كما وصفها النقد، لكنها دون أدنى شك، رواية جلديّةٌ وجسديّةٌ بالدرجة الأولى، تروي كيف حاول شخصان في وسط أزمة صحيّة عالمية العودة إلى الوطن البيولوجي للكائن الإنساني، أي الجسد؛ ذلك المكان الغامض الذي يعيش فيه الرجال والنساء ويجدون فيه أعمق معنى للحياة الإنسانية: الحبُّ.



* كاتب ومترجم سوري مقيم في إسبانيا






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً