الكتاب العربي في فرانكفورت: محاولة دخول إلى سوق النشر العالمي

في 2004، دُعي العالم العربي كضيف شرف لما يُعتبر أهمّ تظاهرة دولية حول الكتاب، “معرض فرانكفورت”، الذي يُقام في ثاني أسابيع أكتوبر/ تشرين الأول من كلّ عام. اعتُبرت تلك الدعوة فرصةً قد تُفضي إلى دَفعة تستفيد منها الثقافة العربية وتُحقّق بعض الإشعاع العالمي، وقد شُبّهت وقتها بلحظة تسليط الضوء على الأدب العربي بعد فوز نجيب محفوظ بـ”جائزة نوبل للآداب” عام 1988.


لكن بمرور الأعوام، تَبيَّن أنَّ الكتاب العربي لم يستفد كثيراً من تلك الفرصة؛ إذ لم يدخُل إلى قلب أسواق حقوق الترجمة والتأليف مثل ثقافات أُخرى في العالم من اليابان إلى جنوب أميركا. حتى في “معرض فرانكفورت للكتاب”، بقيت المشاركة العربية ضئيلةً وباهتة؛ فهي منحصرة في أجنحة رسمية، غالباً لبلدان خليجية، ومشاركات فردية لعدد قليل من الناشرين.


في الدورة الجديدة من المعرض، التي افتُتحت في الرابع عشر من الشهر الجاري وتُختَتم غداً الأحد، ينعكس ما عاشه العالم من تقلُّبات بسبب جائحة كورونا. ورغم التطمينات بإقامته منذ ربيع العام، إلّا أنَّ تنظيمه تقرّر – في آخر لحظة – أن يكون بالحد الأدنى (قرابة 450 مشاركاً في فضاء المعرض)، فيما جرى نقل معظم الفعاليات، من ندوات ونقاشات وجلسات تفاوض تجاري، إلى البث الرقمي، وبالتالي نزل عدُد الفعاليات من قرابة أربعة آلاف سنوياً إلى ستّين فعاليةً لا غير هذا العام.


تحظى الأعمال المشاركة بما لم تحظ به مؤلّفات عربية على مدى عقود


في هذه الدورة الذي تراجَع فيها كلُّ شيء، نُسجّل – للمفارقة – مشاركةً أكبر للثقافة العربية التي تحضُر بأشكالٍ مختلفة؛ من بينها قائمة باسم “هوت أراب لِيست 2020″، التي تضمُّ مؤلّفاتٍ لكتّابٍ من المنطقة العربية، باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإسبانية والأمازيغية والكردية والأرمنية.


تتوزّعُ العناوين، التي اختارتها “الرابطة الدولية للناشرين المستقلّين”، بين فنون كتابية مختلفة؛ كالرواية والقصة القصيرة والدراسات والكتب الفنية والمجلّات الثقافية، مع هيمنةٍ لفنّ الرواية.


ويحضُر في القائمة سبعة وستّون عنواناً من بينها؛ مِن سورية: روايات “لا تخبر الحصان” لممدوح عزّام، و”لو لم يكن اسمها فاطمة” لخيري الذهبي، و”الهجران” لسومر شحادة، إضافةً إلى كتاب “كيوبيد الدمشقي: رسومات وقصص حب” لبطرس المعرّي، كما تحضر دراسة ممدوح عدوان (1941-2004) البارزة “حيونة الإنسان”. ومن الجزائر: “متاهات – ليل الفتنة” لاحميدة عياشي (الترجمة الفرنسية)، و”كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضّك” لعمارة لخُّوص (الترجمة الأمازيغية). ومِن تونس: “دمُ الثور” لنزار شقرون، و”روائح المدينة” لحسين الواد. ومِن المغرب: “محاولة عيش” لمحمد زفزاف بترجمتها الفرنسية التي أنجزتها مؤخراً الروائية والشاعرة المغربية سهام بوهلال، وكتاب “مَن نبحث عنه بعيداً يقطن قربنا” لعبد الفتّاح كيليطو، ومِن مصر: كتاب “حرز مكمّم” لأحمد ناجي. 


وقد تحظى هذه الأعمال بما قلّما تحظى به المؤلّفات العربية؛ إذ تُتيح لها هذه القائمة دخول بورصة حقوق الترجمة، حيثُ سجري تقديمها وترويجها للناشرين المهتمّين بترجمتها إلى لغاتٍ مختلفة. مع ملاحظة شبه غياب للأعمال الفكرية والشعرية وهو مأخذ أساسي على القائمة، فلا يمكن تقديم الأدب العربي بدون الشعر وهو فن العرب الأول، كما لا يمكن تقديم الكتاب العربي بدون أعمال فكرية، ولا سيما أن القائمة تتضمن كتباً قليلة ذات طبيعة فكرية، وهذا يعني أنها ليست قائمة أدبية صرفة.


أحدُ أشكال الحضور العربي الأُخرى مبادرةٌ بعنوان “أصوات عربية”، والتي تُوفّر للناشرين المشاركين في المعرض دليلاً باللغة الإنكليزية يتضمّن اثنين وثلاثين كتاباً صدرت في الأعوام الخمسة الأخيرة؛ مِن بينها “الوصايا” لعادل عصمت، و”أطياف كاميليا” لنورا ناجي، و”إيقاع” لوجدي الكومي، و”بيت القبطية” لأشرف العشماوي، و”غيوم فرنسية” لضحى عاصي. وما يُلاحَظ في القائمة هو اقتصارُها هذه السنة على الكتّاب المصريّين، باستثناء السوداني حمّور زيادة.


وفي السياق نفسه، يشهد المعرض تقديم تجربة مجلّة “بانيبال”، التي تُعنى بالأدب العربي وتصدر بالإنكليزية ومؤخراً بالإسبانية، وتنظيم جلسة تضامنية مع لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت وتضرُّر صناعة النشر فيه، وهو الذي مثّل لعقود مركز ثقل صناعة الكتاب العربي، وأُخرى (أُقيمت أمس)، بعنوان “العالم العربي وأوروبا”، وتناولت أثر الهجرة واللجوء في كتب الطفل.


هكذا، فإن دورة 2020 من “معرض فرانكفورت للكتاب” تمثّل فرصةً للكتاب العربي للدخول في دورة الأسواق العالمية، ولا يحتاج ذلك إلّا الاستعداد لالتقاطها، كي لا تضيع الفرصة مثلما كان يحدث دائماً.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً