المدخل المقاصدي وتفكيك الاستبداد

اتخذ كتاب الباحث جاسر عودة “تفكيك الاستبداد، دراسة مقاصدية في فقه التحرر من التغلب” (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013) من المدخل المقاصدي منهجاً ناقداً لمقولات “التغلب” التي توطّنت، بشكل أو بآخر، ضمن ساحات التراث السياسي الإسلامي. واعتمد تلك الرؤية النقدية من خلال رؤية المقاصد العامة، وبدا له أن ينتقد التراث الفقهي الذي رافق مقولة التغلب وأجازها، ولعل هذا المنهج النقدي من المناهج المهمة التي يجب أن نمارسها على أوسع نطاق، ضمن مساحات التراث السياسي الإسلامي وتأليفاته المختلفة، إذا ما أردنا أن ننزع كل الاستنادات التي تبرّر لمقولاتٍ هنا أو هناك، يمكن أن تشرعن سلطان القوة، وأنظمة الطغيان والاستبداد، بل وكذلك الانقلابات العسكرية التي برزت في الأفق مرّة أخرى، بعد أن ظن بعضهم أنها توارت. ولعل ما يحدُث في النظم السياسية العربية يشير إلى هذا المعنى الذي يجعل من مساءلة التراث، خصوصا في هذا الجانب، أمراً مهماً وممهداً لتفكيك المقولات الاستبدادية التي قد يستند إليها بعض هؤلاء الطغاة في ممارستهم المعاصرة، فالاستبداد، أيا كان سنده، لا بد أن يواجه بكل وسيلةٍ ومن كل طريق، فما أصدق ما قاله عبد الرحمن الكواكبي، حينما جعل الاستبداد مصدرا لكل داءٍ يمكن أن يصيب الأمة، وكيانها الاجتماعي الحضاري.


استدراكاً على هذا المنهج النقدي، على أهميته، من بعض الذين اتخذوا من المدخل المقاصدي أساساً وقاعدةً لتجديد التراث الإسلامي، والتراث السياسي في مقدمته، ليس هذا المدخل فقط رؤية نقدية تمثل تفكيكا لمقولات الاستبداد، بل وجب كذلك أن يتقدّم إلى ساحات التأصيل للبديل لتلك الحالة الاستبدادية على قاعدة أن من أصول تنزيل القيم الإنسانية الكلية، خصوصا في المجال السياسي، أن يُتطرق إلى صناعة البديل. ولعل هذه النصيحة الذهبية للكواكبي في كتابه الأساس والعمدة لتحليل الظاهرة الاستبدادية “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” رأي مهم أثبته في فصله الأخير، حينما تحدّث عن التخلص من الاستبداد، فأكّد أن من أهم مداخل مواجهة الظاهرة الاستبدادية هو ما يتعلّق بصناعة البديل؛ فلا يمكن إسقاط سلطة الاستبداد من دون تصوّر لقواعد (وأصول) نظامٍ بديلٍ قابلٍ للتأصيل والتفعيل والتشغيل. هكذا استدرك بعض هؤلاء الذين اهتموا بهذا الاجتهاد والتجديد المقاصدي، وهي مهمةٌ تترافق مع المهمة الأولى التي تقوم بالنهج النقدي في تفكيك هذه الظاهرة الاستبدادية.


يجب العمل على إعادة تعريف النظام السياسي، حتى يكون وسيلةً لتحقيق مصالح الناس، وسياسة التنوّع في ساحات حياتهم بالحكمة الواجبة، وميزان المقاصد الجامعة


ويبرز هنا هذا الكتاب المهم الذي جاد به جاسر عودة، ليقدّم رؤية متقدّمة في هذا المقام، فبعد أن أخرج عدة كتب مهمة، منها “حول فقه المقاصد: إناطة الأحكام الشرعية بمقاصدها” (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، 2006)، وكذلك “مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريع الإسلامي: رؤية منظومية” (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، 2021)، وكذلك كتابه المهم “التفكير المقاصدي: مراجعات لترتيب العقل المسلم” (دار المشرق، القاهرة، 2017) وكذا واصل اجتهاده المقاصدي بكتابين آخرين “الاجتهاد المقاصدي: من التصور الأصولي إلى التنزيل العملي” (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013)، وتفاعل مع أحداث الثورات العربية وحراك الشعوب ليقدم رؤية من خلال هذا المدخل المقاصدي “بين الشريعة والسياسة: أسئلة لمرحلة ما بعد الثورات” (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2011). وكتابه المهم عن مفهوم الدولة المدنية يؤكد على أن التصور المدني للسلطة من أهم التصورات التي يجب إسنادها في الرؤية الإسلامية ليجعلها بذلك بديلاً في مواجهة الاستبداد “الدولة المدنية: نحو تجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة” (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2015). وهكذا فقد شكّل كتابه هذا نقلة نوعية يعبر فيها عن مواجهة الظاهرة الاستبدادية من خلال المدخل المقاصدي ضمن محاولته لبناء مفهوم الدولة المدنية والصياغة المدنية للسياسة والسلطة.


يشكل هذا الكتاب محاولة تأصيل هذا البديل وصناعته على المستوى الفكري على الأقل، لتقديم أفكار تنبع من فهم مقاصدي وسنني، لتعزيز ما تسمّى “دولة مدنية بمرجعية مقاصدية”، وهو إذ يقدّم هذه المحاولات البنائية لا يغفل عن هذا السياق الناقد للأطروحات الإسلامية الحالية في مجال السياسة، محاولاً تصوّر أهم الخطوط العريضة والمفصلية لبناء نموذج مدني تعدّدي، باعتباره ليس إلا خطوةً على طريق التأصيل والتفعيل، ضمن تصوّر شامل لعمليات الإصلاح، مشيرا إلى أن تكامل هذا النموذج لا يكون إلا بتجاوز هذه الدويلات المستوردة نفسها، وأشكال الدولة القُطرية، وهو تجاوزٌ لا يتناقض، في رأيه، مع الشعور الوطني، ومؤكّداً على وحدة الأمة التي لن تنجز من دون خطوة مدنية الدولة، والتخلص من كابوس الاستبداد، ووطأة الطغيان، بكل صوره، وإعادة تعريف النظام السياسي، حتى يكون وسيلةً لتحقيق مصالح الناس، وسياسة التنوّع في ساحات حياتهم بالحكمة الواجبة، وميزان المقاصد الجامعة.


كتاب يشكل محاولة تأصيل بديل وصناعته على المستوى الفكري على الأقل، لتقديم أفكار تنبع من فهم مقاصدي وسنني


وضع المؤلف على مائدة النقاش والجدل ضمن مراجعته قضية “المرجعية الإسلامية” السؤال الذي يتحاشاه كثيرون من هؤلاء المعنيين بالشأن الإسلامي، مؤكّدا وجوب التعرّض له، وهو ماذا نعني بالمرجعية الإسلامية في شؤون السياسة والمجتمع اليوم؟ وهو يؤكّد من خلال تشريح لهذا المفهوم ضمن مقارنة نقدية ومقاربة أصولية، وصولا إلى طرح مقاصد الشريعة مرجعيةً في الشأن السياسي وما شابهه، مطبقا ذلك ضمن تصوّر الدولة المدنية في سياق من التعدّدية السياسية الشاملة، باعتبار أن ذلك هو الخطوة المفصلية الأساسية للتخلص من آفة الاستبداد، وهو ما يؤكّد لنا انشغال المؤلف بقضية البديل وترسيخه ضمن التأصيل والتطبيق على حد سواء. وهو ضمن مقاربته تلك، أكّد على تلك الفجوة الحادثة بين “حلم التغيير، وواقع النظام المستبد العميق والمتمكّن والمتغلغل في المجتمعات العربية الذي لم ولن يسقط أو يتغير ببساطة، وأن “الدولة العربية” هي، في أحيان كثيرة، مجرّد منظومة صمّمت فقط لتخدم جماعات مصالح خطيرة، أو قبائل معينة محتكرة للمال والسلطة، أو طبقات عسكرية وأمنية معينة في كل دولة، ولن يتورّع أي من هؤلاء جميعا عن استخدام وسائل العنف التي تمتلكها وبكل صرامة.. لإجهاض كل محاولة للإصلاح والتغيير، ورد الحقوق وسقوط الاستبداد، وكذا فإن توازنات القوى الدولية والإقليمية لم ولن تسمح ببساطة بتغيير ديمقراطي في العالم العربي”.


ويؤكّد الكاتب في هذا المقام “أن الخطوة الأولى على طريق طويل للخروج من استبداد الدولة العربية والإسلامية عموما هو في الوصول إلى وعيٍ شعبيٍ اجتماعيٍ وسياسيٍ يضمن بناء دولة “مدنية تعدّدية”، تقيم سياساتها على أسس قيمية، وأن الرؤية الإسلامية قادرةٌ على تقديم الكثير في بناء الوعي والإصلاح المنشود، ثورياً كان أم تدريجياً، ولعل أهم ما أكّده المؤلف، في كتابه هذا، أن أكبر مشكلات البرامج المعاصرة الموصوفة بـالإسلامية تركيزها على “الإسلامية” فقط، أي تلك القضايا الجزئية التي تخصّ المسلمين، بل وتخصّ المتدينين منهم فقط، أكثر من التركيز على البعد الإنساني الذي يشمل القضايا والهموم الكبرى التي تخصّ الناس، كل الناس، والذي هو أوْلى في ميزان تلك الرؤية الإسلامية عند الحديث عن سياسة الناس. هذا البعد الإنساني إسلامي، ولكن الخطاب الإسلامي لا يركّز عليه، ولا يدخله في الأولويات والاهتمامات.. مما أضعف علاقة الخطاب الإسلامي بالإنسان العادي المسلم، وغير المسلم، خصوصا الشباب، بل وقطعت الخطاب الإسلامي عن الأصول والأولويات الإسلامية نفسها”. هذه المراجعات الناقدة في كتابٍ كهذا، وكذا عملية البناء لتعدّدية مدنية شاملة، لهي من الأسس التي تتعلق بصناعة البديل للظاهرة الاستبدادية.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً