المسعف الغزي رائد ديبة ممنوع من التوظيف

كان مشهد استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول عام 2000 الشرارة التي أشعلت الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى). المشهد نفسه دفع الشاب رائد ديبة (36 عاماً) للعودة إلى أرض الوطن تاركاً بيته وأسرته في السعودية. وصل إلى غزة عام 2001، وبقي فيها 16 عاماً، حيث عمل مسعفاً متطوعاً بعدما خضع لدورات متخصصة، وحصل على رخصة للعمل مسعفاً وشهادة جامعية في التمريض، من دون أن يحصل على وظيفة رسمية.

ولد ديبة في مدينة أبها جنوب المملكة العربية السعودية لدى أسرة فلسطينية أصولها من غزة. وقرر بعد استشهاد الدرة واندلاع الانتفاضة الثانية أن يسافر إلى قطاع غزة والعمل مسعفاً متطوعاً لإنقاذ أرواح الناس خلال القصف أو المواجهات بين المتظاهرين والقوات الإسرائيلية. 

يقول ديبة لـ “العربي الجديد: “لأننا مغتربون خارج فلسطين، كنا نتابع أخبار فلسطين بشكل يومي. وكان استشهاد محمد الدرة فاجعة في قلوبنا. النساء كانت تبكي وعلق المشهد في رأسي. طريقة إعدامه كانت مستفزة. كيف لم يستطع أحد إسعافه أو الاقتراب منه؟ تمنيت أن أكون جزءاً من الحدث لأنقذه”. 

شكّل ديبة فريقاً من الشباب المتطوعين مع جمعية زهرة المدائن وبالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، ليشارك الفريق في أول دورة مكثفة لتخريج فريق متخصص في الاسعافات الأولية، ثم تقدمت المجموعة بكتاب رسمي إلى وزارة الصحة للتطوع مع مراكز الإسعاف، فتطوع في مستشفى الشهيد كمال عدوان شمال قطاع غزة في أواخر عام 2003. إلى جانب التطوع، عمل في مهن مختلفة لتأمين احتياجاته الحياتية؛ في مقاهي وفنادق ومحال ألبسة وحتى سائق سيارة أجرة. وكانت أول المشاهد الصادمة التي شارك فيها ديبة مع طواقم الإسعاف هي حين توجه والفريق إلى منطقة الشيخ زايد شمال قطاع غزة عند التاسعة مساء من مطلع يناير/ كانون الثاني عام 2004. كان يسعف شاباً أصيب بصاروخ وكانت ساقه مبتورة وراح يتلو الشهادة على مقربة منه. كان ينظر إليه بصدمة داخل سيارة الإسعاف. وتلا هذا المشهد حادثة أخرى مشابهة، جعلته أكثر صلابة خلال إنقاذ المصابين.




انتشرت صورة لديبة وهو يسعف مصاباً عام 2006، نقلتها وكالات الأنباء، وظهر ضمن تقرير أعدته قناة الجزيرة وقتها، لتراه أسرته في السعودية التي لم تكن على علم بأنه متطوع في الإسعاف، فقد حرص على عدم إخبارهم.

كان العدوان الأول على مدينة غزة الأشد بالنسبة لطواقم الإسعاف بعدما نفذت طائرات الاحتلال الإسرائيلية ظهيرة 27 ديسمبر/ كانون الأول عام 2008 هجمات جوية على مواقع عسكرية  في القطاع خلفت حينها مئات الشهداء. وواجه ديبة أحد أصعب المواقف في حياته عندما رافق فريق الإسعاف إلى بلدة بيت حانون شمال القطاع.




يروي: “في يناير/ كانون الثاني عام 2009، كانت بلدة بيت حانون منطقة عسكرية نزح جميع سكانها إلى مدينة غزة بعد سيطرة دبابات الاحتلال على البلدة. دخلنا بالتنسيق مع الصليب الأحمر لإنقاذ وإحضار مصابة في الداخل. أجبرنا الجيش الإسرائيلي على الدخول مسافة كيلومترين سيراً على الأقدام، فاضطررنا إلى الاعتماد على ضوء الهاتف”. يضيف: “مشينا على مقربة من مناطق مرعبة، ومررنا أمام مسجد أم النصر. كانت مجموعة من الشباب محاصرة داخل المسجد فخشينا أن يتم استهدافنا. وصلنا إلى منزل المصابة بطلق ناري في الرأس. خلال عودتنا، رأينا مصاباً آخر نقلناه. لكن الجيش الإسرائيلي لم يكن يريد إسعاف الرجل لولا إصرارنا على نقله. عملية الانقاذ هذه بدأت منذ الساعة السادسة مساء، وحتى الثانية عشر ليلاً، وكانت مرعبة”.




حصل ديبة على دبلوم تمريض من جامعة الأزهر في غزة عام 2010، وتابع مشواره مع الإسعاف خلال العدوان الإسرائيلي الثاني عام 2012 والأخير عام 2014. كذلك، شارك في إسعاف مصابي مسيرات العودة شرق مدينة غزة. لكنه في كل عام كان يبحث عن وظيفة مسعف.

قرار الاستقالة

أعلن ديوان الموظفين في فبراير/ شباط هذا العام في غزة عن حاجته لمسعف، بشروط تعد ملائمة لمؤهلات ديبة. توجه إلى مدير الإسعاف والطوارئ للحصول على موافقة منه للتقدم للوظيفة وبالفعل حصل على إشادة بعمله والتزامه، وتوجه إلى ديوان الموظفين لكنهم رفضوا تقدمه للوظيفة كونه لا يملك شهادة جامعية في مجال الإسعاف. عاد ديبة للتقدم بطلب للديوان خصوصاً أنه يملك خبرة 16 عاماً في التطوع وقد أنقذ مئات المصابين طوال سنوات تطوعه وعرّض نفسه للخطر كثيراً، عدا عن حصوله على عشرات الدورات المتخصصة، من دون نتيجة.




يقول: “لم أحصل سوى على عقد بطالة مرتين طوال سنوات تطوعي مع الإسعاف، لم تتجاوز الفترتان 6 أشهر. ومع ذلك، كنت أعمل على سيارة أجرة، بالإضافة إلى تلبيتي استدعاءات الإسعاف والطوارئ والمناوبات. لا أعلم لماذا قبلوني مسعفاً متطوعاً طوال هذه السنوات ويرفضوني مسعفاً بوظيفة”.




نشر ديبة قصته على صفحته على فيسبوك، وصارت قضية رأي عام في غزة وأثارت تعاطفاً كبيراً من الناس معه، وطالبه الكثيرون بإثارة القضية بشكل أكبر للمطالبة بحقه في الوظيفة، ثم استدعي من قبل دائرة الاسعاف والطوارئ في غزة للاستجواب، لكنه لم يجد أي تحرك حقيقي، رغم إشادة مسؤول الإسعاف والطوارئ في غزة بأدائه مع طواقم الإسعاف.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً