الموسيقى التصويرية… مشاهد تنسج ألحانها

لعقود طويلة، شهدت الموسيقى التصويرية تحولات عديدة، قبل أن تصبح عنصراً أساسياً في صناعة المحتوى السينمائي أو التلفزيوني. فمع تلاشي المعزوفات السيمفونية الثقيلة نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، وتفضيل المعزوفات الخفيفة المناسبة لجو الشريط السينمائي، غدت حرفة التأليف الموسيقي تستجيب أكثر لمعطيات العمل وتضفي الحيوية على السرد الروائي للقصة، إلى جانب المساهمة في تغطية كافة الانفعالات الدرامية وخلق علاقة حسية أكثر دينامية بين المشهد والمشاهد. 
يمكن القول إن هذه الظاهرة بدأت تتنامى، فعليًا، بعد فيلم “إنها حياة رائعة” (1946) للمخرج الأميركي فرانك كابرا، وفيلم “منتصف النهار” (1952، حائز على جائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية)، حيث وضع الموسيقى التصويرية لكلا العملين المؤلف ديمتري تيومكين.

في فترة الستينيات، ومع دخول الأغنية عالم الشاشة الكبيرة وتأثيرها بأجواء الفيلم، مثل الفيلم الشهير “فطور عند تيفاني” الصادر عام 1961، والذي اشتهرت من خلاله واحدة من أشهر الأغنيات في تلك الفترة حملت عنوان “نهر القمر” للمؤلف الموسيقي هنري مانشيني (أوسكار أفضل أغنية أصلية)؛ دفع هذا النوع من الأعمال شركات الإنتاج إلى الاهتمام بهذا النمط السينمائي من الأفلام الموسيقية الغنائية، نظرًا للأرباح الطائلة التي حصدتها؛ ما فسح المجال لاستقطاب عدد من مشاهير الغناء آنذاك، أمثال كليف ريتشارد وألفيس برسلي لتقديم عدد من الأغنيات التي تناسب الجو العام للفيلم، والحالة الوجدانية والانفعالية للممثل والمشهد بشكل خاص.

من أشهر تلك الأعمال، الفيلم الموسيقي “ماري بوبنز” (1964) للمخرج روبرت ستيفنسون، وفيلم “صوت الموسيقى” (1965) للمخرج روبرت وايز (موسيقى الفيلم من تأليف ريتشارد روجر وقد حاز هذا الفيلم على خمس جوائز أوسكار، من بينها جائزة أوسكار لأفضل موسيقى تصويرية). عام 1968 صدر فيلم “الطيب والشرس والقبيح” للمخرج سرجيو ليون، واحد من أهم وأشهر أفلام الوستيرن الأميركي، زادت من شهرته المقطوعة الموسيقية الخاصة به التي وضعها المؤلف الإيطالي إنيو موريكوني. شكل نجاح هذه المقطوعة منعطفًا مهمًا في العلاقة ما بين الموسيقى والسينما من جهة، وعلاقة الموسيقى بالمستمع وذوقه من جهة أخرى، إذ بات المؤلف الموسيقي يحظى بأهمية كبيرة على مستوى كادر العمل السينمائي، وأخذ يحسب له مكانة مهمة في تركيب المقطوعات اللحنية التي تجاوزت حدودها كونها مكملة للفيلم إلى كونها ثيمة موسيقية يعشقها الجمهور ويتلذذ بالاستماع إليها بشكل مستقل عن الفيلم، وقد ساهم في توسيع هذه العلاقة معزوفات أخرى أشهرها موسيقى الملحن الإيطالي نينو روتا الذي قام بوضع الموسيقى السينمائية لثلاثية فرانسيس كوبولا الشهيرة “العراب”.

دخلت الموسيقى التصويرية مرحلة أخرى في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. مرحلة رسخت عوامل التقدم التكنولوجي وظهور التأليف الموسيقي الإلكتروني، إلى جانب الصورة البصرية بأنواعها في الوقت الحالي، وبروز أسماء مؤلفين موسيقيين جدد، أشهرهم هاينز زيمير الذي أعطى دفقًا مغايرًا لشكل المقطوعات الموسيقية التي امتازت بالقوة والحيوية في أفلام مثل “رجل المطر” و”الملك الأسد” و”خيط أحمر رفيع” و”قراصنة الكاريبي”، و”مهمة مستحيلة 2″. وكذلك الملحن جيمس هورنر صاحب الألحان الدافئة والرومنسية الساحرة الذي قدم مقطوعات لأشهر الأفلام مثل “تايتانيك” و”قلب شجاع” و”زورو” و”أساطير الخريف”.

جعلت معظم هذه الأفلام كبريات شركات الإنتاج والتوزيع الفني تدرك مدى أهمية العامل الموسيقي وتأثيره في رفع جودة الأعمال السينمائية التي تنتجها من ناحية، وعلى عمليات البيع والأرباح الناتجة من ناحية أخرى. لم يقتصر الأمر على السينما؛ حيث كانت لموسيقى بعض الأعمال التلفزيونية حصة جيدة من النجاح، ولا سيما تلك الأعمال التي برزت في العقد الثاني من الالفية الثالثة، وعلى رأسها الموسيقى التصويرية لسلسلة “صراع العروش” و”ويست وورلد ” التي قام بتأليفها الإيراني رامين جوادي.

عمد منتجو تلك الأعمال إلى إصدار ألبومات أو أشرطة لموسيقى وأغاني أفلامهم ومسلسلاتهم، وقد بيعت منها ملايين النسخ؛ ما أسهم، إلى جانب تشبيك عقود مع المنصات الموسيقية العالمية وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلاني والدعائي في جميع أنحاء العالم، في زيادة إيرادات تلك الأعمال، فضلًا عن تشجيع أعداد كبيرة من الجمهور ومن مستمعي تلك الأغاني على مشاهدة تلك الأعمال.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً