الموسيقى الكورية… الفن في تلك البلاد الشمولية

تلتزم الموسيقى في كوريا الشمالية التزاماً صارماً بمبادئ أيديولوجيتها السياسية المعروفة باسم “الجوتشي”، أو “الاعتماد على الذات”. كوريا الشمالية لا تعترف بعالمية الموسيقى، بل تعتبرها أداةً للاختراق الثقافي. نشر تلفزيون KBS الكوري الجنوبي ورقة تحلل الفن الموسيقي في الجارة الشمالية، بالتعاون مع جيون يونغ سيون من معهد العلوم الإنسانية في جامعة كونكوك.
بحسب موقع “كي بي إس”، يتحدث محتوى الموسيقى الكورية الشمالية في الغالب عن الالتزام بالحزب الحاكم والطبقات الاجتماعية والأشخاص، مع التركيز على موضوعات العلاقات بين الناس والزعيم الأعلى، وكذلك الأشخاص الذين يعيشون بشكل جيد في
النظام الاشتراكي. وفي كوريا الشمالية، تؤكد ما يسمى بـ”موسيقى الجوتشي” على خصائص البلاد. بعبارة أخرى، فإن موسيقى كوريا الشمالية هي مزيج من الفن والأيديولوجيا، وهي بمثابة وسيلة أسهل وأكثر فاعلية للسيطرة على أفكار الناس. في السابق، كانت كلمات الأغاني تدور حول الولاء للحزب، والسياسات التي تدعو إليها السلطات، وتمجيد شخصية القائد الأعلى. لكن ثمانينيات القرن العشرين كانت بمثابة لحظة فاصلة في الموسيقى الكورية الشمالية.

الزعيم في الموسيقى الإلكترونية
في الثمانينيات، أصبحت الموسيقى الإلكترونية في غاية الانتشار في جميع أنحاء العالم. كوريا الشمالية لم تستطع إلا أن تقبل شعبيتها وسحرها. لكن لم يكن بالإمكان تجاهل الموسيقى الخاصة بها أيضاً. تبنت كوريا الشمالية الموسيقى الإلكترونية
بطريقتها الخاصة وشكلت فرقة “بوشونبو” الإلكترونية، التي اكتسبت شعبية هائلة عند إنشائها. سابقاً، تعاملت الموسيقى الكورية الشمالية مع مواضيع خطيرة مثل الثورة. لكن الفرقة الجديدة غنت الأغاني العاطفية عن الحياة اليومية، بما في ذلك الحب بين رجل وامرأة.
تم إنشاء هذه الفرقة الإلكترونية من قبل الزعيم السابق، كيم جونغ إيل، في الثمانينيات. استخدمت الموسيقى الإلكترونية، لكن مع الحفاظ على العناصر السياسية للموسيقى الكورية الشمالية.
أدّت الفرقة الجديدة أغاني اشتراكية في مدح الزعيم والحزب، مثل “من دونك، من دون الأمة” و”إذا كان حزبنا يتمنى”.
وسعى الزعيم آنذاك، كيم جونغ إيل، الذي كان مهتماً جداً بالثقافة والفن، إلى تعزيز التعليم الأيديولوجي من خلال الأغاني التي كانت مختلفة بوضوح عن الموسيقى السابقة. يقال إن المواطنين الكوريين الشماليين كانوا يخففون من تعبهم من العمل الذي يستمر ليوم طويل من خلال الغناء مع الفرقة على شاشة التلفزيون.
تغلغل هذا النوع الجديد من الموسيقى بعمق في حياة الشعب الكوري الشمالي وجعلهم يعتقدون أيضاً أن المواهب الموسيقية يمكن أن تؤدي إلى النجاح في الحياة.

هرم الصعود
من الصعب جداً تسلق السلم الاجتماعي في مجتمع كوريا الشمالية ذي التسلسل الهرمي. لكن الموسيقيين الموهوبين، إذا كانوا محظوظين بما يكفي لاختيارهم، يمكنهم تسلق السلم وتحقيق النجاح.
أحد الأمثلة على ذلك هو المغنية جيون هاي يونغ، وهي عضوة في فرقة “بوشونبو”، الإلكترونية. لقد أتت من منطقة ريفية نائية، لكنها تمكنت من التقدم وأصبحت مدربة موسيقى، كل ذلك بفضل مهاراتها الغنائية المتميزة. بمعنى آخر، يتم إعطاء الموسيقيين الفرصة لتحسين أوضاعهم. صعدت زوجة الزعيم الحالي، كيم جونغ أون، ري سول جو، إلى منصب السيدة الأولى بفضل موهبتها الفنية. وبهذه الطريقة، يمكن للفن رفع مكانة المواطن في التسلسل الهرمي الصارم لكوريا الشمالية.

أدوات دعاية
يعود تعليم الموسيقى في كوريا الشمالية في مرحلة الطفولة إلى عام 1959، عندما اعتمد مجلس الشعب الأعلى نظاماً متخصصاً لتدريب الفنانين. استخدم زعيم كوريا الشمالية، كيم إيل سونغ، الطلاب الموهوبين في الفن كأدوات للدعاية لتعزيز حكم الرجل الواحد.
ووسط الاهتمام المتزايد بالطلاب الموهوبين موسيقياً في البلاد، ظهر سوق تعليم خاص للموسيقى في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين نظراً إلى أن الموسيقيين والفنانين، يمكنهم تأمين وظائف مستقرة نسبياً كمدربين في كليات الموسيقى والرقص في المدن والمحافظات. كما أوضح البروفيسور جيون، كانت ري سول جو والسياسية هيون سونجول، والتي تمثل نساء كوريا الشمالية الناجحات، موسيقيات في البداية. علاوة على ذلك، أصبحت الموسيقى الكورية الشمالية أكثر حرية وأقل تقييداً في عهد حكم كيم جونغ أون.

قيود أقل
توفي الزعيم السابق في 17 ديسمبر/أيلول 2011. بعد ثلاثة أيام طبعت صحيفة كوريا الشمالية الرسمية “رودونغ سينمون” نعي موته، وكان من المتوقع على نطاق واسع أن تستمر فترة الحداد لفترة من الوقت.
لكن في العام التالي، بعد وصول كيم جونغ أون إلى السلطة، أنشأ فرقة “مورانبونغ”. في شهر يوليو/تموز من عام 2012 ، قدمت الفرقة عرضاً لافتاً يضم أكثر من عشر أغنيات من أفلام “ديزني” الشهيرة وأغنية الفيلم الهوليوودي “روكي”. وقد أظهر الحدث غير المعتاد إستراتيجية الزعيم الجديد السياسية المتمثلة في استخدام الموسيقى، والتي اجتذبت انتباها خاصاً.
وقامت فنانات الفرقة بأداء ماهر على الآلات الموسيقية الإلكترونية تحت إضاءة الليزر. وكانت المرحلة الاستثنائية مختلفة بالتأكيد عن المرحلة السابقة.

وكان من اللافت للانتباه مشاهدة حفلات أوركسترا “سامجيون” الكورية الشمالية في كوريا الجنوبية قبل حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2018 في بيونغ تشانغ. برفقة موسيقى الأوركسترا الراقية، غنى مغنو كوريا الشمالية أغاني البوب ​​الكورية الجنوبية. ومن الواضح أن الموسيقى الكورية الشمالية تتغير، لكنها ما زالت تنقل رسالة نظام كيم جونغ أون.

موسيقى تتغير
تغيرت الموسيقى الكورية الشمالية كثيراً. أصبحت العروض أكثر إثارة وأقرب إلى الموسيقى العالمية، حيث تخلصت من العديد من العناصر التقليدية. قدمت فرقة فنية من كوريا الشمالية رقصة نقرية خلال عرضها في الصين هذا العام. وأظهر هذا تبايناً صارخاً مع الموسيقى الكورية الشمالية السابقة التي أكدت سماتها القومية.
وتم التركيز بشكل أكبر على العولمة والابتكار تحت حكم كيم جونغ أون، والفن هو الأداة الأكثر فعالية لإرسال هذه الرسالة إلى الناس. من خلال العروض الموسيقية يدرك الشعب الكوري الشمالي الآن أن الأمور ليست كما كانت عليه من قبل.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً