الموقف الأميركي حيال فلسطين: منح إسرائيل الوقت لاستكمال عدوانها

في حرب غزة عام 2014 عندما اشتعلت المواجهة، أخذت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما خطوة غير مسبوقة بوقف الرحلات الجوية إلى تل أبيب. 


كانت الحيثية أنّ سلامة الطيران المدني تقتضي هذه الإجراء بعد تعرض محيط مطار بن غوريون لقذائف غزة. لكن في العمق كان ذلك بمثابة تعبير عن استياء الإدارة، التي كان جو بايدن نائب الرئيس فيها، من مدى التصعيد الإسرائيلي. 


طبعاً لم تكن تلك الرسالة كافية لوقف العمليات، لا سيما أنّ جماعات إسرائيل في واشنطن سارعت آنذاك إلى فرض التراجع على البيت الأبيض. لكنها على الأقل كانت خطوة عملية، ولو رمزية، قامت بها الإدارة من خارج المألوف.


مثل هذه الرمزية غير واردة اليوم لدى إدارة الرئيس بايدن في العدوان الإسرائيلي الجاري، ولو من عيار أخف، مع أن التصعيد يتجه نحو حرب كاملة كسابقاتها، حسب التقديرات المتداولة. 


الإدارة الأميركية، لليوم الخامس على التوالي، ما زالت تردّد نفس الخطاب الخاوي الذي لم يعد يتناسب مع تعنيف العمليات، خاصة في اليومين الأخيرين. أكثر ما ذهبت إليه، حتى الآن، أنها اكتفت بمظهر الحراك الدبلوماسي غير المتوازن في كل حال، وغير المرتبط بصيغة عملية لوقف التدهور، مثل طرح صيغة لوقف إطلاق النار مثلاً. كل ما صدر عنها بدا كمن يرشّ الماء من أنبوب رفيع لإطفاء حريق كبير، بدلاً من تطويقه ومحاصرته. وكأن واشنطن تعطي الوقت اللازم لإسرائيل، بناء على طلبها، كي تواصل عملياتها العسكرية.


الإدارة تقول إنها “على علم تام بالوقائع القائمة على الأرض”، لكن من المنظار الإسرائيلي. وتبدى ذلك في لغة البيانات التي صدرت على إثر الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية أنتوني بلينكن ونائبته وندي شيرمان، ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي جيك سوليفان، مع نظرائهم الإسرائيليين، وفيها جميعها جرى الحرص على إبراز مقولة إن “إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها”. العبارة تكررت على لسان المسؤولين بصورة طردية مع اشتداد القصف وتزايد الضحايا، علّها توفر شيئاً من الغطاء لشراسة العدوان. 


ومقابل التشديد على هذا “الحق الصريح وغير المحدود” لإسرائيل، كان نصيب الفلسطينيين الاعتراف لهم بـ”حق التمتع بالأمان والأمن”، بحسب ما جاء في البيان الافتتاحي للمؤتمر الصحافي الذي عقده، أمس الثلاثاء، الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية نيد برايس. لكن من دون أن يكون له “حق الدفاع عن هذا الأمن والأمان”. ضمناً يعني أن الفلسطيني هو المتلقي، خلافاً للإسرائيلي الذي يُملي.




 


كما جرى الحرص في الردود والبيانات على وجوب التهدئة وخفض درجة التصعيد، من دون الدخول في تفاصيل وشروط هذا الخفض المرغوب، خاصة من إسرائيل، لتحاشي مطالبتها بوقف عملياتها العسكرية. 


وفي هذا السياق، رفضت الخارجية الأميركية الإفصاح عن الجهات الفلسطينية التي جرى الاتصال بها، كما رفضت أيضاً تأكيد وصول رسالة للرئيس الفلسطيني محمود عباس من الرئيس بايدن. على الأرجح كي لا تُسأل عن المضمون الذي يشير هذا التكتم إلى أنه ربما احتوى على جوانب فلسطينية حساسة.


عدوان القدس وتوابعه كشفا بسرعة محدودية العناوين الرئيسية التي وضعها بايدن لرئاسته. تعهّده بـ”عودة الدبلوماسية”، فضلاً عن “عودة دور أميركا القيادي” في العالم، تبين أنها شعارات فضفاضة، على الأقل عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، ذلك أن دبلوماسية إدارته بدت باهتة وعاجزة في هذا الاختبار. وكذلك، الدور القيادي الأميركي الذي بدا أقرب إلى الثانوي. 


إسرائيل خططت لقضية حي الشيخ جراح، وتولّت تصعيدها وتكبيرها وفق حساباتها، وواشنطن بدت وكأنها مشت معها أو سكتت عنها. بل أكثر من ذلك، لقد تجاوبت بحسب ما يظهر مع مطلب إسرائيل بـ”عدم التدخل” في هذه المواجهة. وحتى الآن هذا ما فعلته.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً