"النهضة" التونسية أمام تحدي الحكم: تشكيل الحكومة والتموضع السياسي

وجدت حركة النهضة التونسية نفسها في وضع دقيق بعد الانتهاء من الانتخابات التشريعية والرئاسية، وما أفرزته من توازنات جديدة فرضت تشكيل مشهد مختلف، لا يبدو أنه يلبّي طموحاتها بالكامل، على الرغم من أنه حدّ من خسارتها، مثلما حدث مع أحزاب كثيرة أخرى. ومع أن النهضة حلّت في المرتبة الأولى في البرلمان بـ52 نائباً، إلا أنها لم تحصل على الغالبية، بينما فازت أحزاب عدة بالمقاعد الأخرى، ما أفرز كتلاً متوازنة وقوى جديدة كبرت طموحاتها أيضاً، وباشرت الترويج لشروطها للتحالف، ما وضع النهضة في مأزق حقيقي. وعلى وقع هذه المعطيات، تتمسك النهضة بما منحه إياها الناخبون، بعد تصدّرها النتائج الانتخابية، بعدما كانت في المرتبة الثانية إثر انتخابات 2014، وتقرأ الحركة هذه الأرقام بإيجابية، معلنة إثر انعقاد مجلس شوراها نهاية الأسبوع الماضي “تحمّل مسؤولية تشكيل الحكومة وترؤسها وسعيها إلى تعميق الحوار مع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، على قاعدة برنامج يضمن لها حزاماً سياسيّاً واسعاً”.

ويفسر رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن الحركة “ستتحمّل مسؤوليتها في الحكم، ومن واجبها أن تقود الحكومة، وستحكم بكل طاقتها، ولن تتهرب من المسؤولية”، لافتاً إلى أنه “من غير المسموح عدم تشكيل الحكومة أو فشلها”. وأضاف أن “رئيس الحكومة سيكون من حركة النهضة”. وذكر الهاروني، في مؤتمر صحافي عقد يوم الأحد الماضي، أن “مجلس شورى الحركة قرر أن يكون رئيس الحكومة من النهضة، وسيتم التشاور حول أن يكون رئيسها راشد الغنوشي أو شخصية أخرى يتم التوافق حولها”، موضحاً أن “المشاورات مع الأحزاب ستكون على أساس البرنامج، وليس مجرد محاصصات حزبية”.

وتؤكد مصادر النهضة لـ”العربي الجديد”، أن قرار تحمّل المسؤولية حظي بإجماع واسع داخل اجتماعات المجلس بأغلبية مطلقة بأكثر من 90 صوتاً في مقابل اعتراض 3 أصوات فقط، وتضيف أنه نوقش أيضاً موضوع ترشيح الغنوشي للمنصب، وكان هناك نقاش مطول حوله، بين داعم ومعترض. ويبدو أن الغنوشي نفسه عبر عن استعداده لتحمل هذه المسؤولية، وسيكون هناك اجتماع ثان للمجلس لمناقشة تطور المشاورات التي سيقودها الغنوشي مع بقية الأحزاب.

ولا شكّ أن النهضة لا تريد إضاعة هذه الفرصة التاريخية، تماماً كما اقتنصت فرصة الترشح للرئاسة لإسقاط المحرّمات نهائياً وتطبيع المشهد العام، مع فكرة أن تترشح الحركة لكل المناصب وتقود الحكومات، على الرغم من أنها سبق أن فعلت ذلك مع الترويكا، إلا أن الوضع الآن مختلف تماماً، خصوصاً أن الرئيس الجديد، قيس سعيّد، لم يكن في وضع المتنافس مع النهضة ولا يدخل المشهد بأفكار مسبقة كما كان الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، بل إن هناك تقارباً دفعها إلى دعمه بقوة في الدور الثاني. وهو مستوى من التوافق قد يسهّل مهمة إدارة الحكم، بانتظار رؤية الرئيس نفسه لمستوى العلاقة وطريقة إدارة الحكم المشتركة.

ولكن النهضة تدخل مغامرة تشكيل الحكومة برصيد متواضع من نوايا بقية الكتل والأحزاب، إذ يشير أغلبهم إلى عدم رغبته في ذلك، أو في وضع شروط تعجيزية، ربما لرفع السقف وتحسين شروط التفاوض، وربما بسبب المبالغة الشديدة في فهم الانتصارات الجزئية التي أحرزوها. وبعدما استبعدت النهضة حزبي قلب تونس والدستوري الحر، لم يبق أمامها إلا حركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي وتحيا تونس وائتلاف الكرامة والمستقلين، وفيما تناقضت المواقف الداخلية في صفوف حركة الشعب والتيار في موضوع المشاركة في حكومة النهضة، عبّر ائتلاف الكرامة عن استعداده للمشاركة الحكومية. ولكن هذا التقارب بالذات له كلفة كبيرة على صورة النهضة التي قد تبدو مقتربة من أقصى اليمين بعد أن كانت تسعى لسنوات طويلة للاقتراب من الوسط.

غير أن الغنوشي استبق ذلك خلال الحملة الانتخابية، عندما دعا لانتخاب النهضة باعتبارها “قادرة على التعامل مع قيس سعيّد وقادرة على عقلنة قوى الثورة كما قامت في 2014 بعقلنة ما سمّاها بالمنظومة القديمة”، مؤكداً أن “حركة النهضة تعمل على المحافظة على تونس كدولة الاعتدال والوسطية والثورة العاقلة”.

وعاد هذا الموضوع إلى مناقشات مجلس الشورى الأخير، من خلال تدخل القيادي بالحركة لطفي زيتون، الذي أكد أن “النهضة مطلوب منها، بعدما مالت خلال الحملة ميلاً خطيراً إلى أقصى اليمين، أن تعود إلى الوسط وتنخرط في التوافق من جديد. توافق مبني على الصورة التي رسمها الشعب لرئيسه: التواضع والترفّع عن الانتماءات، ونظافة اليد، ومحاربة الفساد، والاعتماد على الكفاءة الشخصية في الانتخابات لا القوائم المجهولة. كما أن على ‎رئيس الحكومة أن يكون شخصية سياسية كبيرة، مقبولة داخلياً وخارجياً، وينخرط في إعادة تجميع التونسيين في مشروع وطني جامع وإعادة خلق السياسة”.

في السياق، يشير القيادي في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أنّ النهضة تبني تحالفاتها على أساس أحزاب تؤمن بالتغيير وقواعد الدستور والديمقراطية ومقاومة الفساد والدولة التونسية ومقوّماتها، وهذا هو اتجاهها. وأضاف أنه بقطع النظر عن العائلات وتصنيفاتها السياسية، إلا أن النهضة تبحث في تحالفاتها عما إذا كان الحزب ديمقراطياً أم لا؟ يؤمن بالتعايش أم لا؟ وإن كان فهم رسالة الانتخابات التي تقوم على التغيير وعلى قضايا التونسيين الجوهرية في التنمية والعيش المشترك والتعامل مع الآخر.

وأوضح أنّ هدف النهضة هو حكومة قوية ومستقرة يمكن أن تتصدى للإكراهات التي حصلت في السابق، والحصول على تحالف قوي وصلب وقادر على العمل المشترك ضرورة وطنية، مشيراً إلى أنّ التصنيفات تبقى للمحللين والمراقبين. ولكن النهضة ترى أن التيار الديمقراطي وتحيا تونس وحركة الشعب، هم من العائلة الوسطية، رغم أن كل حزب منهم يركز على هدف، منهم يركزون على مقاومة الفساد وآخرون على البعد الوحدوي واستقلال القرار الوطني، وآخرون على الاقتصاد.

وأفاد الجلاصي بأنّ النهضة ستتعامل مع ما أفرزه الصندوق وسيتم التشاور مع الجميع باستثناء حزبين فقط، وهما طرف غير ديمقراطي ولم ينضج بعد ومسكون بالحنين ويمثل أقلية (يقصد الدستوري الحر)، وطرف ثانٍ تحوم حول عناصره وقيادته شبهات في الفساد (يقصد قلب تونس). وخلافاً لهذين الحزبين فإن النهضة منفتحة، لأن الهدف حكومة قوية مستقرة تنطلق في الإنجاز وتحقيق الإرادة الشعبية.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً