انقلاب في مجمع اللغة العربية … كوميديا سوداء

“مجمعُ اللغة العربية” في القاهرة مؤسّسةٌ تقنية خالصة، لا دور لـ السياسة فيها، أو هكذا يُفترَض. يختار المجمع (تأسّس عام 1932) معظم أعضائه من كلّ التخصُّصات المعرفية لإحداث نوع من التوافُق بين اللغة والمعرفة الجديدة. وينتخبُ الأعضاءُ الرئيسَ ووكيلَيه بشكل مباشر.


في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، جرى انتخاب حسن الشافعي، أستاذِ العقيدة والفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة – الذي يتولّى رئاسة المجمع منذ عام 2012 – رئيساً له للمرّة الثالثة على التوالي، للسنوات الأربع المقبلة، بعد حصوله على سبعة عشر صوتاً من أصل ستّة وعشرين، في مقابل تسعة أصوات فقط لمرشّح السلطة الأكاديمي صلاح فضل. وهذه النسبةُ الكبيرة وضعت النظامَ المصري ورجالَه في أزمة شديدة.


ولاحقاً، أصدر وزير التعليم العالي المصري، خالد عبد الغفار، قراراً بإقالة الشافعي (1930) ومنعه من الترشُّح مرّةً أُخرى، قبل أن يُصدر، يوم الخميس الماضي، قراراً بتعيين فضل في منصب “القائم بأعمال رئيس مجمع اللغة العربية”، في سابقة لم تحدث من قبل.


هل يصمت أعضاء المجمع أو يبرّرون ما حدث بالدفاع عن “التنوير”؟


يحدث كلُّ ذلك لأن النظام الحالي يدرك موقف حسن الشافعي من النظام العسكري؛ فقد جرى اعتقالُه في فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بسبب اعتباره إخوانياً. وبعد خروجه من المعتقل، ظلّ يُدرّس الفلسفة في جامعة القاهرة. وفي فترة مبارك، كان يُمثّل الرؤيةَ الحضارية للإسلام في الحوارات الثقافية، وكانت تربطه علاقة طيّبة بشيخ الأزهر الحالي، أحمد الطيّب، منذ أن التقيا في باريس؛ حيثُ كانا يدرسان الفلسفة. وبعد الثورة، اختاره الطيّب ليكون مستشاراً له. وبعد الانقلاب العسكري في عام 2013، قدّم الشافعي بياناً سياسياً رفيع المستوى، اعتبر فيه أنَّ المؤسّسة العسكرية انقلبت على الثورة والديمقراطية معاً. ولولا تدخُّل شيخ الأزهر، لكان معتقَلاً إلى الآن.


أمّا صلاح فضل (1938)، فقد تماهى مع السلطة وأصبح أحد أدواتها في الثقافة، وهو الذي أدّى لها خدماتٍ في داخل مصر وخارجها؛ فقد كان ملحقاً ثقافياً لمصر في إسبانيا، ولعب دور الوسيط بين النظام الثقافي في القاهرة وأنظمة بلدان الخليج، وخصوصاً الإمارات. كان فضل همزةَ وصل بين الدولة والمثقّفين؛ إذ قام بصناعة رموزها في جميع الوسائط عن طريق كتاباته النقدية واختيارهم لتمثيل مصر في الخارج، بل وإعطائهم الجوائز، دون النظر إلى قيمة ما يُقدّمون.


لقد ساهم فضل في السيطرة على مجتمع الجامعة وأعضائها الفاعلين عن طريق خلق الولاءات، وتربية جيل من الباحثين الذين يُبرّرون أفعال الدولة على المستوى السياسي والاجتماعي، ويُروّجون لخطابها الثقافي في كل المنتديات.


بالتأكيد، فإنَّ الدولة تحتاج إلى مثل صلاح فضل في مؤسّساتها. أمّا حسن الشافعي فإنه لا يصلح لتلك المهمّة. لكن، هل تقبل تلك النخبة من العلماء، أعضاء المجمع، ما حدث؟ وهل ستحدث أزمة أُخرى بسبب هذا التدخُّل الذي ضرب باختيارهم الديمقراطي عرض الحائط؟ هل سيرفض المثقّفون تلك الفاشية الفاضحة أم أنهم سيصمتون أو يبرّرون ما حدث بالدفاع عن “التنوير”؟ 



* شاعر من مصر






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً