باسكال سينيوري: "للفيلم القصير إيقاعٌ سريع يتماشى وزخم الحدث"

 


تنتمي الممثلة والمؤلّفة اللبنانية باسكال سينيوري إلى الموجة الجديدة، التي اكتسحت السينما اللبنانية في السنوات الأخيرة. يبقى التجريب، على حدود وسائط فنية مُتنوّعة، أهم ما يُميّز هذه التجارب، ويجعلها تخترق مكبوت المجتمع اللبناني، سياسياً واجتماعياً.


في”حاجز” (2020)، لداليا نمليش، تعمل سينيوري (تأليفاً وتمثيلاً) على إعادة ترميم حكايتها، بجعل قصّة حبّ بين لبنانية ومهاجر فضحاً لأعطاب البلد وتصدّعاته، خلال ثورة “17 أكتوبر” (2019). الحبّ ذريعة للتوغّل أكثر في شؤون البلد سياسياً، ونقد مُتواريات يتستّر عليها الخطاب اللبناني الرسمي.


لباسكال سينيوري خفّة مرحة، تمثيلاً وقدرةً بالغة على التماهي مع مَشاهد الفيلم. لأسلوب كتابتها امتدادٌ عميقٌ في طريقة تمثيلها. صُورها أكثر حميمية مع الحدث، لكنّ بتلقائية ومباشرة. فهي تجعل الاجتماع اللبناني مُختبراً للتفكير وطرح أسئلة خفيّة حول مصير البلد، بعين مهاجر يعود إلى بلده لزيارة جدّته المريضة، وهذا كافٍ للكتابة كي تتسرّب ذاكرتها إزاء الانتفاضة، ويتدفّق معها الحكي بمُفردات واقعية عنيفة، تُضمر جرحاً غائراً عن مصير مواطني بلدٍ ينغل بمأساة اللحظة، وعنف حربٍ أهلية تُرخي ظلالها على راهنٍ، وتُعطّل معه كلّ رغبة في العيش والحلم.


يُفترض بـ”حاجز” (“العربي الجديد”، 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) أنْ يُعرض في الدورة الأولى لـ”مهرجان القدس للسينما العربيّة”، المحدّدة بين 20 و24 فبراير/ شباط 2021، لكنّ كلّ شيء معلّق بحسب متطلّبات كورونا. اختياره للمهرجان دافعٌ إلى حوارٍ معها:


 


(*) من المسرح إلى السينما، ثم كتابة سيناريو “حاجز”، الذي تمثّلين فيه الدور الرئيسي. كيف تعيشين هذا الانشطار بين التمثيل والكتابة؟


عالم الفن مُتداخلٌ بالنسبة إليّ. بدأت بالرقص، ثم درستُ الأدب والمسرح. بدأت بكتابة المسرح والسيناريو، ثم التمثيل. لا أشعر بتناقض بين هذه المجالات، بل على العكس هناك تكامل وانسجام بينها. هناك نوعٌ من تغذية متبادلة بينها. أشعر أنّ التعدّد يُغنيني، ويُنمّي تجربتي الفنيّة.


لم أتوقّف عن الرقص، رغم اتجاهي بشكل أكبر إلى التمثيل والكتابة. أشعرُ الآن أنّ الرقص اتّخذ بُعداً أغنى بفضل تجربتي في التمثيل والكتابة. كذلك بالنسبة إلى التمثيل، فالرقص موجودٌ دائماً فيّ، ويُساعدني في التعبير والتفاعل الجسدي أثناء التمثيل. الكتابة تمنحني فرصة التعبير عن هواجس وقضايا تهمّني، وإمكانية بناء شخصيات وسرد قصّة. حين يتسنّى لي، في الوقت نفسه، إنجاز الفيلم الذي كتبته والتمثيل فيه، أشعر بامتنان كبير، إذ تكون فرصة لي لإحياء شخصية كانت تعيش في خيالي فقط، وعلى الورق. ثم هناك حميميّة خاصّة في تمثيلي شخصية كتبتُها، ونوع من حرية أكبر في أدائها، لأنّي بنيتُها وعشتُ أبعادها.


 


(*) كيف تشكّلت فكرة “حاجز”، ثم كتابة السيناريو الخاص به، بعد أدوار عدّة لك في أفلامٍ قصيرة لبنانية؟


بدأت فكرة “حاجز” من قصّة واقعية جرت مع قريبة لي أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. علقَتْ القصّة في ذهني، مع تساؤلاتٍ عن معناها وأبعادها، وكيفية الحياة اليومية لجيل أهلنا خلال تلك الحرب. بدايةً، أردتُ الكتابة عن تلك الفترة، والغوص فيها لفهمها أكثر. إلّا أنّي شعرتُ مع الوقت بضرورة التعبير عن امتداد لعنة الحرب علينا في لبنان إلى اليوم. فالبلد لم يعرف استقراراً حقيقياً، ولا يزال يعاني التجاذبات والتناحرات نفسها، ويتعرّض باستمرار لمخاطر متشابهة ومتكرّرة منذ الحرب. هكذا تحوّلت الفكرة من سرد قصّة قديمة إلى رغبةٍ في وضعها في إطار معاصر، تعبيراً عن الامتداد الزمني للأوضاع نفسها، وربطاً لهذا الامتداد بتجربتي الشخصية وتجربة أبناء جيلي.


حين كتبتُ السيناريو، لم تكن “ثورة 17 أكتوبر” (2019) اللبنانية بدأت بعد. عندما بدأت حاملةً آمال اللبنانيين وآلامهم، خاصة الشباب منهم، لاحظنا ـ داليا نمليش (المخرجة) ومارين فاييان (المنتجة) وأنا ـ تطابق بعض شعارات الثورة وأجوائها مع شعارات وأجواء كتبتها في السيناريو، فقدّمنا الموعد الذي كان مُحدّداً للتصوير، للتمكّن من تصوير مَشاهد الثورة الحقيقية. لحسن الحظ، استطعنا أن نقوم بذلك، وأظنّ أنّ التصوير ضمن الثورة، التي حملت أحلامنا، أضاف بعداً خاصاً للفيلم ولأدائنا وللعمل ككل.


إلّا أنّ الثورة واجهت، مع الأسف، عوائق عدّة أحبطتها، كما أحبطت شخصيات الفيلم على الحاجز.


 




 


(*) يتميّز “حاجز” بسلاسة حكي، وإنْ يُضمر هذا في طياته خطاباً احتجاجياً عن بلد يعاني تصدّعات وأهوالاً. إلى أيّ حدّ يُمكن للسيناريست أن يقبض على بعض هذا الخراب النفسي اليومي، الذي يعيش فيه، محوّلاً إياه إلى صورة؟


في كلّ بلد وكلّ وضع صعب يمرّ به أي مجتمع، تستمرّ الحياةُ بشقائها وأفراحها وصعوباتها، فيُسلِّط فيلمٌ أو عملٌ فنّي الضوء على زاوية من الحياة، مع شخصيات معينة، وكيفية تعايشها مع الواقع العام. يتطرّق كاتب السيناريو إلى مواضيع عامة عدّة، اجتماعية أو سياسية أو وجدانية أو فلسفية، لكن عبر خصوصية الشخصيات والسرد.


في هذا السيناريو، كما في سيناريوهات أخرى لي، أكتشفُ أثناء الكتابة كم أنّ العمل ينبع ليس فقط ممّا نعرفه ونعيشه شخصياً كأفرادٍ وجيل، بل أيضاً من تجارب ومخزون حياة أهلنا وأجدادنا، وربما أجيال سابقة لا نعرفها حتّى، فالذاكرة البشرية تُتَوارث بشكل ما، وتتداخل فينا، ثم تجد منفذاً لها في عمل فنّي.


قصّة “حاجز” وشخصياته تتفاعل طبعاً مع واقع الهموم الحالية في لبنان، التي جاءت الثورة تعبيراً صارخاً عنها. لكنّها تحمل أيضاً مسائل بنيوية دائمة في الواقع اللبناني: الهوية، الانتماء أو صعوبته، الانتماء المزدوج، الهجرة، تضارب المسار الشخصي مع صعوبة الواقع السياسي، السعي إلى الحرية ضمن هذا التضارب.


 


(*) رغم كثافة الخطاب، هناك صورة هشّة طبعت الدقائق الأولى، لكّنها تفتّحت سريعاً وفجأة، وتعطّل معها مفهوم اللذّة الجمالية على خطاب يُفكِّك، مواربة، واقع البلد، ويُعرّي مأساته. لماذا هذه الازدواجية في الخطاب السينمائيّ بين الواقعيّ والمتخيّل؟


لا أظنّ أنّ هناك ازدواجية بين الواقعيّ والخيالي. بداية الفيلم الفرِحة واقعية أيضاً، وربما أكثر من الباقي، إذ إنّها كانت فعلاً ضمن مظاهرات حقيقية. الحاجز، الخيالي فعلياً أي غير الحقيقي، يرمز إلى إمكانية العوائق والصعوبات، ويفجّر في الوقت نفسه المشاكل بين شخصيتيّ الفيلم، التي لم تكن واضحة قبلاً.


أظنّ أنّ هناك تداخلاً وتكاملاً بين الواقعي والخيالي، كما في أيّ عمل فنّي. المهم أن يعي الفنان ما يريد قوله، وكيف يريد التعبير عنه، وأن يبقى صادقاً مع رؤيته الخاصة وخياراته الفنية.


 


(*) من الأشياء التي تبقى عالقة بالنسبة إلى السيناريست قدرة المخرج (صاحب الصورة) على تفعيل، أو تخيّل ما يحلم به السيناريست. كيف جرى تعاملك الأول في فترة الكتابة مع داليا نمليش؟


صحيح أنّ كاتب السيناريو يتخلّى عن نصّه عند تسليمه إلى المخرج وفريق العمل. ربما يبلور المخرج السيناريو كما أراده الكاتب، أو ربما يأخذه باتجاهٍ مختلف، أو على الأقل بنظرة مُغايرة. بالنسبة إلى “حاجز”، كان انسجام فريق العمل ككلّ أساس تجربة جميلة في الأصعدة كلّها.


داليا صديقتي قبل أن تكون زميلتي في العمل. فهمَت بسرعة ما أردتُ قوله، ووجد النص صداه لديها فتبنّته، وبدأت إحياءه باقتراحاتها للإخراج. إنّه أول عمل لها، ولن يكون الأخير، فلديها حسٌّ فني مميّز، وقدرة على السرد السينمائي للقصّة، وإعطائها الإيقاع المطلوب بطريقة ذكية ومقتضبة وشاعرية في الوقت نفسه.


بالإضافة إلى ذلك، هناك تعاملها مع الممثلين، وفيه رقّة وتفهّم كبيران، ما أراحني وأراح جميع المشاركين في العمل. تعرف تماماً ما تريد، لكنّها تعرف أيضاً كيف تفسح المجال للممثل ليُعبّر عن ذاته بحرية. قدّرتُ كثيراً أوقات الارتجال التي خصّصتها لنا قبل كلّ مشهد وبعده، رغم ضيق الوقت والميزانية، إذ رأت أهميّة فسحات الحرية تلك في أدائنا. استعمَلَت بعض هذه المشاهد في المونتاج النهائي.


أظنّ أنّ داليا تتمتّع فعلاً بكل ميزات مُخرجة موهوبة. أتمنّى أن تتسنّى لنا فرصة جديدة للعمل معاً، ومع مارين أيضاً، والفريق الرائع.


 


(*) ماذا عن مرحلة التصوير؟


كان كلّ شيء كحلمٍ يتحقّق خطوةً خطوةً. الجميع أعطوا من قلوبهم لتحقيق العمل. أفتخر بالفريق وبفرصة العمل معه. كما قلتُ، نمليش وفاييان رائعتان، وكذلك المُصوّرة فاطمة رشا شحادة، والممثلون جوليان فرحات ومحمد ياسين وأحمد حمّادي شسين.


في مرحلة المونتاج، سُعدتُ بالعمل مع آدم جمّال (مونتاج) وزيد حمدان (الموسيقى). الجميع أعطوا أقصى طاقاتهم رغم الصعوبات التي واجهتنا، خاصة من ناحية التمويل البسيط.


أكثر ما أحبّه في هذا المجال أنّه عمل جماعي. لا أحد يستطيع تحقيق شيء لوحده. عمل كلّ شخص أساسي للجميع. بالإضافة إلى جميع الذين ساعدونا وساندونا، كأهالي طرابلس الرائعين في استقبالهم، وأهلنا وأصدقائنا في لبنان وبلدان أُخرى. لولاهم جميعاً لما تحقّق المشروع.


 




 


(*) ما يُثير التفكير اليوم في الأفلام اللبنانية مدى تفاعل فيلموغرافيتها القصيرة مع “انتفاضة 17 أكتوبر”، ومنها “حاجز”. أتعتقدين أنّ الأوان حان للتصدّي للحدث، ومحاولة تخيّله سينمائياً، من دون أخذ مسافة بين الكاميرا وحساسية الحدث؟


أحياناً، تنضج الأمور فتتبلور بالحراك الشعبي أو بالفن أو بشكل متزامن للاثنين معاً. ليس غريباً أن تكون هناك أفلامٌ قصيرة عدّة أُنجزت عن “ثورة 17 أكتوبر”، فللفيلم القصير إيقاعٌ سريع يتماشى مع زخم الحدث. ثم إنّ الفنانين هم أبناء هذا المجتمع، وطبيعيٌ أن يُرافقوا أحداثه المهمّة، ويشاركوا فيها بمواهبهم.


 


(*) إلى أيّ حدّ يُمكن لـ”حاجز”، أو لغيره، الانخراط في الحراك السياسي الذي يشهده لبنان حالياً، أمام نزاع سياسي وقهر يومي يتمثّل بتفشّي كورونا وعذاباته؟


الآلام والمصائب كثيرة ومتراكمة في لبنان، كما في العالم، بأشكال عدّة. وكما في كلّ زمان ومكان، يُعبِّر الفن عن المعاناة الإنسانية، والآمال والأفراح والأفكار. الأفلام المرافقة للمراحل الحالية الصعبة في لبنان ليست طبعاً من باب العمل السياسي، بل لمُلامسة التجارب الإنسانية، ووضعها في إطار حسّي وجداني وجمالي، يُضيء عليها. بالإضافة إلى ذلك، ربما يكون للعمل الفني قيمة وثائقية، وأحياناً بعض التأثير السياسي.


أتمنّى أن ينجح “حاجز” في أن يكون صادقاً ومؤثّراً، فنكون بذلك قدّمنا مساهمتنا قدر المستطاع.


 


(*) ختاماً، ما مشاريعك السينمائية المقبلة؟ هل لها علاقة أيضاً بالتأليف؟


بالنسبة إلى الكتابة، أعمل حالياً على سيناريو فيلم طويل، مبنيّ على فكرة “حاجز”، مع الشخصيات نفسها لكن بأبعادٍ أكبر. وأعمل على سيناريو آخر لفيلمٍ طويل أيضاً، لكن عن دور الفن، خاصة الرقص، في المجتمع اللبناني. هناك مشروع مسلسل كوميدي في باريس عن الغربة وصعوباتها، وصعوبة حياة المُمثلين. بالنسبة إلى التمثيل، هناك احتمالات ومشاريع أتمنّى أن تتحقّق رغم الصعوبات التي نواجهها حالياً بسبب كورونا.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً