بدر شاكر السيّاب.. الأعمال الكاملة بعد انتظارٍ كلَيلِ السُّهاد

تُستدعى تجربة بدر شاكر السيّاب كلما دُرست تحوّلات القصيدة العربية في منتصف القرن الماضي، ورغم الاختلاف حول دوره في التجديد بين فريق يرى أن ثيمات شعره أو مناخاته تعكس حالة من التمرّد حرّكت الآسن في المشهد الثقافي العربي، وآخر يعتبر أن تجريب الشاعر العراقي (1927 – 1964) ظلّ رهين الرؤية الشعرية التقليدية.


في مقاربة جديدة لصاحب “حفّار القبور”، صدرت حديثاً عن “دار الرافدين” و”تكوين” أعماله الشعرية الكاملة بتحقيق الشاعر العراقي علي محمود خضيّر، وتقدّيم أدونيس، والتي اعتمدت المخطوطات الأصلية لقصائد الشاعر مع هوامش تحريرية موسّعة تضمّ التعديلات التي أجراها السيّاب على متنه الشعري في فترات مختلفة.


يشير أدونيس في تقديمه إلى “صداقة شعرية متينة” جمعته مع السيّاب قبل لقائه به في بيروت؛ لقاءٌ أتى “في مرحلةٍ تاريخيّة، شديدة الالتباس، سياسيّاً وثقافيّاً. كلُّ كلام على الشعر، في مَعْزِلٍ عن هذه الالتباسات، لن يكون إلاّ التباساً آخر”، على حد وصفه؛ حيث كان هناك “إعادة نظَرٍ جَذريّةٍ” في أوزان الشعر، ما يعني إعادة نظر في ما رسخ من “المفهومات والقيم الفنية – الشعرية، وعياً وتذوقاً، فهماً وتقويماً”.


عن التباس السياسة، يقف صاحب “الثابت والمتحوّل” كعادته عند افتراق “الممارسات الحيّة والأقوال والكتابات” عن الدعاوى الأيديولوجية التي رافقتها آنذاك، وأنها كانت تحمل بذور الفشل “في إمكان الوصول إلى بناء مجتمعاتٍ عربيّة ديمقراطيّة مَدَنِيّة”. قراءة تقوده إلى القول: “القصيدة العظيمة نسيجٌ كَوْنيّ. وما نحتاج إليه، نحن العرب، هو شعرُ الأفق الكبير الواسع، بلا حدود، المُنْفَتِح بلا حدود. وهذا هو الأفق الذي سارت فيه رؤيةُ السيّاب في قصائد مثل “أنشودة المطر” و”النهر والموت” و”المسيح بعد الصَّلْب”.


نشْر بعض أعماله جرى وفق أهواء تجاريّة مرّةً وشخصيّة مرّات


في حديثه إلى “العربي الجديد”، يقول خضير إن “البحث والتحقيق تضمّن جمع كل ما نشره السيّاب من دواوين وكتب مختارات وقصائد في مختلف الطبعات والعهود، فضلاً عن أرشيف الصحف والمجلات التي نشر فيها، وما هو متوفّر من مخطوطات أصليّة حصلتُ عليها من نجله غيلان السيّاب -الذي بذل جهوداً خاصّة في المشروع- ومن ثم مقابلة الوثائق ببعضها وتدقيقها لاستخراج الملاحظات التحريريّة التي تنوّعت بين سقطات سهو، وأخطاء طباعيّة، وتعديلات أجراها الشاعر على متنه في عهود مختلفة جرى إغفال توثيقها”. يضيف: “العمل شمِل أيضاً توثيق مقاطع محذوفة ونشر قصائد جديدة لم يجر إلحاقها بالديوان الكامل، في النهاية اكتشاف قصيدتين جديدتين للسياب لم يطلع عليهما أحد وتصويب حقائق تاريخية في حياة الشاعر منها سنة ميلاده الحقيقية التي ظلت خطأً متوارثاً طيلة العقود السابقة، حيث وُلد عام 1927، مجهول اليوم والشهر، وليس الخامس والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 1926، كما بقي مثبتاً”.


كما يبيّن أن “طبعة “دار العودة” هي جزء من المشروع، وقد جرى ضمّ محتواها كلّه إليه، لكننا أضفنا إليها متوناً أخرى ظلّت تنقصها، كما أعدنا تبويب الأعمال الشعرية بطريقة جديدة نظن أنها الأدق، كذلك تمّت معالجة المشاكل المتوارثة فيها (أخطاء طباعيّة واختلال في تحقيق بعض القصائد) على سبيل المثال. لم يجر استبعاد شعر معروف من تراث السيّاب لأننا بصدد “أعمال كاملة” وليس “مختارات شعرية”، الاستبعاد من أدبيات كتب المختارات”.


ويرى خضير أنه “لم يجر توثيق شعر السيّاب بجديّة وحياد على الرغم من أهميته واعتراف الأوساط النقدية به كأهم محدّثي شعرنا المعاصر. تخيّل حتى تاريخ ميلاد الشاعر الشائع والمتداول ليس صحيحاً، كما أن نشر بعض أعماله في العهود السابقة جرى وفق أهواء تجاريّة مَرّةً وشخصيّة مرّات بلا تدقيق ومراجعة على الرغم من إعادة طبعه لعقود متلاحقة، حتّى التحليل الموضوعي لظروف إصدار قصائد بواكير السيّاب وبداياته يجعلني أشكك كثيراً في دوافع ناشريها (خاصّة ديوان البواكير وأغلب ديوان قيثارة الريح)، فالقصائد كانت من مراحل الصبا الأول (15-18 عاماً) وما كان ينبغي نشرها لأنها لا تمثل السيّاب ولم ينشرها هو بنفسه”.


شعر الأفق الكبير الواسع هو الأفق الذي سارت فيه رؤية السيّاب


الأهم من ذلك كلّه، بحسب المؤلّف، هو “ضرورة أن نقرأ شعر السيّاب، بمناسبة هذه الطبعة، من منطلق جديد، يتجاوز المألوف والسائد من الأحكام النقدية المكرورة، ويستقصي جمالياته الكامنة، ففي ظني أن شعره لا يزال يضمّ ما يستحق السبر والعناية. كما أرجو أن يكون الكتاب بداية لمشروع ضخم يعتني بالشاعر وشعره بعيداً عن النظر إليه وإلى حياته كمادة إعلاميّة مثيرة وفضاء لخيالات وحكايات خرافيّة، لأنه تعرّض جرّاء هذا السعي المحموم لكثير من التلفيق والادعاءات التي استغلّت غيابه المبكر للصعود على أكتافه”.




يشير خضير إلى أن إحدى القصيدتيْن عنوانها “سؤال”، ولم يعثر عليها منشورة في أيّ مكان قبل اليوم، ويقول السيّاب في مفتتحها:

“وبعد انتظارٍ كليلِ السهادْ

أتتني الرسالةْ

أتتني كما رفَّ من سندبادْ

شراعٌ على الموج ألقى ظلالهْ

أكادُ أُحسُّ وراء المدادْ

بصوتكِ يلقي سؤالهْ:

أما زلتَ إن مَسَّ نور الأصيل

رؤوس الروابي

ورفّت تزقزقُ عبر السحابِ

عصافير تنحط ّ بين النخيل

تحنّ إلى كركراتٍ بعادِ

تكسّرن في ماء نهرٍ يسيل”


محاولة جادة وطموحة لدراسة السيّاب الذي لا يزال حاضراً بغض النظر عن المسافة “الحقيقية” التي تفصلنا عنه، حيث تلسعنا إلى اليوم شعريته التي يمتزج فيها التفجّع على شأنه الشخصي من فقر ومرض وغربة بذلك الغضب من العالم كلّه، فيؤلّفان روحاً واحدة لم تحتمل العيش سوى ثمانية وثلاثين عاماً، كتب خلالها مئات القصائد التي يقود متنها دائماً إلى تلك الكارثة أو الموت التراجيدي الذي يسير بشكل درامي طوال أيام حياته.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً