بعد تزويد مصر بالغاز …الاحتلال الإسرائيلي يحكم قبضته على سوق الطاقة بالمنطقة

احكم الاحتلال الإسرائيلي قبضته على سوق الطاقة بمنطقة شرق البحر المتوسط عقب ضخ الغاز المنهوب من المياه الاقليمية الفلسطينية والمصرية إلى كل من مصر والأردن، وبدأ، أمس الأربعاء، تدفق الغاز من الاحتلال إلى مصر، في صفقة تعتبر الأبرز منذ إقرار اتفاق السلام قبل نحو 4 عقود.

وحسب بيان صادر عن وزارتي الطاقة الإسرائيلية والبترول المصرية، الأربعاء، فقد استوردت مصر أول شحنة غاز من إسرائيل في خطوة أكد مراقبون أنها ستعزز من هيمنة الاحتلال على الطاقة في المنطقة.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه مصر أن بدء تنفيذ الاتفاق بين الطرفين سيساهم في تحويلها إلى مركز إقليمي لتصدير الغاز، تدخل إسرائيل في مرحلة جديدة من الهيمنة على سوق الطاقة في المنطقة العربية، وخاصة أنها استبقت تصدير الغاز إلى القاهرة بخطوة أخرى وهي بدء تصدير الغاز تجريبياً إلى الأردن منذ نحو أسبوعين. كذلك تسعى إسرائيل إلى تحويل منتدى الغاز، الذي تشارك فيه ويضم دولا مطلة على البحر المتوسط، إلى منظمة إقليمية، ما يعزز سيطرتها على ثروات الطاقة في المنطقة.

وبموجب الاتفاق الذي بدأ تنفيذه أمس، تشتري شركة خاصة في مصر، هي دولفينوس القابضة، 85 مليون متر مكعب من الغاز بقيمة 19.5 مليار دولار من حقلي لوثيان وتمار الإسرائيليين على مدى 15 عاما.

وسيجرى توريد الغاز إلى مصر بواقع 200 مليون قدم مكعبة يوميا عن طريق خط أنابيب تحت المياه يربط إسرائيل وشبه جزيرة سيناء شمال شرق البلاد والذي كانت تستخدمه القاهرة في تصدير غازها إلى الاحتلال قبل وقفه بعد اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011.

وأعلن وزيرا الطاقة الإسرائيلي، يوزفال شطاينتس، والمصري طارق الملا، أمس، عن بدء تصدير الغاز الطبيعي من الاحتلال إلى القاهرة. وذكرت صحيفة “هآرتس” أمس، أن هذا الأمر يعتبر بالنسبة لإسرائيل تطورا مهمّا يكرس علاقات السلام البارد بين الطرفين والقائم بالأساس على العلاقات الأمنية.

في المقابل اعتبرت الصحيفة أن تنفيذ الاتفاق يعتبر من وجهة نظر مصر خطوة تساعدها على تقوية مكانتها كمركز أساسي للغاز في شرق المتوسط. وبموجب الاتفاق سيتم نقل الغاز الإسرائيلي إلى منشآت التسييل في مصر تمهيدا لتصديره إلى أوروبا.

وأضافت الصحيفة أن الوزيرين الإسرائيلي والمصري سيطلعان منتدى غاز المتوسط على التطورات الأخيرة، علما بأن المنتدى سيعقد مؤتمرا الفترة المقبلة في القاهرة بمشاركة وزراء الطاقة لكل من مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية. ومن المقرر أن يتم خلال مداولات المنتدى الإعلان عن تحويل المنتدى إلى منظمة إقليمية.

وفي نفس السياق، قالت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية في بيان أمس، إن استيراد الغاز من إسرائيل “يمثل تطورا مهمّا يخدم المصالح الاقتصادية لكلا البلدين، حيث سيمكن هذا التطور إسرائيل من نقل كميات من الغاز الطبيعي لديها إلى أوروبا عبر مصانع الغاز الطبيعي المسال المصرية”.

وبذلك تكون العلاقات الاقتصادية المصرية الإسرائيلية قد سجلت مستويات عالية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم تشهده البلاد في أي عهد رئيس تولى حكم مصر، خلال العقود الماضية.

شكوك حول الاكتفاء الذاتي

وتأتي خطوة استيراد مصر للغاز من الاحتلال، رغم التصريحات الرسمية لمسؤولين من القاهرة بشأن زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وبدء التصدير فعليا خلال العام الجاري.

وكان وزير البترول طارق الملا قد أعلن أمام لجنة الطاقة والبيئة في مجلس النواب (البرلمان) في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أن السنوات الأربع الماضية حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 شهدت تنفيذ 29 مشروعاً لتنمية حقول الغاز الطبيعي، بقيمة استثمارات قدرت بنحو 27.3 مليار دولار، وبمعدل إنتاج حوالي 7.6 مليارات قدم مكعبة يومياً.

وأضاف الملا آنذاك أن الطفرة التي حققها قطاع الغاز في ظل الاكتشافات المهمة أسفرت عن زيادة الإنتاج بنسبة 75 في المائة خلال 2019، وتحقيق الاكتفاء الذاتي منذ سبتمبر/ أيلول 2018، متوقعا أن تسهم الاكتشافات الواسعة في زيادة الإنتاج بنسبة 100 في المائة العام المقبل.

ولكن ما حدث هو أن جزءا من الكميات التي بدأت مصر في استيرادها من إسرائيل سيتم استهلاكه محليا، ما يثير الشكوك حول صحة التصريحات المصرية الرسمية بتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، حسب مراقبين.

ونقلت صحيفة هآرتس، أمس الأربعاء، عن مصادر إسرائيلية، أن جزءا من الغاز الذي سيصدر إلى القاهرة سيكون للاحتياجات المصرية الداخلية.

ولم يستفد المواطن المصري من التطور الذي حققته الحكومة في مجال الغاز، إذ نفذت القاهرة سلسلة من إجراءات التقشف الصارمة تضمنت إجراء تخفيضات كبيرة في دعم الطاقة، بل وقامت برفع أسعار غاز الطهو والكهرباء والبنزين أكثر من مرة.

وتوقع وزير البترول المصري في تصريحات، أمس، انخفاض فاتورة دعم المواد البترولية بالبلاد إلى نحو 30 مليار جنيه (1.90 مليا دولار) خلال السنة المالية الحالية 2019، مقابل 89 مليار جنيه قبل عام.

مركز إقليمي للغاز

وتؤكد القاهرة أن تعاونها مع إسرائيل في مجال الطاقة يستهدف التحول إلى مركز إقليمي للغاز، إلا أن هذا التوجه اصطدم باتفاق عقده الاحتلال، في وقت سابق من الشهر الجاري، مع كل من قبرص واليونان لإنشاء خط أنابيب “إيست ميد” لتصدير الغاز المنهوب إسرائيليا إلى أوروبا، وسط تجاهل للقاهرة في هذا الاتفاق.

غير أن وزير البترول المصري قال، أمس الأربعاء، في تصريحات لصحيفة محلية، إن إحدى دول اتفاق خط أنابيب الغاز “إيست ميد” دعت مصر للمشاركة لكننا فضلنا الانتظار. ولكن عاد الملا ليؤكد أن “الدعوة لم تكن بشكل رسمي، نحن لم نحبذ المشاركة لأنه لا داعي لذلك في الوقت الحالي بالنسبة لنا، لأن مصر لديها بنية تحتية جيدة والدخول في الاتفاقية قد يتعارض مع تعظيم الاستفادة من هذه البنية”.

وتهدف الدول الثلاث (إسرائيل وقبرص واليونان) للتوصل إلى قرار نهائي بشأن تفاصيل الاستثمار في 2022 وإتمام خط الأنابيب بحلول 2025.

واتفقت حكومات أوروبية مع إسرائيل العام الماضي على المضي قدما في مشروع خط “إيست ميد”، الذي تتراوح تكلفته بين ستة وسبعة مليارات دولار من المتوقع أن ينقل مبدئيا عشرة مليارات متر مكعب من الغاز سنويا من إسرائيل والمياه الإقليمية القبرصية مرورا بجزيرة كريت إلى البر اليوناني الرئيسي وصولا لشبكة أنابيب الغاز الأوروبية عبر إيطاليا.

وحسب مراقبين، سيحد غلاء سعر الغاز الذي تستورده مصر من إسرائيل من تحويل القاهرة إلى مركز إقليمي للغاز، وذكرت هيئة البث (الإذاعة) الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني الشهر الماضي، أن سعر بيع الغاز الإسرائيلي لمصر لن يقلّ عن سعر عقود بيعه داخل إسرائيل، وأنه سيكون مربوطاً بسعر برميل النفط من خام برنت القياسي، أي نحو 4.8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وبعد إضافة أسعار النقل والضخ سيراوح السعر فيما بين 5 و5.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية.

ووفقاً لأرقام حديثة حول أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية حالياً، فإنه يصل في العقود الآجلة إلى نحو 2.2 دولار فقط لكل مليون وحدة حرارية.

هيمنة الاحتلال على الطاقة

مع بدء تنفيذ اتفاق تصدير الغاز إلى القاهرة تعزز إسرائيل هيمنتها على طاقة المنطقة، إذ أضيف إلى هذه الخطوة وجودها في منتدى الغاز الذي يضم أيضا كلّا من مصر والأردن واليونان وقبرص، بالإضافة إلى بدء تصدير الغاز إلى الأردن.

وبحسب صحيفة “هآرتس”، يوم الخميس الماضي، فإن 85% من الغاز الطبيعي الذي تنتجه إسرائيل مخصصة للتصدير لكل من الأردن ومصر.

وبدأت سلطات الاحتلال في ضخ الغاز بشكل تجريبي نحو الأردن، في خطوة لتطبيق اتفاق يستمر نحو 15 عاماً، رغم المعارضة الشعبية والبرلمانية الحادة في المملكة، التي اعتبر مسؤول أردني أنها غير ذات جدوى، مشيرا إلى أن استيراد الغاز من إسرائيل “بات أمراً واقعاً”.

وأعلن وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شطاينتس، في بداية شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، أن الغاز الإسرائيلي بدأ يتدفق إلى الأردن، بعد بدء تشغيل حقل لفيتان في البحر المتوسط، نهاية الشهر الماضي.

بدورها قالت شركة الكهرباء الوطنية الأردنية المملوكة بالكامل للحكومة (نيبكو)، في بيان، إن الضخ التجريبي سيستمر لمدة ثلاثة أشهر وفقا للمتطلبات الفنية والتعاقدية بين الجانبين. وأضافت الشركة الأردنية أن الضخ التجريبي يهدف لاختبار الجاهزية الفنية للبنية التحتية قبل بدء استقبال الغاز بشكل يومي والمخصص لأغراض توليد الكهرباء.

وتنص الاتفاقية على تزويد الأردن بنحو 45 مليار متر مكعب من الغاز بقيمة تقدر بنحو 15 مليار دولار بدءاً من العام الجاري.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً