بعد 83 يوماً من إضرابه.. الأخرس يريد تناول الطعام في بيته مع أولاده

مثل أي رجل أعمال في العالم، كان يمكن لماهر الأخرس أن ينعم بحياة مرفهة وينشغل بمكاسب مزرعته، التي تعد واحدة من أكبر مزارع الضفة الغربية لمنتجات الألبان. لكن رجل الأعمال تحول إلى هيكل عظمي على سرير المستشفى، بعد أن خسر أكثر من نصف وزنه، في إضرابه المستمر عن الطعام منذ 83 يوماً ضد اعتقاله التعسفي من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.


ليس مصير الأسير الأخرس (49 عاماً) كرجل أعمال ومال هو المختلف، بل عناده أيضاً، فقد وعد الرجل طفلته تُقى ابنة الستة أعوام لحظة اعتقاله، “بأنه لن يتناول أي طعام في سجون الاحتلال، وسيعود إليها وإخوتها ليأكلوا معاً على مائدة طعام البيت، وجبة من صنع زوجته”، في بلدته سيلة الظهر، قرب مدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة.


مضى 83 يوماً منذ أن وعد الأخرس طفلته وعائلته بوجبة عائلية، أي منذ تاريخ 26 يونيو/حزيران ليلة اعتقاله، عندما أخبره ضابط المخابرات الإسرائيلية بأنه سيكون رهن الاعتقال الإداري، لأنه لا توجد أي تهمة مثبتة ضده، فكان رد الأخرس: “سأعود لآكل مع أولادي، وأعلن الآن إضرابي عن الطعام”.




ربما لم تفهم تُقى ماذا يترتب على وعد أبيها لها ولإخوتها الخمسة، لكنها في الأسابيع الماضية عرفت من صور والدها المنشورة على وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي ما يعني ذلك الوعد، حيث باتت كلمة “إضراب مفتوح عن الطعام” مصطلحاً يومياً لطالبة الصف الأول الابتدائي، وهي أصغر أطفال الأخرس عمراً، وأكثرهم تأثراً باعتقاله، نظراً لعمرها وارتباطها الشديد بوالدها الذي كان يصطحبها من المدرسة وإليها يومياً.


تقول تغريد الأخرس، التي تجلس قرب سرير زوجها في مستشفى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948: “كل يوم يزداد وضعه سوءاً، وبالكاد أصبحت قادرة على سماع صوت همسه عندما يتحدث إليّ، لم يعد يقوى على الكلام، وخسر أكثر من 50 كيلوغراماً من وزنه منذ أن بدأ إضرابه عن الطعام”.

وتضيف لـ “العربي الجديد”: لقد حاول الأطباء إعطاءه الفيتامينات لكنه رفض، ويعاني من إعياء شديد وحياته على المحك”.

تتحدث الأخرس مع مراسلة “العربي الجديد” على الهاتف، ويغطي ضجيج الممرضين على صوت الزوجة التي أنهكها الانتظار قرب سرير زوجها المنهك من الإضراب، وتقول: “هناك العديد من جنود الاحتلال حولي بالزي المدني وزي الممرضين، لا يتركوننا على الإطلاق.. ويراقبون كل نفس يخرج من صدر زوجي ماهر”.




يرفض الأخرس الخضوع لأي فحص طبي من قبل أطباء الاحتلال، ما يعني أن وضع أعضائه الحيوية ومقدار تضررها من الإضراب غير معروف، وأن كل دقيقة من حياته قد تحمل مفاجأة صحية مفجعة، كما يرفض وضعه على الميزان، وتناول أي مدعمات أو فيتامينات، وجميع الصور التي ترد من غرفة المستشفى حيث يرقد تُظهر جسده النحيل غير متصل بأي محاليل أو أجهزة طبية.


لا يملك الاحتلال الإسرائيلي أية تهمة ضد ماهر الأخرس، لذلك تم تحويله إلى الاعتقال الإداري، وهو خيار جهاز “الشاباك” الإسرائيلي للأسرى الفلسطينيين الذين لم تثبت ضدهم أية تهمة، لكن هناك حاجة أمنية إسرائيلية لإبعادهم عن الشارع والجماهير، بسبب تأثيرهم الوطني والسياسي على الجماهير، وطالما كان الاعتقال الإداري مصير كوادر وعناصر من حركة “الجهاد الإسلامي” مثل الأخرس، أو عشرات الأسرى المحسوبين على حركة “حماس” و”الجبهة الشعبية”.


يقدم الأخرس نموذجاً مختلفاً للمزارع العصامي الذي أصبح رجل أعمال، انخرط في الهم الوطني لشعبه، وتعرّض للاعتقال أكثر من مرة، وعلى النقيض من غالبية رجال الأعمال الذين يرفضون تشغيل الأسرى المحررين حتى تبقى صفحتهم بيضاء لدى الاحتلال، ويحافظون على بطاقة رجل الأعمال “VIP”؛ كان باب الأخرس مفتوحاً للجميع، بغض النظر عن الانتماء السياسي.


لا يملك الاحتلال الإسرائيلي أية تهمة ضد ماهر الأخرس، لذلك تم تحويله إلى الاعتقال الإداري، وهو خيار جهاز “الشاباك” الإسرائيلي


وتعرّض الأخرس للاعتقال من قبل قوات الاحتلال لأول مرة عام 1989، واستمر اعتقاله ذاك سبعة شهور، والمرة الثانية عام 2004 لمدة عامين، ثم أُعيد اعتقاله عام 2009، وبقي معتقلاً إدارياً لمدة 16 شهراً ، ومجدداً اعتُقل عام 2018، واستمر اعتقاله لمدة 11 شهراً.


رفض الأخرس اعتقاله منذ اللحظة الأولى، وأعلن إضرابه عن الطعام، حاملاً مطلباً واحداً لم يتغير، هو الحرية! ويقول: “شرطي الوحيد الحرية، فإما الحرية وإما الشهادة، وفي الجانبين انتصار لشعبي وللأسرى”. إلا أن الاحتلال قام بالحكم عليه بالسجن أربعة أشهر إدارياً، أي قابلة للتمديد والتجديد، وأمام إضرابه قرر الاحتلال الاكتفاء بأربعة أشهر “غير قابلة للتجديد”، ومع ذلك بقي الأخرس عند موقفه، وعندما ساء وضعه الصحي، مع مرور الوقت، نقلته إدارة سجون الاحتلال إلى سجن “عيادة الرملة”، وبقي فيها حتى بداية شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، حيث نُقل إلى مستشفى “كابلان” الإسرائيلي، المتواجد فيه حالياً، بوضع صحي صعب وخطير.


وفي الـ23 سبتمبر/أيلول 2020، أصدرت المحكمة العليا للاحتلال قراراً يقضي بتجميد اعتقاله الإداري، وعليه اعتبر الأسير الأخرس والمؤسسات الحقوقية أن أمر التجميد ما هو إلا خدعة ومحاولة للالتفاف على الإضراب، ولا يعني إنهاء اعتقاله الإداري، فحال أوقف إضرابه عن الطعام سيتم معاودة اعتقاله مرة أخرى، ولن يتم السماح له بمغادرة مستشفى الاحتلال والذهاب إلى مستشفى فلسطيني لتلقي العلاج من تبعات الإضراب الخطيرة.




وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2020، وبعد أن تقدمت محاميته بطلب جديد للإفراج عنه؛ رفضت المحكمة القرار، وأبقت على قرار تجميد اعتقاله الإداري، وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2020، تقدمت محاميته بطلب جديد للإفراج عنه ولكن المحكمة رفضت الطلب، وقدمت مقترحاً يترك في جوهره الباب مفتوحاً لإمكانية استمرار اعتقاله الإداري وتجديده، ومشروطاً بوقف إضرابه، الأمر الذي رفضه الأسير الأخرس، وأعلن استمراره في معركته، تحت شعار: “إما الحرية أو الشهادة”.


وفي رسالة وجهها للرأي العام المحلي والدولي، يقول: “إضرابي هذا هو إعلان لحالة الأسرى التي وصلوا إليها، ودفاعاً عن كل أسير فلسطيني، ودفاعاً عن شعبي الذي يُعاني من الاحتلال، وانتصاري في هذا الإضراب هو انتصار للأسرى ولشعبي الفلسطيني، إما منتصر وراجع إلى شعبي منتصراً، أو شهيداً، وشهادتي هي قتل من جانب الاحتلال لي، وليس بيدي، فبيدهم الإفراج وبيدهم الاعتقال”.

ويتابع في رسالته: “أنا ثابت على قراري، ولن أتناول أي طعام إلا في بيتي، ولن أكسر إرادتي، أنا موجود الآن في مستشفى “كابلان” الإسرائيلي لا أتناول سوى الماء، وسأظل على هذا الأمر حتى أرجع إلى بيتي، سلامي للأهل، سلامي إلى أمي الغالية، وسلامي إلى أطفالي، إني أحبكم كثيراً، فرسالتي للعالم الحر أن أرى أمي وأطفالي”.


ويُعتبر قرار محكمة الاحتلال العليا “بتجميد الاعتقال الإداري” تطوراً فرضته على المحكمة إضرابات أسرى آخرين، مثل خضر عدنان ومحمد علان، وكلاهما ينتميان لحركة “الجهاد الإٍسلامي” حيث لم يكن مصطلح “تجميد الاعتقال” معروفاً قبل إضرابهما، وكلاهما قدما نموذجاً صلباً في الإصرار على الإضراب عن الطعام حتى نالا الحرية. وكلاهما وصلا بإضرابهما إلى مشارف الموت.




وكان عدنان وعلان وأسرى محررون آخرون، قد اعتصموا تضامناً مع الأخرس في مقر الصليب الأحمر في مدينة البيرة قرب رام الله في 13 من الشهر الجاري، وتم إخلاؤهم من قبل الأمن الفلسطيني بالقوة، وسحلهم في الشارع، في ظل صمت مطبق للفصائل الفلسطينية على ما جرى.


وينتمي الأخرس لمدرسة “المقاومة عبر الإضراب عن الطعام”، ذاتها التي بدأها خضر عدنان، حيث يرفض المفاوضات مع الاحتلال والحديث بأي شيء إلا الإفراج الفوري عنه، فلا مجال لمفاوضات على تمديد الاعتقال أو تحديد سقفه، وهذا أصعب أنواع الإضراب عن الطعام، الذي لم يستطع الاحتلال تطويعه أو مواجهته حتى الآن، حيث تواجه دولة الاحتلال بكل أدواتها رجلاً واحداً، كل ما يريده هو أن يتناول طعامه في بيته مع أولاده!




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً