بلاد تطفو على أعمدة من الراجا

كان لأبي هارمونيم شجيّ مصنوع من القصب الألماني، وفي ضوء الفانوس الخافت، يعزف عليه كل أنواع الراجات1: الدورغا والمالكونز، والسارينج والبوبالي2، والأغاني العاطفية باللهجات القصيّة الآتية من منطقة جانبور وقبائل الجانسار3 في الهند. ربما كانت المالكونوز والدورغا هي الراجا المفضلة لديه. غمر نفسه بـ الموسيقى وهو يغني لازمة الدورغا التي كانت تدرّس في المناهج المدرسية:

“ساكي موري رم جهم، بادل جيراجي بيرسي”
“Sakhi Mori Rum Jhum, Badal Garaje, Barse”

ترتدي التلال عادة عباءة الراجا بخمس نوتات، ويتوافق إيقاعها مع طبيعة التلال. تعتمد أغاني المهرجانات، أو الأغاني التي تغنيها النساء أثناء أدائهن لأعمالهن اليومية، في الغالب على هذه الراجات. سوف تنبثق نوتات الأب من الهارمونيم مثل السحب الأثيرية الصغيرة وتلتف حول الوهج الضبابي الذي يلف المنزل. كان الظلام مخيماً في الخارج، ويراعات الليل الوهاجة تتمايل مع هبات الريح السوداء، فلفّ الوالد المنزل بالموسيقى وهو يغني المقطع التالي:

“Rain andheri kaari bijuri chamke, main kaise jaon piya paas”
(البرق يومض في ظلام الليل، كيف أروح لمحبوبي).

جلستُ أمام أبي مثل الجرو الذي يجلس أمام الغرامافون في شعار شركة التسجيلات His Master’s Voice. تجمّعت الأسرة بأكملها حوله وهو ينقر بقدميه ويغني لحناً من منطقة جانبور ومناطق قبائل الجانسار؛ لحناً مفعماً بالصور الفريدة التي لا تهدأ. أحاطت به أمي وأخواتي والجيران واستمعوا جميعاً بشغف إلى الأغنية التي تقول كلماتها:

“الأطراف تعزف، وكذلك الطبول والأبواق.
أيتها الغابات الشاهقة، انحني قليلاً، لأرى قريتي.
يا وشاحي الحريري، دعني أرى قريتي.
طارت أنثى طائر الدرّاج من غابة تدعى رادي،
وحطت في غابة تدعى دوروالي.
انقشع أيها الضباب من الغابة،
ودعني أرى قرية أمي.
أيا كوب الحليب، دعني أرى قرية أمي.
كن مثل ديريودان4 إذا أردت أن تكون من الكاورافاس،
ولتكون مثل “بِهِم” Bhim لا بد أن تختار الباندافاس.
لن تذهب هذه الفتاة إلى أهل زوجها
إلا بعد ذوبان الثلوج في الغابة”.

كان هارمونيم أبي حنوناً ورنّاناً، مصنوعاً من القصب الألماني، كما يقول الأب الخبير بالحياة والموسيقى والطعام الراقي. صنّعته شركة مقرها كلكتا. تهالكت مفاتيحه الخشبية السوداء من الاستعمال المتكرر. عزف أبي كما لو أنه يمثل في إحدى فصول مسرحيات الكاتب “رادييشام كاتهافشاك5 Radheshyam Kathavachak” مثل فير أبهيمانيو Vir Abhimanyu، وبهاكت براهلاد Bhakt Prahlad، وفيلفامانغال Vilvamangal، وساتيا هاريشاندرا Satya Harishchandra، والتي أخرجها، وصمم أزياءها، وصمم لها ديكور المسرح، ولعب فيها دور فيدشاكا Vidushaka. تلك المسرحيات التي أقيمت في فناء كبير بالقرب من منزلنا والتي استقطبت أشخاصاً من القرى المجاورة أيضاً.

عندما وصلت إلى دلهي، بعد بضع سنوات، شعرت فجأة بأنني قد نفيت من الراجا. عشش بداخلي غياب الراجا، بينما كنت أنظر إلى الشجرة الأخيرة في قريتي تتلاشى وعبرت النهر الرفيع الذي يتدفق إلى آخر القرية. كما لو كانت هذه الراجا قد أبقتني على قيد الحياة وملأتني بصدى عميق لا يزال يتردد في قلبي حتى اليوم. ربما كان وطني يطفو على أعمدة من الراجا.
بحثت عن راجا دورغا في دلهي، واشتريت أشرطةً لـ فيناياكراو باتواردهان6 ومليكارجون منصور7 والموسيقى الخلابة لبيمسين جوشي8 والتي كانت مختلفة بعض الشيء عن الدورغا التي كنت أستمع إليها دورغا راس كان تو Ras kaan tu بالإيقاع البطيء، ودورغا شاتور ساجرا بالمافا Chatur Sughra Balmava بالإيقاع السريع.

بعد سنوات، استمعت إلى دورغا كومار غاندهارفا Kumar Gandharva: بعنوان “Amona re”، أشرق عليّ سحر هذه الراجا بأشكال متعددة عندما استمعت إليها بأصوات ماليكارجون منصور Mallikarjun Mansur وماليني راجوركار9 Malini Rajurkar، مع عرض معدل بتوزيع جديد نفّذه علي أكبر خان10 على آلة السارود، والذي أطلق عليها اسماً جديداً هو “دورجيشواري Durgeshwari”.

كنت أشعر في كل مناسبة بتيار من التعاطف يتدفق عبر مؤلفاته الموسيقية المبهجة. كلما قمت برحلة في تلك المرات النادرة من دلهي إلى قريتي، تضربني في الطريق دورغا معينة فجأة كما لو كانت ملجئي الأخير، والعش الذي يهدئني على الفور. في المنزل، لطالما طلبت من أبي أن يعزف لي الراجا على هارمونيمه وقد كان يقبل. في تلك المرحلة توقفت حياته في مكان غير متوقع، ضربه الاكتئاب من هجر ابنه الوحيد للعائلة وتوقف عن العزف على آلة الهارمونيوم. هجر الهارمونيم الذي خبأه في صندوق. هل كان يخفيه عن نظره، أو أنه تمنى سراً أن يجعل من هذا الصندوق نعشاً للهارمونيم؟ تلاشت الراجا وانهار المنزل.

الدورغا بسيطة، عبارة عن راجا بإيقاعات خماسية: سا، ري، ما، با، دها. ليس فيها متسع كبير للتنويعات، ولكن بيمسين جوشي كان من المطربين الذين منحوها لحناً نادراً و”تانات” معقدة أطول. في عام 1991، كتبت قصيدة عن تجربتي في الاستماع إلى الدورغا التي ألفها جوشي. انتهت هذه الدورغا بهذه الكلمات:

“عندما كان كل شيء قاسياً وانعدمت البساطة
عندما كانت الشجرة الأخيرة حتّى على وشك أن تذوي وتُعْتِم
اندفعتُ هنا وهناك أُفكّر
ما الذي لم يتبادر إلى ذهنك
من الذي غيابه لم يسبب لك الألم
وعندها بالضبط سمعتُ راجا دورغا
تطفو مثل آثار الحضارة الذاوية
تمايلتُ مع إيقاعاتها
وعلاماتها التي تنساب متصاعدة كالعشب
وتتدفق هابطةً كالماء”

كانت الدورغا مثل الحضارة – راجا لا تهدأ، تطفو داخل طبقة رقيقة من الظلام وتتألف من عناصر مثل الماء والأشجار والعشب والنهر والصخر والطيور.
راجا تعيش اليوم في بقاياها.

* Manglesh Dabral أحد أبرز شعراء الهند اليوم، من مواليد عام 1948، في قرية بمنطقة الهيمالايا في الهند. يكتب باللغة الهندية وله – إلى جانب مجموعاته الشعرية العديدة – كتبٌ في النقد الأدبي والثقافي. عمل محرّراً أدبياً في العديد من المجلات والصحف الهندية. القصائد المترجمة هنا هي من مجموعته “هذا الرقم لا وجود له” وهي قصائد مختارة مترجمة إلى الإنكليزية صدرت عام 2016.

** ترجمة عماد الأحمد

ـــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش المترجِم

1 الراجا: موضوع موسيقي – أو “راجا” موسيقية كما يسمونها وهي عبارة عن خمس نغمات أو ست أو سبع، يرجع الموسيقِي إلى إحداها – يختارها ولا يغيرها – من حين إلى حين، ولكل “راجا” اسم مشتق من الحالة النفسية التي تريد الإيحاء بها – “الفجر”، “الربيع”، “جمال المساء”، “السُّكر” الخ – وكل “راجا” مرتبطة بزمن معين من اليوم أو من العام وتذهب الأساطير الهندية إلى أن لهذه الراجات قوة روحانية حتى ليقال إن راقصة بنغالية أزالت قحطاً بغنائها إحدى الراجات وهي المسماة “منع مالار- أي نغمة استنزال المطر.

2 الدورغا Durga، والمالكونز Malkauns، والسارينج Sarang، والبوبالي Bhopali أنواع مختلفة من الراجا.

3 جانبور والجانسار Jaunpur-Jaunsar: جانبور منطقة في إقليم البنجاب، والجانسار قبائل تسكن منطقة جانسار بيوار القريبة من مقطعات الهيمالايا في أقصى شمال الهند.

4 ديريودان وBhim: شخصيات من ملحمة المهابهاراتا الهندية، والكاورافاس والباندافاس هما فرعان من أسرة بهاراتا التي تدور الملحمة حول صراعاتهما.

5 رادييشام كاتهافشاك (Radheshyam Kathavachak (1890-1963: كاتب مسرحي هندي معروف من رواد المسرح الهندي.

6 فيناياكراو باتواردهان (Vinayakrao Patwardhan (1898-1975

7 مليكارجون منصور (1910-1992) Mallikarjun Mansur

8 بيمسين جوشي (Bhimsen Joshi (1941-2011

9 ماليني راجوركار (ت: 1941) Malini Rajurkar

10 علي أكبر خان (Ali Akbar Khan (1922-2009




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *