تباطؤ النمو الصيني: توقعات متضاربة وإشارات تدعم التحفيز

سيطرت بيانات النمو الاقتصادي الصيني على التوقعات الاقتصادية العالمية، بعدما أظهرت الخميس تباطؤاً في الربع الثاني المنتهي في يونيو/ حزيران إلى معدل 7.9 في المائة نزولاً من 18.3 في المائة الذي تم تسجيله في الربع الأول.


وردّ الاقتصاديون هذا التباطؤ إلى النمو المتضخم الذي تم تسجيله في الربع الأول بفعل الخروج من الركود التاريخي الذي أصاب ثاني أكبر اقتصاد في العالم في العام 2020.


وعلى الرغم من الهبوط هذا، اعتبر العديد من الاقتصاديين أن المعدل المسجل في الربع الثاني يعتبر مرتفعاً ومرده إلى سياسات التحفيز التي لا تزال السلطات الصينية تعتمدها لتنشيط الاقتصاد، متخوفين من أرقام النمو التي ستسجلها الدول الكبرى الأخرى مع اتجاهها لخفض حزم التحفيز تمهيداً لوقفها. فقد دفع الانتعاش السريع في الولايات المتحدة مجلس الاحتياطي الفيدرالي للإشارة إلى أنه قد يبدأ في إلغاء الحوافز في وقت أبكر مما كان مخططًا له، في أواخر العام المقبل بدلاً من عام 2023.


وقادت الصين الانتعاش العالمي بعدما أعلنت في مارس/ آذار الماضي السيطرة على فيروس كورونا وأعادت فتح معظم القطاعات الرئيسية، فيما يعد النمو المسجل في الربع الثاني إشارة أخرى إلى إمكانية تخطي آثار كورونا الاقتصادية في حال الاستمرار باستراتيجيات الدعم.


وقال تشوبينغ تشو من “جيه بي مورغان أسيت” في تقرير إنه “بشكل عام، يبدو الاقتصاد الصيني على المسار الصحيح للتعافي. البيانات الأخيرة تشير إلى أن الاقتصاد بلغ ذروته بالفعل ويعود إلى متوسط معدل النمو طويل الأجل”.




وتخيم على توقعات الصين حرب تجارية طويلة الأمد مع واشنطن بشأن تكتيكات التنمية الصناعية. وقال الرئيس جو بايدن إنه يريد علاقات أفضل مع بكين، لكنه لم يقل بعد ما إذا كان سيتراجع عن زيادات الرسوم الجمركية التي فرضها سلفه دونالد ترامب أم لا.


ودعت وزيرة الخزانة جانيت يلين هذا الأسبوع إلى “جبهة موحدة” مع أوروبا ضد “ممارسات الصين الاقتصادية غير العادلة”. ووسع بايدن قائمة الشركات الصينية التي يُمنع الأميركيون من الاستثمار فيها بسبب علاقات عسكرية محتملة.


مع ذلك، فقد تعافى التصنيع الصيني ومبيعات السيارات وإنفاق المستهلكين إلى مستويات أعلى من مستويات ما قبل الوباء. ارتفاع الإنفاق وقالت وكالة “بلومبيرغ” الأميركية إن مبيعات التجزئة في يونيو والاستثمارات القوية من قبل الشركات المصنعة تساهم في تغذية التفاؤل بأن نمو الصين أصبح أكثر توازناً بعد التعافي من الجائحة ووسط زيادة الصادرات وسوق العقارات الساخنة، وارتفاع طلب المستهلكين.


وشرحت هيلين تشياو، كبيرة الاقتصاديين في “بنك أوف أميركا”، في مقابلة على تلفزيون بلومبيرغ: “لا يزال منظور النمو الإجمالي مرناً إلى حد كبير”، مسلطة الضوء على وتيرة نمو مبيعات التجزئة المتسارعة، والتي سجلت 4.9 في المائة في يونيو وحده ارتفاعاً من 4.5 في المائة في الشهر السابق، فيما ارتفعت بنسبة 23 في المائة على أساس سنوي في النصف الأول. واعتبرت تشياو أنها “مفاجأة كبيرة أن نرى الناس ما زالوا ينفقون”.


وأظهرت المؤشرات الاقتصادية الرئيسية الأخرى تحسنا مستمرا في جميع المجالات، مع ارتفاع الناتج الصناعي بنسبة 15.9 في المائة. وتشير بيانات الربع الثاني إلى أن بكين يمكن أن تحقق بشكل مريح هدفها للنمو بأكثر من 6 في المائة لهذا العام، وتستمر في دفع الأسواق العالمية.




إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا، شهدت الصين انتشاراً سريعاً للقاحات هذا العام مع تلقيح حوالي نصف سكانها، وهو معلم من شأنه أن يساعد في الحفاظ على النمو حتى في الوقت الذي تكافح فيه الدول الآسيوية الأخرى مع تفشي متغيرات فيروسية جديدة.


ومن المتوقع، وفق “بلومبيرغ” أن يتباطأ النمو بشكل طفيف في النصف الثاني، حيث يبدأ المستهلكون على مستوى العالم في إنفاق المزيد على الخدمات، مما يضرب قطاع الصادرات الصيني. وأتاح بنك الشعب الصيني الأسبوع الماضي المزيد من السيولة النقدية للبنوك، مما أثار التكهنات بالعودة إلى التحفيز. لكن البنك أكد عزمه الحفاظ على سياسة نقدية محايدة إلى حد كبير.


وقالت ليو أيهوا، المتحدثة باسم المكتب الوطني للإحصاء الصيني، في إفادة إعلامية، إن ثاني أكبر اقتصاد في العالم “حقق انتعاشاً مستقراً في النصف الأول من العام. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن الوباء لا يزال ينتشر. المشهد الدولي معقد مع درجة عالية من عدم اليقين وعدم الاستقرار”.


القلق مستمر وهناك دلائل على أن المسؤولين قلقون من احتمال عدم حدوث انتعاش اقتصادي بعد الوباء، وفق “واشنطن بوست”؛ إذ خفض البنك المركزي الصيني متطلبات الاحتياطي للبنوك الأسبوع الماضي، في خطوة تهدف إلى تحفيز الاقتصاد من خلال السماح بتداول المزيد من الأموال بدلاً من الاحتفاظ بها كاحتياطي.


وعاد الاقتصاد المحلي إلى حد كبير إلى العمل الطبيعي، على الرغم من أن السلطات حافظت على ضوابط صارمة على الحدود، مع ثلاثة أسابيع من الحجر الصحي المطلوب للمسافرين الوافدين. وشرح إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد والتجارة بجامعة كورنيل لـ”واشنطن بوست”: “إن مسار النمو في الصين يعود إلى ما بعد الوباء، حيث يتعين على الحكومة مرة أخرى أن توازن بين ضرورة الحفاظ على نمو قوي مع التخفيف من المخاطر المالية وغيرها”.




وقال آندي شي، الاقتصادي المستقل المقيم في شنغهاي للصحيفة الأميركية، إن الصين ستواجه نمواً أبطأ في النصف الثاني من العام، لكن هذا قد لا يكون أمراً سيئاً. إذا تمكنت الحكومة من كبح جماح فقاعات الإسكان والديون المعدومة، فمن المحتمل أن تتمتع الصين باقتصاد أفضل، وإن كان نمواً أبطأ إلى حد ما”.


وتهدف الصين إلى تحقيق نمو اقتصادي يزيد عن 6 في المائة في عام 2021، وتوسيع الطلب المحلي والاستثمار، والذي من المتوقع أن يعيد الاقتصاد بقوة إلى حالة ما قبل الوباء، وفق وكالة “شنخوا” الصينية للأنباء. وتوقع البنك الدولي، في تقرير الشهر الماضي، أن يبلغ النمو الاقتصادي للصين 8.5 في المائة في عام 2021، قبل أن يتباطأ إلى 5.4 في المائة في عام 2022.


وأشار التقرير إلى أن تعافي الصين اتسع مع استمرار أنشطتها الاقتصادية في العودة إلى الوضع الطبيعي في ظل احتواء البلاد الفعال لكوفيد-19. وسجلت البلاد نمواً بنسبة 2.3 في المائة لعام 2020، وهو العام الذي تقلصت فيه معظم الاقتصادات الكبرى بسبب الوباء. وترسل حاجة بكين المستمرة لدعم النمو في النصف الثاني تحذيراً لبقية العالم حول مدى استمرار تعافيها بعد الوباء ومخاطر الخروج من التحفيز قبل الأوان.


وسلط وزراء مالية مجموعة العشرين في اجتماعهم الأخير في إيطاليا الضوء على تهديد المتغيرات الجديدة لفيروس كورونا والوتيرة غير المتكافئة للتحصين، على أنها قد تقوض التوقعات المشرقة للاقتصاد العالمي. قالت بيكي ليو، رئيسة استراتيجية الاقتصاد الكلي للصين في “ستاندرد تشارترد” في هونغ كونغ، إن الاقتصاد يحتاج إلى مزيد من الدعم وقد يكون هناك المزيد من التخفيضات في نسبة الفائدة المتوقعة في المستقبل. 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً