تظاهرات العراق تدخل أسبوعها الثالث: خلافات سياسية واتساع القمع

تدخل التظاهرات في العراق، اليوم الجمعة، أسبوعها الثالث منذ أن استؤنفت في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بعد توقفٍ دام قرابة أسبوعين، لتُسجل بذلك أطول تظاهرات شعبية يشهدها العراق منذ الغزو الأميركي – البريطاني له عام 2003، وإسقاط نظام صدام حسين. وشهد يوم أمس سقوط المزيد من الضحايا المدنيين المتظاهرين، في ظلّ استمرار التخبط السياسي لمعالجة الأزمة.

ويسود ترقبٌ سياسي وشعبي واسع لما ستتضمنه اليوم خطبة المرجعية الدينية في النجف، ممثلة بالسيد علي السيستاني، خصوصاً مع تضاعف أعداد ضحايا التظاهرات في بغداد والبصرة وكربلاء وذي قار على وجه التحديد. وعلمت “العربي الجديد”، عبر تسريبات من مصادر مقربة من الحوزة الدينية في المدينة، أن “المرجعية حذرت الحكومة من استمرار سقوط الشهداء والجرحى في صفوف المتظاهرين”، رافضة استقبال أي وفدٍ حكومي، رغم محاولات جرت لذلك.

وبحسب المصادر، فإن “المرجع الأعلى في النجف علي السيستاني غير مقتنع بكل التبريرات التي تسوقها الحكومة لاستخدامها العنف ضد المتظاهرين، ولا بترويج نظرية المؤامرة حيال التظاهرات الحالية، التي تعتبر أنها تأتي كنتيجة حتمية لعدم الإنصات لدعوات الإصلاح ومحاربة الفساد طوال السنوات الماضية”.

غياب الصدر

في المقابل، يطرح غياب زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر عن دائرة الأحداث في العراق منذ نحو أسبوع، بعد مغادرته إلى إيران بشكل مفاجئ، تساؤلات عدة حول حقيقة الضغوط التي تمارسها طهران على مختلف الزعماء السياسيين العراقيين، من أجل إنهاء التظاهرات، ودعم رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، أو التوافق حول اسم بديلٍ له، بشكل يساهم في حلحلة الأوضاع ووقف الحراك الشعبي.

وقال قيادي بارز في تحالف “سائرون”، الذي يتزعمه الصدر، لـ”العربي الجديد”، إن الأخير “لا يزال مصّراً على موقفه المطالب بإقالة أو استقالة رئيس الوزراء، والتوجه نحو إجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي”، مبيناً أن الصدر “حذر أطرافاً عدة من مغبة استمرار حالة الجمود الراهنة، والعجز عن اتخاذ الكتل السياسية قرارات تحاكي المطالب الشعبية، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى الرد عليه في الشارع بتصعيدٍ يصل حدّ العصيان المدني العام”.

وكشف المصدر القيادي عن استئناف اللقاءات منذ مساء يوم الثلاثاء الماضي، بين تحالفي “سائرون” و”الفتح”، لبحث سبل الخروج من الأزمة. وعلى الرغم من الدعم الإيراني لها، بحسب المصدر، إلا أن نتائج هذه المباحثات لا تزال غير واضحة، بسبب تعقيدات المشهد، وانعدام الثقة بين الطرفين، لافتاً كذلك إلى عدم يقين لدى المجتمعين من إمكانية أن يرضي أي اتفاق قد يتمخض عنهم المتظاهرين.

وبشأن الموقف الإيراني، قال المصدر إنه يتلخص بالرغبة في إنهاء التظاهرات، سواء من خلال اتفاق سياسي لإقالة الحكومة، أو عبر وسائل السلطة الأخرى (مواجهة التظاهرات)، مضيفاً أن طهران لا ترى أن الذهاب إلى انتخابات مبكرة في الوضع الحالي، قد يحمل نتائج جيدة لمختلف الأحزاب الحليفة لها في العراق، وخاصة بالنسبة لكتل تحالف “الفتح”، الذي يمثل الجناح السياسي لفصائل “الحشد الشعبي”.

واعتبر القيادي في تحالف “سائرون” أن وجود مقتدى الصدر في مدينة قم الإيرانية، يحمل جانباً يتعلق بأمنه الشخصي، في ظلّ ما تشهده محافظات الجنوب. أما سبب انقطاعه عن التصريح أو إصدار البيانات، فلعدم وجود أي جديد يتخطى دعمه للتظاهرات أو مطالبته بإقالة الحكومة، وغياب المبادرات السياسية التي يمكن التعويل عليها، فيما تبقى حتى اللحظة لغة العنف هي السائدة.

خلاف عبد المهدي – صالح
في موازاة ذلك، تسري تأكيدات جديدة حول اتساع حدة الخلافات بين رئيس الوزراء العراقي، ورئيس الجمهورية برهم صالح، بسبب التحركات التي يقوم بها الأخير باتجاه قادة الكتل السياسية، لاستمزاج آرائهم حول البديل لعبد المهدي. واعتبرت رئاسة الوزراء العراقية خطوة صالح محاولة منه لتحميلها مسؤولية الفشل واندلاع الثورة، والنأي بنفسها، مع البرلمان، ما يعني التضحية بموقع رئاسة الحكومة، تفادياً لإسقاط الرئاسات الثلاث، والذهاب الحتمي حينها في اتجاه الانتخابات المبكرة.

وتعليقاً على ذلك، أكد مسؤول عراقي رفيع في مكتب عبد المهدي، في حديث لـ”العربي الجديد”، صحة هذه التسريبات، مبيناً أن خلافات عبد المهدي – صالح بدأت منذ 28 أكتوبر الماضي، أي بعد انطلاق التظاهرات بثلاثة أيام. وأوضح المصدر أن رئيس الجمهورية بدأ حينها عقد سلسلة لقاءات جمعته بعددٍ من قادة الكتل السياسية، وحملت عنوان البحث عن بديل لعبد المهدي، الذي جرى إبلاغه بفحواها. من جهته، اعتبر رئيس الحكومة أن الخطوة تهدف إلى محاولة حصر مسؤولية الفشل به وحده، فيما رأت قوى سياسية أخرى ضمن تحالف “الفتح”، أن صالح ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، يسعيان للتضحية بالحكومة ككبش فداء، مقابل بقائهم في منصبيهم. وأشار المصدر إلى أن الخلاف الحاصل وصل إلى حد القطيعة.

في المقابل، أكد عضو الحزب الشيوعي العراقي علي ناظم النصراوي، لـ”العربي الجديد”، أن جميع المكونات السياسية في العراق، بلا استثناء، “باغتتها هبّة الشارع، وصدمها حجم وعيه”، لافتاً إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2007، “أنفقت مئات ملايين الدولارات على ما يعرف بمشروع المصالحة، وشكلت لها هيئة خاصة، مع استحداث منصب نائب رئيس جمهورية لشؤون المصالحة، لكن ذلك لم يكن سوى كشك فساد وهدر مال عام، فيما نجح سائقو التكتك، ونساء من مدينة الصدر، وبضع شبان من كربلاء ومثلهم في ميسان، في توحيد البلاد ورفع الحسّ الوطني، عبر لعن الطائفية وعرابيها”.

واعتبر المصدر أنه “لو كانت للعراق حكومة واعية وأحزاب وطنية، لتركوا العنان للتظاهرات في ساحة التحرير، وفي كل المدن، فما نراه بمثابة حلم كبير بوطن أعلى من الطائفة والحزب والزعيم”، على حدّ قوله.

إلى ذلك، أكدت مصادر في وزارة الصحة العراقية أن عدد ضحايا التظاهرات تجاوز الـ280 قتيلاً وقرابة الـ13 ألف مصاب منذ الأول من أكتوبر”. وقال طبيب في مقر عمليات الوزارة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد”، إن “بغداد تتصدر المحافظات في عدد القتلى والجرحى، تليها ذي قار، ثم ميسان، وأخيراً كربلاء”، مؤكداً أن أكثر من 60 في المائة من الضحايا قتلوا بالذخيرة الحية التي تطلقها قوات الأمن، فيما سقط الباقون جراء قنابل الغاز التي تصيب رؤوس المتظاهرين وصدورهم بشكل مباشر، أو تسبب لهم مضاعفات اختناق تؤدي إلى الوفاة. ولفت في هذا الإطار إلى وجود ست ضحايا قتلوا دهساً في البصرة وبغداد والناصرية، مع وجود ثلاث فتيات عراقيات من بين الضحايا، اثنتان منهن سقطتا في بغداد، وواحدة في البصرة.

من جهته، شكك النائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي بهذه الحصيلة، مؤكداً سقوط أكثر من 300 شهيد، بحسب ما أعلن في تصريحات صحافية، معتبراً أن الحكومة فقدت شرعيتها منذ أول قطرة دم سفكت في التظاهرات.

تواصل التظاهرات
ميدانياً، أمس، شهدت بغداد تظاهرات واسعة في مناطق ساحة التحرير والجمهورية والطيران وتقاطع جسر الشهداء وجسر السنك وحافظ القاضي وشارع الرشيد، مع تواصل التظاهرات السريعة، أو ما بات يطلق عليها شعبياً مصطلح “تظاهرات النصف ساعة”، التي تخرج بشكل مفاجئ من المناطق السكنية أو الجامعات، ببضع عشرات أو مئات المتظاهرين، لتتشتت سريعاً مع بدء قوات الأمن بمواجهتها. ووفق مراقبين، فإن هذا النوع من التظاهرات، يتسبب بإرباك للسلطات والقوات الأمنية، التي تضطر للحفاظ على انتشارها في المنطقة ذاتها، ساعات طويلة بعد فضّ أي تظاهرة.

وشهدت بغداد خلال الساعات الـ24 الماضية، مقتل ستة مدنيين، أحدهم طبيب. وسقط متظاهر قتيلاً بالرصاص فجر الخميس، أعقبه مقتل أربعة متظاهرين آخرين في شارع الرشيد، بالإضافة إلى إصابة نحو 30 آخرين.

وجرى أمس تشييع الطبيب عباس علي، الذي قتل ليل الأربعاء – الخميس برصاصة في الصدر، قرب جسر باب المعظم، حيث كان يحاول الوصول إلى بعض جرحى التظاهرات. وكان علي قد جرى نقله إثر إصابته إلى المستشفى من قبل أصحاب عربات “التكتك”، لكنه فارق الحياة في الطريق، ويعرف عنه أنه أحد أشهر الأطباء الذين يلازمون المتظاهرين في ساحة التحرير، وتحديداً في خيمة نصبها لتأمين العلاج لهم، إلى جانب أطباء آخرين متطوعين.

إلى ذلك، أكد شهود عيان ارتفاع عدد الجسور المغلقة في بغداد، والتي تربط جانبي الكرخ والرصافة، إلى ستة، هي الجمهورية والسنك والأحرار والشهداء وباب المعظم، إضافة إلى الجسر المعلق الذي يقود بشكل مباشر إلى وسط المنطقة الخضراء.

وللمرة الأولى، شهدت الموصل والأنبار اعتقالات مرتبطة بالتظاهرات، حيث أكدت مصادر حقوقية وأمنية عراقية اعتقال سبعة ناشطين من طلاب جامعة الموصل، وثلاثة في جامعة الأنبار، بعد توزيعهم منشورات داخل الحرم الجامعي وفي الأقسام الداخلية للطلاب، تحث على التبرع للمتظاهرين، وأخرى تدعو إلى إرسال أدوية لمدن الجنوب وبغداد. كما دعا منشور وزع في الموصل طلاب كلية الطب للإضراب والتوجه لمساعدة مصابي التظاهرات تحت عنوان “ردّ الدين”، في إشارة إلى مشاركة الجنوبيين بمساعدة نازحي الموصل خلال احتلال تنظيم “داعش” لمدينتهم وسقوط ضحايا من أبنائهم في عمليات تحريرها لاحقاً.

وبينما تتواصل عمليات مبيت الآلاف من المتظاهرين في محافظات وسط وجنوب العراق في ساحات الاعتصام، فإن هذه التظاهرات التي تنطلق صباحاً، شهدت خلال الساعات الماضية، استماع المتظاهرين لدعوات ناشطين وحقوقيين وزعماء عشائر، بعدم منح الحكومة حجة لقتل المزيد منهم، عبر فتح الطرقات المؤدية للموانئ وحقول النفط والمنشآت الاقتصادية الأخرى، وهو ما استجيب له فعلاً. وتركزت التظاهرات في المناطق والشوارع الرئيسة بالجنوب العراقي، في الحلة، مركز بابل، والناصرية، مركز ذي قار، وكربلاء مركز محافظة كربلاء، والنجف، وفي السماوة مركز المثنى، وفي العمارة مركز ميسان، وفي الديوانية مركز القادسية، وفي شط العرب والمديّنة والزبير وأم قصر في البصرة.

وشهدت ميسان، فجر الخميس، اغتيال الناشط العراقي البارز أمجد الدهامات، من قبل مسلحين مجهولين، بعد مغادرته ساحة الاعتصام في منطقة الشبانة بمدينة العمارة. وهاجم المسلحون الدهامات مطلقين باتجاهه رصاصات عدة أصابته في الرأس والصدر، ما أسفر عن وفاته فوراً، كما أصيب زميله بسام مهدي بجروح بالغة نقل على أثرها إلى مستشفى الحسين في كربلاء.

من جهتها، شهدت منطقة الحيدر خانة وحافظ القاضي، وسط بغداد، اختطاف ثلاثة متظاهرين، عصر السبت، بعد إيقافهم من قبل ملثمين خلال توجههم إلى ساحة التظاهرات. وبذلك ترتفع حصيلة الناشطين المختطفين في العراق إلى 14 ناشطاً، بينهم الناشطة الطبيبة صبا المهداوي، التي اختطفت يوم السبت الماضي بعد خروجها من ساحة التحرير، وسط بغداد، ولا يزال مصيرها مجهولاً.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً