تغريب المفاهيم

يتحدّث إليهم بثقة العارف والمتبحّر في أمور سياسية وثقافية وفكرية واقتصادية، على الأقل، مستخدما بكثافةٍ وبتكرار مفاهيم غامضة بلغات أجنبية تساهم في تعزيز الاعتقاد، والذي يمكن أن يصل إلى حدود التأكد، بدرجةٍ عاليةٍ من ثراء خطابه النخبوي، وعلو مستوى ثقافته متعدّدة اللغات. وبالتالي، هو غالباً ما يسعى لكي يُظهر لمستمعيه جميع قدراته رفيعة المستوى نظرياً، كما ليؤكد لهم بما لا يدع مجالاً للشك بأنه متمكّن من أدواتٍ تتجاوز غالباً محدودية معارفهم. يُضاف إلى هذه الممارسة شعورٌ عارم باللذة، خصوصا إن تيقن المتحدّث بجهل المستمعين الكلي أو الجزئي باللغة التي يطيب له استعارة مفرداتها وتطعيم حديثه بها. كما يستسيغ أن يُعزّز من رفعة مستوى تحليلاته الاجتماعية والسياسية، وحتى الفنية، بالرجوع إلى أسماء كتاب ومفكرين، جُلّهم من الأجانب. وهو بذلك يضرب عصفورين بحجر: إظهار سعة ثقافته وثراء معرفته بالمراجع المتخصّصة، إضافة إلى رغبته في إشعار المستمعين بدونيتهم الثقافية والمعرفية. ويتبدّى ذلك بقوة، حينما يُكثر من الاستعارات والجمل المنسوبة إلى أسماء بعينها، ليظهر وكأنه من مريدي مدرستهم الفكرية دوناً عن سواها، وليغرق المستمع أكثر فأكثر في حيرةٍ ثقافيةٍ ومعرفيةٍ تبعث غالبًا على الارتباك.


معرفة اللغات الأجنبية ضرورةٌ لا لبس فيها من أجل توسيع المعرفة والتمكّن من المراجع المتطوّرة في حقول البحث العلمي


غالباً ما يتخصّص بهذا الأسلوب من الكلام النخبوي مثقفو بلدان العالم الثالث، وكأنهم يريدون الإبقاء على الهوة المعرفية التي تفصلهم عن العامة. بهذا الأسلوب، هم يتخلّون عن دورهم العضوي الذي يعتمد أساساً على قدرتهم في نقل المعرفة. وتكاد الملاحظة المستقلة أن تقود إلى استنتاج قاسٍ يتمحور حول الرغبة المهيمنة لدى بعض هؤلاء المثقفين، وعلى تنوّعاتهم، بالاعتماد أساساً على تعزيز وإظهار جهل الآخر وليس على مجرّد إظهار علمهم والافتخار به دوناً عن المساهمة في نقله. يصبح إذاً الجهل لدى الآخر، الذي غالباً ما يكون في دور المتلقي، سبباً رئيسياً لكي يدفعه إلى أن يقتصد في السؤال، وأن يبتعد أميالاً عن فتح النقاش. هذه المعادلة مختلّة التوازن تترك للمتحدث المثقف هامشاً واسعاً يُتيح له التنزه في جنباتها، من دون أن تعترضه أية عوائق، ليستعرض علومه ومعارفه ومفاهيمه، كما ولو أنه في عرض مسرحي فردي.


المثقف العضوي، إن جرى التوافق على هذه التسمية، مناطٌ به بشكل رئيسي أن يتقاسم المعرفة، وأن يوسع قطر دائرة الإلمام بالمفاهيم المفتاحية، وبأن يسعى إلى دمقرطة العلم، وأن يعمل على إيصال الأفكار الرئيسية إلى أوسع شريحة من الناس. وحتى المثقف التقني، الذي ينأى بنفسه غالباً عن اتخاذ المواقف الواضحة من القضايا السياسية والفكرية الأساسية، وهو غالباً ما يتحجّج بحيادية متخيلة أو يُحدّد دوره في التمسك بالعلم، من دون انحرافات الالتزام الأيديولوجي كما يمكن له أن يسميها. وهو أيضاً، إن كان حقيقياً وليس مزيفاً، سيسعى إلى الابتعاد عن التعقيد اللفظي والمفاهيمي، ليصل إلى أوسع شريحة من المتلقين، فالهدف ليس محصوراً باجترار ما نعرف، أو أن نُسعَدَ بسماع الذات، بل بمشاركته وتحمّل الجدل حوله والنقاش معه ونقده.


ازداد إقحام المفردات الأجنبية حيث تلزم وحيث لا تلزم في جسد الخطاب العلمي العربي


معرفة اللغات الأجنبية ضرورةٌ لا لبس فيها من أجل توسيع المعرفة والتمكّن من المراجع المتطوّرة في حقول البحث العلمي. بل وحتى الاستناد إلى مراجع أجنبية محمودٌ، وخصوصاً في ظل الفقر النسبي للإنتاج المعرفي لأسبابٍ متشابكة في دول كثيرة في العالم غير المتقدّم. هذه الأسبقية المعرفية التي يتمتع بها بعض المثقفين الذين أتيحت لهم الفرصة بتلقيها، يجب ألّا تعطيهم الحق في استخدامها دريئة تحميهم من مسؤولية نقل المعرفة. ومن المفروض نظرياً اللجوء إلى استخدام مصطلحات معرّبة، وهي موجودة بالفعل لمقابلة المفاهيم الغربية المستند إليها في التحليل وفي التفكير. ولقد أصبحت لكلّ العلوم تقريباً القواميس اللازمة لترجمة مفاهيمها، والتي يمكن اللجوء إليها للتحضير، إن غابت الترجمة عن البال.


في السنوات الأخيرة، ازداد عدد طلبة العلم الذين يتلقون علومهم في الجامعات الغربية، وهذا من الإيجابيات التي تساهم في تطوير العلوم عموماً والعلوم الإنسانية خصوصاً. في المقابل، ازداد أيضاً إقحام المفردات الأجنبية حيث تلزم وحيث لا تلزم في جسد الخطاب العلمي العربي، لمجرّد الإيحاء بالتمكّن والتميّز، أو إخفاءً لضعف المتن الذي يمكن أن يساعد اللجوء إلى المفردات الأجنبية في تمويه موضوعته والإيحاء بصلابة التحليل، على الرغم من ضعفه. وفي الحوارات السياسية، العلمي منها والعملي، لجأ كثيرون إلى الأسلوب نفسه، إذ انفصلوا إرادياً عن نسبة كبيرة من المتلقين الذين إما صمتوا أمامهم ورعاً أو عدلوا عنهم تعباً. فيبقى الحوار إذاً ذاتياً أو بين جزء صغير ممن ينتخبون أنفسهم كمتميزين عن أفراد المجتمع الآخرين. ليس فقط عمّن يجهل مواضيعهم، بل وحتى، وخصوصاً عمن هو بها عارفٌ، ولكنه يعتمد أساساً اللغة العربية. من يفصل في الاستعمال بين اللغات، يكون غالباً متمكّناً من لغتين على الأقل، لكنّه يُفضّل، احتراماً منه للمتلقي، وتعزيزاً لدوره في نشر المعرفة أو مشاركتها، أن يستخدم واحدةً منهما إلا في الضرورة القصوى. ويُلاحظ غالباً أنّ من يخلط الحابل الأجنبي بالنابل العربي يكون ضعيفاً في التعبير باللغتين.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً