توكاييف يستعجل إنهاء إرث نزارباييف: إخضاع النخب الأمنية والاقتصادية

في خطوة جديدة لتثبيت حكمه الفعلي، وبداية مرحلة تنهي عملية انتقال السلطة بشكل كامل في كازاخستان، وتفتح عهداً جديداً، وجه الرئيس قاسم جومارت توكاييف، قبل أيام، انتقادات حادة لسلفه نور سلطان نزارباييف.


وجاءت الانتقادات بالتزامن مع اتخاذ توكاييف سلسلة من الإجراءات، بدا واضحاً أن الهدف منها إخضاع المؤسسة الأمنية لسيطرته المباشرة، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية من مخططه وإخضاع النخب الاقتصادية.


وأرسل توكاييف إشارات تحذير واضحة إلى “حيتان المال”، الذين جمعوا ثروات طائلة في العهد السابق، والنخب الاقتصادية والسياسية، فحواها بأن عليهم الإقرار بتغير قواعد اللعبة السائدة منذ عقود، وطالبهم بدعم “عقد اجتماعي” جديد لحكم البلاد.


إصلاحات واسعة في الجيش والأجهزة الأمنية


وبعد أيام على اعتقال كريم ماسيموف، رئيس لجنة الأمن الوطني، الجهاز الأكثر نفوذاً في كازاخستان، وتوجيه تهمة الخيانة العظمى له، تعهد توكاييف بإصلاحات واسعة في الجيش والأجهزة الأمنية.


أصدر توكاييف تعليماته بإنشاء صندوق وطني خاص مطالباً “حيتان المال” بتمويله


وسخر، في خطابه له أمام البرلمان الكازاخستاني الثلاثاء الماضي، من أن اللجنة “لم تلمس أي تهديد خطير للأمن”. وذكر أن المرحلة المقبلة سوف تشهد “إعادة هيكلة عمل قواتنا المسلحة، ووكالات تطبيق القانون، ووكالات الأمن الوطني، والاستخبارات الخارجية. يجب أن يعمل كل منها بشكل متناغم باسم هدف واحد، الحماية الأكثر فعالية لمواطنينا والنظام الدستوري والسيادة، من التهديدات من أي نوع وحجم”.


ومعلوم أن ماسيموف، الذي شغل رئاسة جهاز الأمن الوطني يعد من الشخصيات المقربة من نزارباييف، وأقيل في 5 يناير/ كانون الثاني الحالي، قبل أن توجه له لاحقاً تهمة الخيانة العظمى، والتي قد تصل عقوبتها إلى السجن 15 سنة، مع الحرمان من الحقوق المدنية.




ولا يزال مصير سامات أبيش، نائب رئيس لجنة الأمن الوطني، وابن شقيق نزارباييف، مجهولاً، وسط تضارب الأنباء عن إقالته من منصبه على خلفية الأحداث. وكان توكاييف أعلن، في بداية الأحداث توليه منصب مجلس الأمن الذي تولاه نزارباييف في 2019، وهو المنصب الذي ضمن لـ”زعيم الأمة” البقاء في السلطة، من دون أن يصدر أي بيان حول إقالة نزارباييف.


الحاجة لشكل جديد من العقد الاجتماعي


وفي الخطاب نفسه، قال توكاييف: “نحن بحاجة إلى شكل جديد من العقد الاجتماعي، وستواصل كازاخستان مسار التحديث السياسي. هذا هو موقفي المبدئي”.


وفي إشارة إلى تفهم مطالب المواطنين المحتجين والمتذمرين، أظهر توكاييف لهجة تصالحية. ولفت إلى أنه “يجب الاعتراف بأن الأحداث المأساوية التي وقعت، نتجت إلى حدّ كبير عن مشاكل اجتماعية واقتصادية خطيرة وعدم فاعلية، أو بالأحرى، فشل بعض الوكالات الحكومية”.


ويعاكس هذا التوصيف ما ذكره الرئيس سابقاً حول تعرض بلاده لهجوم إرهابي، ومحاولة انقلاب حكومي مدبر. ويتضمن تخلياً جزئياً عن نظرية المؤامرة التي روجت لها وسائل الإعلام الروسية والكازاخية منذ اندلاع التظاهرات بداية العام الحالي، احتجاجاً على رفع أسعار الوقود.


أوعز توكاييف بتجميد عمل شركة أسستها ابنة نزارباييف متخصصة بجمع القمامة وإعادة تدويرها


وانتقد توكاييف السلطات التي “ابتعدت عن الواقع، وتجاهلت المشاكل الحقيقية”. وأشار إلى تفاقم مشكلة عدم المساواة. وقال إنها تزداد سوءاً عاماً بعد آخر، موضحاً أنه “رغم أن متوسط دخل السكان يبدو أنه ينمو، على الورق على الأقل، فإن هناك توزيعاً غير عادل للثروة في المجتمع”.


ومن أجل حل المشاكل الاجتماعية، من الرعاية الصحية إلى التعليم، أصدر توكاييف تعليماته بإنشاء صندوق وطني خاص “كازاخستان خالكينا”، مطالباً “حيتان المال” بتمويله.


محاولة لتهدئة المحتجين والمتذمرين


وكرّس توكاييف جزءاً من خطابه من أجل تهدئة المحتجين والمتذمرين. وأعلن تجميد رواتب المسؤولين وأعضاء الحكومة، ورؤساء الإدارات الإقليمية والمحلية، والنواب لمدة خمسة أعوام. في الوقت ذاته، تعهد بزيادة رواتب العمال والموظفين. وأوعز بتثبيت الأسعار، والسيطرة على التضخم، وحل مشكلة عبء الديون على المواطنين والشركات الصغيرة.


ولا تختلف الشعارات والأهداف التي طرحها توكاييف في خطابه عن خطاب أي رئيس جديد. وهي شعارات طرحها نزارباييف قبل ثلاثة عقود، لكنها انتهت إلى بنية النظام التي ورثها توكاييف منذ ثلاث سنوات، وأصبح مسؤولاً عنها بالمطلق بعد الاحتجاجات الأخيرة.


ولم يطرح توكاييف برنامجاً واضحاً للتنفيذ. وربما كان الخطاب تجميعاً لشعارات ورغبات من الصعب تنفيذها، أو مجرد “حقن مورفين” لتخفيف النقمة الشعبية. ومن المهم الإشارة إلى أن الحكومة الجديدة التي عينها توكاييف ضمت 14 وزيراً سابقاً، فيما تولى 7 وزارات نواب للوزراء، كانوا عملوا فيها لسنوات.


وبعيداً عن الشعارات الشعبوية المناسبة لتهدئة النفوس التي وردت في الخطاب، فإن الصندوق المقترح لن يوفر المبالغ اللازمة للخطة التي طرحها لتخفيف اعتماد بلاده على التصدير، والاستثمار في التعليم والصحة والبنى التحتية، والتي تتطلب تمويلاً منتظماً لعقود. كما أن النتائج غير مضمونة من دون المضي في إصلاحات اقتصادية شاملة، تضمن زيادة التنافسية ومنع الاحتكار. والأهم إطلاق إصلاحات سياسية تضمن نمواً مستداماً، وعقداً اجتماعياً متماسكاً، وتداولاً حقيقياً للسلطة.


عائلة نزارباييف و”أوليغارشيته” تحت المجهر


وفي سابقة هي الأولى من نوعها، وجه توكاييف انتقادات حادة للنظام الذي أرسى نزارباييف قواعده. واعتبر أنه “بفضل الرئيس الأول إلباسي (كلمة كازاخية تعني زعيم الأمة)، ظهرت في البلاد مجموعة من الشركات المربحة للغاية وطبقة من الأشخاص الأثرياء حتى بالمعايير الدولية”.


وأضاف: “أعتقد أن الوقت قد حان للاهتمام بشعب كازاخستان، ومساعدته على أساس منهجي ومنتظم”. واعتبر أن “النظام الحالي يركز بشكل أساسي على خدمة الهياكل الكبيرة على مبدأ كل شيء للأصدقاء، والباقي حسب القانون”.


يبدو أن المساهمة في “الصندوق الوطني” ستكون اختباراً لمدى ولاء النخبة القديمة واستعدادها للتعاون مع السلطة الحالية


وفي إشارة لافتة إلى أن المحاسبة ستطاول الجميع، ولن تستثني عائلة نزارباييف، أوعز توكاييف بتجميد عمل شركة “Operator ROP” المتخصصة بجمع القمامة وإعادة تدويرها. وشدد على أنه يجب أن تتولى هذه العملية مؤسسة حكومية كما هو الحال في جميع البلدان. وأكد ضرورة مراجعة الرسوم المحصلة من المواطنين. وأعاد التذكير بأن عمل هذه الشركة الخاصة أثار احتجاجات شعبية بسبب الرسوم العالية والخدمات المقدمة.


ومعلوم أن “Operator ROP” تأسست في العام 2015. وحسب الموقع الرسمي للشركة فإنها تنظم عملية جمع النفايات ونقلها ومعالجتها والتخلص منها. ووفقاً لتقارير إعلامية فإن علياء ابنة نزارباييف أسست الشركة، وترأست عملها لمدة شهر ونصف الشهر، قبل أن تتحول شكلياً إلى ملكية شركة أخرى.


ونقلت صحيفة ” إر بي كا” الروسية عن مصادر مطلعة أن أرباح الشركة، في السنة الأخيرة، وصلت إلى 220 مليار تانغي (500 مليون دولار)، علماً أن الشركة لم تنشر أي بيانات عن أرباحها منذ ثلاث سنوات.


ولا توجد معلومات كافية عن ثروة علياء، صغرى بنات نزارباييف، لكن صحيفة “تليغراف” البريطانية ذكرت، في تقرير منذ أيام، أنها حولت نحو 300 مليون دولار للخارج، بناء على نصائح من مستشارين ماليين. وأشارت الصحيفة إلى أنها أنفقت المبلغ على شراء بيت فاخر في لندن وطائرة خاصة، إضافة إلى شراء 51 في المائة من أسهم مصرف سويسري.


وفي ضربة مؤلمة لعائلة نزارباييف، التي يشاع على نطاق واسع تحكم عدد من أفرادها بعمليات التخليص الجمركي مع الصين أكبر شركاء كازاخستان التجاريين، أشار توكاييف إلى أن “الفوضى الحقيقية” على الحدود “باتت معروفة جيداً، حيث لا يتم تفتيش السيارات، ولا يتم دفع الضرائب والرسوم”.


وأوضح أن هناك اختلافات كبيرة في المؤشرات عند مطابقة البيانات الكازاخية والبيانات الصينية”. وحمل على بعض “المشغلين المعتمدين الذين يتمتعون بوضع الحصانة”، والذين يتسببون بخسارة الدولة عشرات مليارات التنغي في الضرائب. وشدد على أن هذا الوضع غير مقبول، وأن ترتيب الأوضاع في الجمارك سوف يرفد إيرادات الخزينة بمبالغ كبيرة.


ورغم أن توكاييف لم يشر إلى ثروات ابنتي نزارباييف الأخريين وثروتهما، وكذلك عدد من أصحاب المليارات المقربين من الرئيس السابق، فإن تصريحاته بعثت رسائل واضحة إلى جميع من استغل العهد السابق لجمع ثروات طائلة، بأن عليهم القبول بقواعد جديدة للعبة وإلا فإن مصيراً مختلفاً قد يواجههم.


اختبار لمدى ولاء النخبة القديمة


ويبدو أن المساهمة في “الصندوق الوطني” اختبار لمدى ولاء النخبة القديمة، واستعدادها للتعاون مع السلطة الحالية. ففي حال الدفع يمكن لاحقاً التفاهم على ضوابط ونواظم جديدة.


ولا يختلف عرض توكاييف على النخب الاقتصادية عن تجارب سابقة طبقت في عدة دول أثناء مرحلة انتقال السلطة. وبدا أنه سعى إلى المحافظة على المناخ الاستثماري الجذاب، الذي بنته كازاخستان في العقدين الأخيرين، رغم الفساد المستشري، بعدم التعرض إلى متصدري قائمة “فوربس” لأغنى أغنياء البلاد، الذين يعملون في قطاعات حيوية يمكن أن ترسل إشارات سلبية للمستثمرين الأجانب أو تشل عمل بعض هذه القطاعات.


وتشغل دينارا ابنة نزارباييف الثانية، وزوجها تيمور كوليباييف، المركز الخامس في قائمة “فوربس”. وتبلغ ثروة كل منهما 2.9 مليار دولار حسب تقديرات خريف العام الماضي. ويتقاسم الزوجان مناصفة مجموعة “Almeks” الاستثمارية، ويملكان حصة الأغلبية في “Halyk Bank ” أكبر مصارف البلاد. كما يملك الزوجان محطات لإنتاج وبيع وقود السيارات، والتي تسببت زيادة أسعارها في اشتعال الاحتجاجات الأخيرة.


ويرتبط فياتشيسلاف كيم، ثاني أكبر رجل أعمال في كازاخستان، بعلاقات مع عائلة نزارباييف. وتبلغ ثروته نحو 4.2 مليارات دولار. وزادت ثروته بنحو 3.5 مليارات دولار في العام 2021، بعدما طرح أسهم مجموعة “Kaspi.kz” في بورصة لندن، وهي منصة تجمع بين البيع بالتجزئة عبر الإنترنت وخدمات تحويل الأموال والإقراض. وكان أسسها مع خيرات ساتيبالدي، ابن شقيق نزارباييف، الذي أعلن أنه باع حصته في الشركة في 2018.


ويحتل بولات أوتيموراتوف، الموظف السابق في إدارة نزارباييف، ومدير أعماله ما بين 2006 و2009، المركز الرابع في قائمة أغنى أغنياء البلاد، بثروة وصلت إلى 3.5 مليارات دولار. وتتوزع أعماله على قطاع المصارف، والاتصالات في كازاخستان وقرغيزستان.


تحاكي خطابات وإجراءات توكاييف تجربة بوتين حين انتقلت السلطة إليه


ويملك أوتيموراتوف أسهماً في قطاع استخراج الذهب، وفنادق “ريتز كارلتون” في نور سلطان وموسكو وفيينا، إضافة إلى ترخيص “برغر كينغ” في كازاخستان. وحسب تصنيف “فوربس” لأقوى الشخصيات ضمن قطاع الأعمال، احتل أوتيموراتوف المركز الثاني بعد تيمور كوليباييف صهر الرئيس السابق.


حرق مراحل وتعلم من تجارب بوتين


وتحاكي خطابات وإجراءات توكاييف تجربة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حين انتقلت السلطة إليه من سلفه الراحل بوريس يلتسين نهاية 1999، مع فارق بسيط هو الإسراع في الانتقال من مرحلة إلى أخرى.


وركز بوتين، أثناء فترة توليه رئاسة الحكومة لفترة قصيرة، على محاولة إثبات جديته في محاربة الإرهاب والمحافظة على وحدة الأراضي الروسية. واستهل حكمه بحملة عسكرية واسعة على الشيشان، منحته صورة القائد الوطني القوي. وبعدها انتقل إلى محاربة رموز نظام يلتسين، ووضع “حيتان المال”، الذين كانوا يتحكمون حينها بقرارات الكرملين، أمام خيارين، إما الولاء والابتعاد عن السياسة، مع المساعدة في تنفيذ برامج محددة من الكرملين، وإما خسارة كل الثروات والامتيازات والانتقال إلى السجون أو المنافي.


في حالة روسيا، حافظ “حيتان المال” الموالون للسلطة على امتيازاتهم. وبرزت شخصيات جديدة من بطانة بوتين وأصدقائه والمقربين، باتت تتحكم بالقطاعات الرئيسية للاقتصاد الروسي، وتتصدر قائمة “فوربس” لأغنى الأغنياء. وهنا لا ضمانات ألا يتكرر الأمر في الحالة الكازاخية.


من الواضح أن توكاييف استطاع فرض الهدوء في غضون أيام قليلة، بغض النظر عن تقلب مواقفه حول أسباب الاحتجاجات ومن يقف خلفها. لكن المؤكد أن تحقيق الاستقرار، وعدم تكرار التظاهرات، رهن بخطوات عملية سريعة للحد من عدم المساواة وتحسين دخل المواطنين العاديين، سوف تضعه وجهاً لوجه أمام ” الدولة العميقة” و”حيتان مال” نزارباييف.


والأهم أن البدء بإصلاحات شاملة لنظام الحكم تحتاج إلى “إرادة سياسية”، عادة ما يفتقدها الحكام في آسيا الوسطى والدول الشمولية، الذين يركزون على تثبيت خليفة، يضمن لهم مصالحهم وعدم المحاكمة بعد الخروج من المنصب.


ويرى البعض أنه ربما تصلح مآلات عملية نقل السلطة في كازاخستان أن تكون درساً لبوتين، الذي أعلن أكثر من مرة أنه لم يقرر بعد الترشح في انتخابات 2024، رغم امتلاكه الحق في الترشح بمقتضى التعديلات الدستورية في 2020 التي “صفرت عداد الرئاسة”، ومنحته حصانة أبدية من المحاكمة.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً