تونس: المشيشي يحاول استعادة المبادرة عقب انتقادات أزمة كورونا

أثارت إقالة رئيس الحكومة التونسية، هشام المشيشي، لوزير الصحة، فوزي المهدي، أمس الثلاثاء، ردود فعل واسعة في تونس، برغم أن الإقالة لم تكن مفاجئة.

وجاءت الإقالة بالتزامن مع عيد الأضحى، ما دفع مراقبين كثراً إلى اعتبار أن المهدي كان “كبش فداء” للأزمة الصحية الكبيرة التي تمرّ بها تونس جراء انتشار فيروس كورونا.

ولم يكتفِ المشيشي بنص الإقالة المقتضب مساء أمس الثلاثاء بعدما انتقل ليلاً إلى الوزارة، ليفسر قراره وخلفياته، على غير عادة التعديلات التي تدخل على أي حقيبة وزارية.

وشدد المشيشي على أن هذا القرار تأخر كثيراً، وبكون الوضع الصحي في البلاد والنتائج اليوم كشفت أن تعطيل التعديل الوزاري الذي اقترحه في يناير/ كانون الثاني الماضي “سبّب كوارث، وخاصة في القطاع الصحي” على حد تعبيره.

وقال المشيشي: ”نعتذر للتونسيين الذين قدموا اليوم لتلقي اللقاح، ولكنهم اصطدموا بسوء تنظيم كبير وصل إلى حد تهديد السلم الأهلي وتهديد صحة التونسيين”.

وشهدت مراكز التطعيم في تونس، أمس الثلاثاء، حالة من الفوضى والتدافع في أول “أيام التطعيم المفتوحة” التي دعت إليها وزارة الصحة خلال إجازة عيد الأضحى، ما أدى إلى تهشيم معدات البعض منها، وانتقادات شديدة لسوء تنظيم حملة التلقيح التي لم يرافقها إعداد لوجستي جيد.

وبسبب الرغبة في الحصول على اللقاح، أقبل مواطنون من أعمار مختلفة على مراكز التطعيم التي حددتها الوزارة في مختلف المحافظات لتتكدس الأمواج البشرية أمامها، فيما عجزت الجمعيات المتطوعة عن تنظيم الطوابير وتوزيع الأرقام حسب الأولويات.

ووصف المشيشي قرار استدعاء كل التونسيين إلى تلقي التلقيح يوم عيد الأضحى بـ”الشعبوي، ويمكن وصفه بالإجرامي”، خاصة أن فيه “تهديداً لصحة التونسيين والسلم الأهلي. هو قرار مسقط ولم تتم استشارة رئيس الحكومة والمحافظين والقيادات الأمنية، أو الرجوع للجنة العلمية أو الهيئة الوطنية لمجابهة الكورونا قبل اتخاذه”. وأكد المشيشي أنه ”عاين سوء التسيير في قيادة هذه الوزارة التي تزخر بالكفاءات والمراجع العلمية والإدارية”.

وتأتي توضيحات المشيشي بخصوص الإقالة في شكل رسائل إلى جهات كثيرة في الوقت نفسه، وتحمل بوضوح إعادة تموقع في المشهد بعد الانتقادات التي طاولت حكومته على امتداد الأسابيع الماضية.

وسبقت الإقالة بيوم في المعايدة على التونسيين تأكيداته “الصعوبات التي تواجهها الحكومة منذ تعيينها”، قائلاً: “منذ تسلّم مهامنا، علمنا أن الوضع صعب على المستويات كافة، ولا يدعمنا كثيرون لأننا لسنا تابعين لأي جهة، وهناك من يكرس كل الجهود والوسائل غير المشروعة التي تغيب فيها حتى أخلاق الحرب لضرب الحكومة وتشويهها، حتى لو كان الثمن ضرب الدولة التونسية”.

وتابع المشيشي في فيديو تهنئته: ”اخترنا طريق المسؤولية على طريق الشعبوية.. تحملنا مسؤوليتنا ونواصل تحملها رغم ضعف الإمكانات والهجومات التي تشن ضدنا يومياً”.

وانتقد أطرافاً اتهمها ”بالاستثمار السياسي في الأزمات التي تشهدها البلاد”، وقال: ”هذا لا يليق إلا بأمراء الحروب”.

وحملت التهنئة شكراً حاراً لرئيس الجمهورية قيس سعيّد على الجهود الكبيرة التي بذلها لدعم جهد الحكومة.

وشكلت تحركات المشيشي المكوكية يوم العيد هجوماً معاكساً على منتقديه وإعادة تموقع سياسي واضح يعكس رغبته في استعادة المبادرة بعد المطالبات الكثيرة باستقالته بسبب ما وصف بالضعف في إدارة الأزمة الصحية.

وبرغم أن الداعم الأكبر للمشيشي، وضمانته السياسية الأولى، حركة “النهضة”، دعت بقوة إلى تغيير وزير الصحة، إلا أنها لم تتفاعل بقوة مع الإقالة أو بالأحرى مع تعيين وزير بالنيابة لتولي الحقيبة، وهو وزير الشؤون الاجتماعية، محمد الطرابلسي.




وكتب القيادي في “النهضة”، سمير ديلو، على صفحته على “فيسبوك” ليلة أمس: “اللّهمّ إنّ هذا عبث، وزير صحّة بالنّيابة في بلاد تعيش حرباً على الوباء.. وزير يدير وزارتين تتطلّب كلّ وزارة منهما تفرّغاً؟”.

وتابع قائلاً: “العبث في الظّروف العاديّة تترتّب عنه مسؤوليّة وضياع مصالح، وفي هذه الظّروف يتسبّب في إزهاق أرواح بريئة”.

وكان رئيس كتلة الحركة بالبرلمان، عماد الخميري، قد أكد قبلها بيوم في تصريح إذاعي أن “الحكومة الحالية لا يمكن أن تواصل مهامها بسبب تعطيل تفعيل التحوير الوزاري وتولي عدة وزراء حقائب وزارية بالنيابة، وينبغي تعيين وزير كفء وذي خبرة في وزارة الصحة”.

ويبدو أن “النهضة” كانت تنتظر تعيين القيادي عبد اللطيف المكي وعودته للوزارة من جديد، خصوصاً أن أسهمه في صعود كبير على المستوى الشعبي، ولكن قرار المشيشي تعيين وزير بالنيابة فيه إمهال إلى غاية بحث حل جذري لمشكلة التعديلات الحكومية. وفيه كذلك انتظار تفاهمات واسعة وشاملة بين مكونات الائتلاف الحكومي فيما بينها من ناحية، وبين رئيس حركة “النهضة”، راشد الغنوشي، وسعيّد من ناحية أخرى. لكن رئيس الجمهورية لن يكون متفهماً لإبعاد وزير آخر من الوزراء المقربين منه، وربما قاد هذا إلى خلاف جديد مع الغنوشي، الذي يترأس البرلمان.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً