تونس… كورونا باعتباره وباء سياسياً

تصاعد شعور التونسيين بأن بلدهم لم يفقد قيمته، ولم يخسر أشقاءه وأصدقاءه، على الرغم من الاضطراب الشديد الذي شهدته علاقاته الخارجية خلال السنوات العشر الأخيرة. لكن في المقابل، ارتفعت حدة التوتر من جديد بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بعد إقالة وزير الصحة فوزي المهدي من قبل رئيس الوزراء هشام المشيشي، خصوصاً أنه آخر وزير من مجموع الوزراء الذين اختارهم رئيس الجمهورية قيس سعيّد عند تشكيل الحكومة. هذا يعني أنه في لحظة المواجهة الحاسمة مع وباء كورونا، أطلت الحسابات السياسية برأسها من جديد لتزيد من إحساس التونسيين بالخوف على بلادهم، وبالحاجة الملحة لوحدة القيادة ولدولة قوية وفعالة.


اعتقد وزير الصحة المقال فوزي المهدي، بأنه فعل خيراً وسيقدم خدمة جليلة للبلاد والعباد عندما دعا التونسيين وخاصة الشباب منهم، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و45 عاماً، إلى تلقي اللقاح وذلك في أيام مفتوحة، بدءاً من عشية يوم عيد الأضحى (الذي صادف يوم الثلاثاء الماضي)، ورفع الشروط التي كانت موضوعة سابقاً لتحديد من يحق له التلقيح. لكنه لم يتوقع أن هذه المبادرة العفوية ستكون السبب في إقالته، وفي إشعال النيران بين “القصبة” (مقر الحكومة) وقرطاج (مقر الرئاسة الأولى). فالإقبال على مراكز التلقيح كان كبيراً، مما خلق حالة من الفوضى العارمة، خصوصاً أن كميات اللقاحات كانت في اليوم الأول محدودة. وترتبت، عن ذلك التدافع، وأحياناً العنف، مخاطر متعددة جعلت رئيس الحكومة يقدّر بأنّ “السلم الأهلي” أصبح مهدداً، وهو ما جعله يستغل الفرصة ويعلن عن إقالة وزير الصحة، ويفتح تحقيقاً قضائياً ضده.


رأى البعض بإعلان سعيد تولي المؤسسة العسكرية إدارة أزمة كورونا انزلاقاً نحو العسكرة


في المقابل، اعتبر رئيس الجمهورية أن تجميع التونسيين بذلك الشكل الذي حصل، هو “جريمة مدبرة” تقف “وراءها غايات سياسية”. وبدل أن يوجّه اللوم إلى وزير الصحة، شكره ووقف إلى جانبه، ورأى في الحادثة مؤامرة ضده وضد الدولة. وبناءً عليه، أعلن بأنّ المؤسسة العسكرية ستتولى إدارة الأزمة الصحية في البلاد. وهو قرار مفاجئ، لم تتم مناقشته بين هياكل الدولة، وإنما الهدف منه هو سحب البساط من تحت أقدام الحكومة، وتولي رئيس الدولة والجيش إدارة الملف بكامله. لهذا السبب تخوّف البعض من هذا الإعلان، ورأوا فيه انزلاقاً رئاسياً نحو العسكرة، وتحميل الجيش مسؤولية ضخمة، وجعل القطاع الصحي المدني تحت إشراف العسكر.


كما أعلن سعيّد أن الدول التي قدمت مساعدات لتونس، طلبت منه بصفته رئيساً للدولة، أن يتولى الإشراف عليها، لهذا طلب بأن توضع تحت تصرف الإدارة الصحية للجيش لتتولى توزيعها وإيصالها إلى المواطنين. وهو ما يعني أن الأيام المقبلة ستشهد صراعاً حاداً وخطيراً بين مؤسسات الدولة، في ظرف صعب ومعقد.




يبدو أن رأسي السلطة التنفيذية يعجبهما مواصلة التمتع بلعبة الشطرنج، يزيل أحدهما بيدقاً، فيتصدى له الآخر بمناورة أكبر تضعف هجوم الخصم. وهي لعبة تستمر منذ أشهر من دون حسم الخلاف. وعندما ظن البعض بأن دعوة حركة “النهضة” بداية الشهر الحالي، إلى تشكيل حكومة سياسية قد يؤشر إلى ترتيب جديد حصل بينها وبين رئيس الدولة على حساب المشيشي الذي ظنّ خصومه بأنّ أيامه الأخيرة قد اقتربت، بينت الوقائع أن الرجل لا يزال يحظى بدعم حزامه السياسي والبرلماني، وأنّ سعيّد لم يعدل من موقفه، وبقي محافظاً على استراتيجية التعطيل في انتظار استسلام المناوئين له، وقبولهم بمطالبه وبأسلوبه في إدارة شؤون الحكم.


بينت الوقائع أن المشيشي لا يزال يحظى بدعم حزامه السياسي والبرلماني


في سياق هذا الجمود السياسي، حاولت المعارضة استغلال المأزق العام من خلال تجديد مساعيها لخلخلة الأوضاع، وعبّرت بوضوح عن “إرادتها” بتغيير الخريطة السياسية برمتها، من خلال دعوة أنصارها والتونسيين إلى النزول إلى الشارع في عيد الجمهورية يوم 25 يوليو/تموز الحالي. واتفق كل خصوم “النهضة” من “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” واليسار عموماً، و”الحزب الدستوري الحر” وغيرهم، على أنّ الهدف من هذا التحرك “الشعبي” هو التخلص من “الإخوان” وإبعادهم عن أجهزة الدولة. لكن كلما اقترب هذا الموعد، تصاعدت الخلافات بين هؤلاء جميعاً، مما دفعهم إلى التخلي تدريجياً عن المشاركة في هذا التحرك الميداني. ولم يقف الأمر عند حد الإعلان عن عدم المشاركة، وإنما بلغ درجة التبرؤ من الانخراط في هذا المسار. حصل ذلك بعد أن أصدرت جهة “غامضة” بياناً يحمل توقيع “المجلس الأعلى للشباب”، تضمن دعوة إلى “اعتقال جميع السياسيين” الذين شاركوا في الحكم بعد الثورة، وحل البرلمان، وتوفير محاكمات عادلة، وتجميد أموال الأحزاب والجمعيات، وأن يكون قيس سعيّد و”مجلس الشباب” الحاكمين الفعليين في إطار مرحلة انتقالية لمدة ستة أشهر، ولهما السلطات الفعلية التنفيذية والتشريعية والقضائية”، أي عملياً إقامة ديكتاتورية مطلقة.


لا يمكن اتهام سعيّد بأن له صلة ما بهذه المجموعة، خصوصاً أنّ نص البيان ضعيف ومفكك لغوياً، لكن هناك من يعمل على استعمال القيمة المعنوية والدستورية لموقع رئيس الجمهورية، وتوظيف توجهاته الفردية والسياسية، لتعميق الأزمة أكثر، والدفع بالبلاد نحو المجهول.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً