ثروة العراق الشبابية: قوة إنتاجية غير مستغلة ومبادرة لاستيعابها

يعتبر العراق خزاناً شبابياً ضخماً، إذ يفيد آخر مسح نشرته وزارة التخطيط في عام 2018، أن عدد الذين تراوح أعمارهم بين صفر و29 عاماً وصل إلى 26 مليوناً من أصل 38 مليون نسمة، وهو إجمالي عدد السكان في البلاد. أرقام تدل وفق الخبراء على الحاجة إلى استراتيجيات تؤهل سوق العمل لاستقبال عدد كبير من طالبي الوظائف سنوياً.


إلا أن المتابعين يعتبرون الواقع مناقضاً للمطلوب، حيث تقوم الحكومات بتضخيم أعداد العاملين في القطاع الرسمي عبر استخدام المال العام لدفع رواتب من تقوم بتوظيفهم وفق محاصصات سياسية وطائفية، بدلاً من توسيع سوق العمل وتأهيله للاستفادة من الثروة الشبابية الهائلة للنهوض بالاقتصاد.


وبحسب آخر أرقام أعلنها الجهاز المركزي للإحصاء، فإن نسبة البطالة بين الشباب للفئة العمرية بين 15 إلى 29 سنة تبلغ 22.6 في المائة. ولكن هذه الأرقام أقل بكثير من أخرى أعلنها صندوق النقد الدولي أظهر أن معدل البطالة لدى شريحة الشباب في العراق تبلغ أكثر من 40 في المائة. في حين يعاني العراق ضعفاً كبيراً في تنويع إيراداته، إذ تشكّل الموارد النفطية للعراق 89 في المائة من ميزانيته.




وأدت نسب البطالة في بلد يعوم على النفط وينخره الفساد إلى انطلاق تحركات غاضبة في عدد كبير من المحافظات، وكانت مطالب التوظيف وتوزيع الثروة الوطنية بعدالة من أبرز الشعارات التي رفعها الشباب العراقي. فيما تفاقمت الأزمة بعد انتشار فيروس كورونا وإجراءات العزل، حيث يُقدَّر عدد العمّال بالأجر اليومي بأكثر من 10 ملايين شخص.


وقال الخبير الاقتصادي المختص بإدارة مؤسسات الدولة في الأزمات علي الفريجي في حديث مع “العربي الجديد” إن ظاهرة البطالة واحدة من المشاكل الكبيرة التي تعاني منها الحكومات العراقية، إذ إن الطاقة الشبابية ضخمة فيما معدلات البطالة تصل نسبتها إلى ما يقارب 45 في المائة أو أكثر.


مبادرة “توظيف”


وإثر الارتفاع غير المسبوق في معدلات البطالة أطلقت الحكومة العراقية مبادرة جديدة تهدف إلى توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل في البلاد تبدأ بإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية تحت إشراف مكتب رئيس الحكومة ومجلس الخدمة الاتحادي، في خطوة يقول مسؤولون عراقيون إنها ستقلل أيضاً الفساد والمحسوبية في موضوع التوظيف وأيضاً تحقق تكافؤ الفرص وتوفر فرصاً أكثر للتوظيف تلبي أصحاب الشهادات والخبرات.


وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية، أحمد الملا طلال، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير العمل عادل الركابي ورئيس مجلس الخدمة الاتحادي، يوم الاثنين الماضي، إن “مكتب رئيس الوزراء أطلق مبادرة التوظيف لتأمين الوظائف للشباب في البلاد، والقضاء على تخبط الحكومات السابقة في سياسة التوظيف”.


وأضاف الملا طلال أن “مبادرة التوظيف هي واحدة من سبل تفعيل مجلس الخدمة الاتحادي الذي ظل معطلاً طوال 11 عاماً، فضلاً عن هدفها الأساسي المتمثل بتوفير فرص العمل للعاطلين عن العمل”، مبيناً أن “المبادرة بدأت بإطلاق موقع إلكتروني لتلقي طلبات العمل من العاطلين عبر ثلاث خطوات بسيطة، لتتكون لدى الحكومة قاعدة معلومات كاملة عن طبيعة الوظائف المطلوبة، تمهيداً لرسم سياسة من قبل مجلس الخدمة ووزارة العمل لتوجيه التوظيف بالطريقة الصحيحة وضمان العدالة في استثمار العمالة العراقية وعدم الاعتماد فقط على العمالة الوافدة”.




وقال مصدر مقرب من الحكومة العراقية فضّل عدم الإفصاح عن هويته في حديث مع “العربي الجديد” إن الحكومة العراقية تعمل على تقليص العمالة الأجنبية داخل العراق كونها تُعد واحدة من أهم وابرز الأسباب التي أدت إلى تفشي البطالة وتهريب العملة الصعبة إلى خارج العراق برعاية بعض السياسيين والشخصيات المتنفذه في الدولة.


وأضاف أن “الحكومة تحاول من خلال مبادرة توظيف إبعاد ملف التعيينات عن الأحزاب وبعض النواب وكذلك إبعادها عن المحاصصة الحزبية كونها استغلت لدواعٍ انتخابية ولتعبئة الجماهير لصالح الأحزاب”.


تشكيك في الوعود


لكن النائب السابق في البرلمان العراقي حامد المطلك شكك خلال حديثه مع “العربي الجديد” في مبادرة توظيف، قائلاً إن “الحكومة العراقية تحاول لفت الأنظار بإطلاق مثل هذه المبادرة وبهذا الاسم اللافت لتكسب ثقة الشعب”، مؤكداً أن “مبادرة التوظيف مجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع”.


وأضاف أن “الحكومة العراقية تعهدت القيام بالكثير من الإصلاحات وملاحقة الفاسدين، لكننا لم نر أي تحرك حقيقي وفعلي على الأرض”، مشيراً إلى أن “حيتان الفساد التي توعدت الحكومة بملاحقتها ومحاسبتها لا تزال تُهيمن على مفاصل الدولة وتحكم سيطرتها على معظم موارد البلد”.


وأشار المطلك إلى أن “العراقيين باتوا لا يثقون بالحكومة العراقية ولا بأي مبادرة إصلاحية تطلقها، لذلك على الحكومة أن تقوم بإصلاحات حقيقية بعيدة عما يسمى بالورقة البيضاء والورقة السوداء للنهوض بالواقع الاقتصادي وتحسين الوضع المعيشي للعراقيين”.




من جهته علّق الفريجي قائلاً إن “ظاهرة التوظيف الكمي السلبي تعد واحدة من أبرز المشاكل الاقتصادية التي أرهقت الدولة كثيرا في الآونة الأخيرة، إذ تجاوزت نفقاتها 45 في المائة من الموازنة التشغيلية”، معتبراً أن “هذا الارتفاع الكبير في معدلات دفع الرواتب والتوظيف الكمي أثر بشكل سلبي على البناء الاقتصادي وإدارة الدولة”.


وأوضح أن “أكثر من 96 في المائة من موظفي الدولة غير منتجين ولا يضخون سوى 3-4 في المائة من العائدات إلى موازنة الدولة، باستثناء موظفي وزارة النفط، لافتاً إلى أنّ “توجه الحكومة العراقية إلى التوظيف الكمي سيكون ثقلاً آخر وعبئاً على الدولة التي تعاني من ضعف الإيرادات مع تراجع أسعار النفط”.


وأضاف الفريجي أن أرقام التوظيف أصبحت مخيفة جداً، مشيراً إلى أن عدد موظفي الدولة في عام 2012 كان 1,4 مليون وفي عام 2019 ارتفع العدد إلى 3،6 ملايين موظف، بالإضافة إلى المتقاعدين ورواتب الرعاية الاجتماعية وغيرها من المسميات الأخرى، لتصل إلى 8-9 ملايين شخص يتقاضون رواتب من الدولة، ما يعني أن هناك فائضاً كبيراً وغير متوازن في أعداد الموظفين”.


وأشار إلى أن مبادرة توظيف من الممكن أن تتجه بعيداً عن التوظيف السلبي واستثمارها من خلال برامج تطوير مهارات القوى الباحثة عن العمل ووضعهم في برامج قروض لمشاريع صغيره تحتاجها السوق المحلية، حيث يمكن من خلالها توظيف ما يمكن توظيفه بشكل إيجابي”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً