جبريل إبراهيم وأركو ميناوي… أعوام من إدمان الانقلابات والمناوشات

خلف المشهد السياسي المترافق بحراك في الشارع، والمطالب بحل الحكومة السودانية وتغيير المعادلة السياسية تحت إشراف العسكر، يبرز اسما وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، رئيس حركة “العدل والمساواة” السودانية، جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور، رئيس حركة “تحرير السودان”، ميني أركو ميناوي، كاثنين من أبرز القيادات السياسية، في هذا التطور. لكن مواقف إبراهيم وميناوي، لا تزال تبدو غامضة ومتناقضة، ويسودها الارتباك، فالحكومة التي يتبنيان مطلب حلها، هما جزء منها ومشاركان بقوة في قراراتها ويتقاسمان إنجازاتها كما يتحملان جزءا من إخفاقاتها، ولديهما حصص في الوزارة، ووظائف حكومية رفيعة المستوى. كما يفترض حصولهما على وظائف على مستوى الجيش السوداني والشرطة وجهاز المخابرات طبقاً لاتفاق السلام الذي وقعاه مع الحكومة في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2020، الذي ينصّ كذلك على دمج قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني، وعلى تشكيل قوة أخرى منفصلة قوامها 20 ألف جندي من الحركات المسلحة والجيش السوداني، والشرطة، والدعم السريع لحماية المدنيين في دارفور. وكلها نقاط تزيد الحيرة والتساؤل عما يريده الرجلان، في ظلّ غياب أي إجابة مقنعة إلا بالعودة لسيرة ومسيرة الرجلين تاريخياً.


انقلب إبراهيم على البشير وهاجمه عسكرياً في عام 2008

 


جبريل إبراهيم محمد، المولود في عام 1955 بمنطقة الطينة في ولاية شمال دارفور، غربي السودان، هو من القيادات الشبابية داخل الحركة الإسلامية التي حكمت السودان لمدة 30 عاماً تحت اسم حزب “المؤتمر الوطني”. وبعد أن نفذت الحركة انقلابها العسكري في 30 يونيو/حزيران 1989 أمرت في بداية التسعينيات، كوادرها في دول المهجر بالعودة إلى السودان للمشاركة في التأسيس للنظام الجديد، فكان جبريل إبراهيم خريج جامعة الخرطوم قسم إدارة الأعمال، واحداً من الكوادر التي استجابت لنداء التنظيم المعروف عنه الانضباط والسمع والطاعة. وتحت ذريعة التمكين، وهي طريقة ابتكرتها حكومة الرئيس المعزول عمر البشير لتوظيف أعضاء التنظيم السياسي في مؤسسات الدولة، أدار إبراهيم الحاصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة ميجي في اليابان، عدداً من الشركات المحسوبة على الحكومة والتنظيم الحاكم، أهمها شركة “عزة للشحن الجوي”. استمر شهر العسل بين عسكر نظام البشير، ومدنيي الحركة الإسلامية لمدة 10 سنوات، لكنه انهار تماماً بعد الخلافات العميقة بين البشير وعراب الحركة الإسلامية الشيخ حسن الترابي، ووقع الانفصال بينهما في عام 1999 بطرد فريق الترابي من السلطة ومن الحزب الحاكم. اختار إبراهيم الاصطفاف مع فريق الترابي المطرود، الذي أسس بعد ذلك حزب “المؤتمر الشعبي” في عام 2000.


لكن بقاء إبراهيم في الحزب لم يدم طويلاً لأن شقيقه الأكبر خليل إبراهيم أسس مع مجموعات أخرى حركة متمردة باسم “العدل والمساواة” للقتال ضد نظام البشير، واختارت إقليم دارفور مسرحاً لعملياتها القتالية. تبوأ إبراهيم عدداً من المناصب السياسية داخل الحركة الوليدة، من مقر إقامته في دبي الإماراتية وأسس فيها شركات وأعمالاً تجارية خاصة. وبمرور الوقت طلبت الحكومة السودانية من الإمارات تسليمه لمحاكمته على أنشطته المناوئة للخرطوم، فآثر إبراهيم المغادرة إلى بريطانيا، ليتفرغ تماماً للعمل السياسي داخل حركة “العدل والمساواة”، والتي وجهت ضربة موجعة للنظام في عام 2008 بالوصول إلى قلب العاصمة لتنفيذ عملية باسم “الذراع الطويلة” لقلب نظام البشير. وعلى الرغم من فشل العملية إلا انها حُسبت للحركة وضربت من الآلة الأمنية والعسكرية للنظام.




في يناير/كانون الثاني 2012، اختارت “العدل والمساواة” جبريل إبراهيم لرئاستها، بعد مقتل شقيقه خليل إبراهيم في غارة للجيش السوداني على رتل عسكري تابع للحركة في منطقة في شمال كردفان، لكنه لم يتقدم بالحركة للأمام ولم يحقق ما حققه شقيقه من انتصارات عسكرية وسياسية وتنظيمية، بل خسرت الحركة قوتها الضاربة فيما عرف بمعركة قوز دنقو مع قوات الدعم السريع في عام 2015، حيث قُتل المئات من مقاتلي الحركة وأسر أكثر من 500. وعندما اندلع الحراك الثوري ضد البشير، لم يكن إبراهيم من المتحمسين في البداية للحراك، لكنه سرعان ما تبناه بانضمامه إلى تحالف “الحرية والتغيير”، تحت كتلة “نداء السودان”، إحدى الكتل التي تشكل التحالف الحاكم الآن. وبعد سقوط النظام، وقعت خلافات بين الحركات المتمردة و”الحرية والتغيير” تم تجاوزه بعد أشهر بتوقيع 5 من الحركات المتمردة الرئيسة على اتفاق سلام مع الحكومة العام الماضي، وبموجبه شارك إبراهيم في الحكومة بحصوله على منصب وزير المالية والتخطيط الاقتصادي. وحصلت حركته على وزارة أخرى وهي الرعاية والضمان الاجتماعي، وتم تعيين عدد من قياداتها في مناصب عليا مثل مشروع ثمرات وديوان الضرائب وغيرها.


لكن على المستوى السياسي وخلال الأشهر الأخيرة، قاد إبراهيم مع ميني أركو ميناوي تمرداً سياسياً داخل تحالف “الحرية والتغيير”، واتهم أربعة أحزاب، هي “الأمة القومي” و”المؤتمر السوداني” و”التجمع الاتحادي” و”البعث” باختطاف القرار السياسي والتنفيذي. وشكّل مع آخرين تحالفاً حمل الاسم نفسه “الحرية والتغيير”، مدّعين أنهم “الأصل والأساس”. وطلبوا من رئيس الوزراء عبدالله حمدوك حل الحكومة وتشكيل أخرى، وذلك بدعم من المكون العسكري، خصم الأمس، صديق اليوم. ومع فشلهم في تحقيق الهدف، لجأوا إلى وسائل ضغط أخرى، منها الاعتصام أمام القصر الرئاسي تحت سمع وبصر العسكر، ولا يزال اعتصامهم مستمراً منذ تسعة أيام، من دون أن يحقق نتائجه. ويرجّح كثيرون أن إبراهيم يهدف من كل ذلك للوصول إلى منصب رئيس الوزراء بعد إبعاد حمدوك، طامحاً إلى نيل دعم مجموعة الأحزاب الحالية والاعتماد على أنصار النظام السابق لا سيما الأحزاب الإسلامية، التي غازلها حتى بات عناصر النظام السابق يرونه كمخلص من الضربات الموجعة التي وجهت لهم، خصوصاً من لجنة “تفكيك نظام الثلاثين من يونيو”، وهي اللجنة المنوط بها تصفية هيمنة منسوبي النظام السابق على المؤسسات الحكومية. ويعارض جبريل إبراهيم عمل اللجنة على الرغم من أن وزارته تؤول إليها كافة الممتلكات والأموال المصادرة، وذلك رغبة منه في استقطاب العناصر المتضررة.


اعتاد ميناوي تبديل تحالفاته بكثرة وقيادته مجموعات متمردة

 


لا تختلف سيرة وتاريخ ميني أركو ميناوي عن تاريخ جبريل إبراهيم، حتى في مكان الميلاد، شمالي دارفور والانتماء لقبيلة واحدة. لكن ميناوي يختلف عن إبراهيم في الدرب السياسي والتأهيل الأكاديمي، كما أنه يمتاز بطبع خلافي ويستخدم تكتيكات الانشقاق باستمرار في تحالفاته السياسية. فميناوي كان الأمين العام لأول حركة متمردة في دارفور، وهي حركة “تحرير السودان” في عام 2002، غير أنه سرعان ما انقلب على رئيس الحركة عبد الواحد محمد النور وأطاحه من الرئاسة التي شغلها في مؤتمر حسكنيتة الشهير، ما أدى إلى انقسام الحركة لجسمين في عام 2004. في عام 2006، دخل ميناوي والنور سوياً المفاوضات في أبوجا النيجيرية، فوقّع ميناوي اتفاقاً مع نظام البشير رفضه النور، وبموجب ذلك الاتفاق عاد ميناوي إلى الخرطوم ليشغل منصب كبير مساعدي البشير، وحصل رفاقه على مناصب وزارية ومقاعد في البرلمان، قبل أن يختفي في عام 2008 ويعود للتمرد في عام 2010. بعد ذلك دخلت حركته جملة من التحالفات ليخرج منها بأسرع وقت، آخرها تحالف “الجبهة الثورية” التي ضمت عدداً من الحركات السياسية والمسلحة، وانقسم منها أثناء المفاوضات مع الحكومة الانتقالية الحالية.


وبموجب الاتفاق حصل ميناوي على منصب حاكم إقليم دارفور الذي يضم خمس ولايات، وحصلت حركته على حقيبة وزارة المعادن في حكومة حمدوك. وبعد تنصيبه في المنصب في أغسطس/آب الماضي، عاد إلى الخرطوم لإدارة المعركة الحالية مع “الحرية والتغيير” والبحث عن حكومة جديدة. وإذا استطاع كثيرون تفسير ما يريده جبريل إبراهيم، فقد استعصى على الجميع فهم ما يخطط له ميني أركو ميناوي وما يريده ويرغب به، غير إدمان الانشقاقات والخلافات. وخلال اليومين الماضيين، منيت رغبات إبراهيم وميناوي، بهزائم متلاحقة، أبرزها خروج مئات الآلاف في مواكب 21 أكتوبر الحالي، دعماً للتحول الديمقراطي ورفضاً لتغول المكون العسكري في الشؤون السياسية داخل “الحرية والتغيير”، ورفض حل الحكومة بقرارات فوقية وبطريقة غير دستورية. كما اصطفت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي خلف المدنيين ورئيس الوزراء، في وقت تتقلص فيه أعداد المشاركين في اعتصام محيط القصر الرئاسي. كما يتأكد تراجع المكون العسكري عن توجهاته للانقلاب على الحكومة المدنية، بالتالي لم يعد أمام إبراهيم وميناوي سوى التراجع للوراء.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً