جدل حول مطالبة القضاء الليبي "الجنائية" بوقف التحقيق في جرائم الحرب


أثارت مطالبة المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا، للمجلس الرئاسي بمخاطبة محكمة الجنايات الدولية بعدم تدخلها في التحقيق في الانتهاكات المرتكبة في البلاد، جدلاً واسعاً بشأن أهدافها وتوقيتها.

وبحسب المراسلة المسرَّبة، أخيراً، والموجهة من رئيس المجلس الأعلى للقضاء محمد الحافي، إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، فإن الدولة الليبية سبق أن كلفت مندوبها لدى محكمة الجنايات الدولية متابعة مطالبتها في عدم ولاية المحكمة على الجرائم المرتكبة في ليبيا، لكون التحقيق فيها اختصاصاً أصيلاً للقضاء الليبي، وكون ليبيا لم تنظم لاتفاقية روما المنشأة لمحكمة الجنائية الدولية.

ورغم إقرار الحافي بأن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق طالب المحكمة الدولية بالتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي الليبية، إلا أنه اعتبر أن هذا الإجراء فرضته “ظروف استثنائية ومؤقتة”، دون أن يبينها.




وعليه، طالب الحافي من المنفي مخاطبة محكمة الجنايات الدولية لتأكيد “المعطيات والثوابت التي نتمسك بها، باعتبارها جزءاً من السيادة الوطنية الليبية”، وتكليف مندوب ليبيا لدى المحكمة “تأكيد الاختصاص المانع للقضاء الوطني للمحاكمة عن كل الجرائم المرتكبة فوق التراب الليبي”. 

وعلى الفور، توالت ردود أفعال غاضبة من مضمون المراسلة، التي سربتها وسائل إعلام ليبية، وتأكد “العربي الجديد” من صحتها، فقد عبّرت رابطة ضحايا مدينة ترهونة، أمس السبت، عن استغرابها من مطالبة المجلس الأعلى للقضاء في الوقت الذي تعيش فيه السلطة القضائية “عجزاً بكل معنى الكلمة عن محاكمة مرتكبي المقابر الجماعية والجرائم الجسمية التي حدثت في ترهونة”. 



وأكدت الرابطة أن السلطة القضائية “لم تتخذ أي خطوة تدل على جديتها في هذا الملف رغم معرفة مرتكبيها اسماً وتفصيلاً ووجودهم داخل البلاد”، مطالبة المجلس الأعلى للقضاء بإثبات قدرته على محاكمة مرتكبي المقابر الجماعية قبل المطالبة بكفّ يدي محكمة الجنايات الدولية.

بدورها، استنكرت جمعية أسر شهداء عملية “بركان الغضب” الخطوة، وطالبت المجلس الرئاسي بـ”عدم الالتفات إلى مثل هذه المطالب التي قد ينجم عنها إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب”، مشيرة إلى أنه الأولى بالمجلس الأعلى للقضاء حثّ النيابة العامة على تحريك الدعاوى ضد مرتبكي جرائم الحرب. 



وفيما لم يصدر عن مجلس القضاء ولا المجلس الرئاسي أي تعليق، قال الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي، إن “القضاء الليبي يطالب بمنع المحكمة الجنائية الدولية من ملاحقة مسؤولي جرائم الحرب في ليبيا ويقول إنه قادر على ذلك والواقع يؤكد عجزه”. وضرب أمثلة على اختفاء عضو مجلس النواب سهام سرقيوة وجرائم شارع الزيت في بنغازي.

وتساءل السويحلي، خلال تدوينة على “فيسبوك”، قائلاً: “هل القضاء الذي يختارون قياداته في طبرق، تكون ولايته غرب البلاد فقط؟”. 



أما عضو مجلس النواب، ربيعة أبو راس، فقد وصفت مطالبة مجلس القضاء بـ”الطلب الغريب”، معتبرة أنه طلب يكرس مبدأ الإفلات من العقاب والتشجيع على ارتكاب الجرائم بحق المدنيين.

واعتبرت أبو راس أن هذا الطلب يأتي في وقت تعيش فيه المؤسسات الأمنية والعدلية “نزاع الشرعية على ممارسة دورها وتفعيل أدواتها، حيث لا يوجد سلطة للقانون الليبي ولا للمؤسسات الأمنية والعدلية على أرض الواقع”.

ورأت أن مجلس القضاء لم يبادر بـ”مشروع لإصلاح المنظومة الجنائية وأدواتها في تحقيق العدل وإنفاذ القانون ومكافحة انتهاكات حقوق الإنسان”. 

وفي الشأن، حذّر عقيبة، الحقوقي الليبي، من التباسات السياسة بالدور القضائي الليبي، مشيراً إلى أن مراسلة رئيس مجلس القضاء تتضمن العديد من التناقضات والعبارات التي لا تحمل تفسيراً واضحاً.

وقال عقيبة، لـ”العربي الجديد”، إن “إقرار الحافي بأن حكومة الوفاق السابقة طالبت المحكمة الدولية بالتحقيق في جرائم حرب ارتكبت في ليبيا وتعليله لها بأنها جاءت في ظروف مؤقتة يشير بوضوح إلى خلفية سياسية تقف وراء هذا الطلب، وهو يعني بكل تأكيد حرب خليفة حفتر وجرائمه في طرابلس، لأن طلب الحكومة السابقة من المحكمة كان في ذلك التوقيت”.

 واستطرد قائلاً: “حتى وإن وافقنا الحافي على ذلك، فماذا عن جرائم الجنوب وفي بنغازي التي شارك في ارتكابها طيران أجنبي ومرتزقة”.

ولفت إلى أن “محكمة الجنايات لم تمانع مقاضاة مجرمي الحرب والمتهمين إذا خضعوا للمحاكم الليبية، لكن من يمتنع منهم عن تسليم نفسه أمام عجز القضاء المحلي عن القبض عليه، فلا بد للقضاء الدولي من تدخله مدعوماً بقرارات من مجلس الأمن”، محذراً من أن تكون مراسلة الحافي في هذا التوقيت لها خلفيات سياسية.

وهو ما يتفق فيه أيضاً الناشط السياسي الليبي من بنغازي، عقيلة الأطرش، موضحاً أن الظروف الحالية المتعلقة بالانتخابات تمنع المطلوبين دولياً من الانخراط فيها، كحالة سيف الإسلام، نجل القذافي.




ورجح عقيلة الأطرش، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “يكون موقف الحافي على علاقة بالمطالب العدلية بشأن ضرورة خضوع حفتر للقضاء الأميركي للإدلاء بشهادته بشأن التهم المنسوبة إليه”.

ولفت الناشط السياسي إلى أن مجلس حقوق الإنسان الأممي ومحكمة الجنايات الدولية سبق أن أرسلا لجان تقصٍّ عن الحقائق بشأن الجرائم في ليبيا.

وتساءل: “لماذا لم يعترض الحافي وقتها؟”، معتبراً أن “توقيت مراسلته الحالية مريب، وقد يكون على علاقة بمستجدات الظرف السياسي الذي تمرّ به ليبيا”. 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً