جمال عيد: القمع سبب إغلاق الشبكة العربية لحقوق الإنسان بمصر

“لن نتحول إلى مؤسسة متواطئة”، قالها الحقوقي جمال عيد من القاهرة، معلناً قبل أيام توقف نشاط الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، التي يديرها، عن العمل في مصر، بسبب “الاضطهاد والتضييق الأمني” على المؤسسة والعاملين بها، على حد قوله.


في المقابل، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقول في منتجع شرم الشيخ شرقي البلاد “هتعرفوا مصلحة بلدنا أكثر منا؟”، رداً على سؤال لمراسل صحافي حول الأوضاع الحقوقية التي أدت إلى قرار إغلاق المؤسسة. 


في الحوار التالي، يتحدث مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد، لـ”العربي الجديد”، عما دفع به إلى قرار الإغلاق، وما تأثير هجرة وإغلاق المؤسسات الحقوقية في مصر على مزيد من تدهور الأوضاع الحقوقية، ومتى يمكنها استئناف النشاط؟ 


  • ما أسباب إغلاق المؤسسة الآن، على الرغم من أنه لا جديد في ليل الحريات في مصر؟ 


الشبكة العربية توقفت نظراً لتزايد وتيرة القمع عموماً بشكل غير مسبوق، بما لم يوفّر المؤسسات والمدافعين المستقلين عن حقوق الإنسان. ولقد لحق بنا بشكل خاص أذى مضاعفاً، تمثل في تهديد العاملين ومحاولة إجبار بعضهم على الاختيار بين خيارين لا ثالث لهما: إما العمل مخبرين ضد الشبكة أو القبض عليهم. 


جمال عيد: أولى خطوات إصلاح منظومة العدالة رحيل النائب العام واعتذاره عن إهدار حقوق المصريين


كل ذلك يجري في ظل تصاعد الاستهانة بسيادة القانون وكأنه غير موجود، وتنامي انتهاكات حقوق الإنسان، مع تزايد الملاحقات البوليسية، سواء المغلفة بغطاء قانوني أو قضائي، أو ملاحقات مباشرة. 




  • هل سعيتم للتسجيل تحت مظلة قانونية رسمية لتوفيق الأوضاع كما تريد السلطة؟  


على الرغم من انعدام قناعتنا بعدالة قانون الجمعيات الجديد، فقد شرعنا في إجراءات التسجيل تحت مظلته، لنصطدم بعقبات يستحيل معها التسجيل، لجملة من الأسباب. من بين هذه الأسباب، استمرار اتهامنا في القضية رقم 173 منذ 11 عاماً، وهي القضية المسماة بالتمويل الأجنبي لمنظمات العمل المدني. ويمنعنا ذلك من التسجيل أو التعامل مع الجهات الرسمية، فضلاً عن الإصرار على منعنا من العمل على ملفات هي من صلب العمل الحقوقي.


  • كيف جرى إبلاغكم بالمنع من العمل على هذه الملفات؟ 


وصلتنا رسالة غير رسمية بضرورة تغيير اسم الشبكة العربية، وحظر العمل على حرية التعبير وأوضاع السجون، على الرغم من أنهما ضمن النشاط الأساسي للشبكة العربية منذ نشأتها. فكيف بعد هذا التاريخ الحقوقي الطويل الذي نفخر به، يمكن أن نتحول إلى مؤسسة تعمل على المواضيع غير المهمة؟ نحن بذلك نكون قد تحولنا إلى مؤسسة متواطئة لتلميع القمع، كما تفعل مؤسسات محسوبة على العمل الحقوقي، لكنها في حقيقة الأمر، تشارك في الانتهاكات والتشهير بالمؤسسات الحقوقية المستقلة، على قلّتها. 


  • كل هذه الانتهاكات ليست جديدة، وتكيفتم معها طوال عصري حسني مبارك وعبد الفتاح السيسي، فهل انسدت أمامكم اليوم كل السبل للاستمرار؟ 


مع بالغ الأسف، كان اتخاذ قرار التوقف قاسياً علينا في المقام الأول. وفي الواقع، وعلى الرغم من اليأس المطبق، بذلنا شتى المحاولات الحثيثة للاستمرار ضد كل الظروف المؤلمة التي نقاسيها ضمن جموع المصريين، وانعدام الاستقرار السياسي الذي وظفته الحكومة للتضييق على المؤسسات الحقوقية المستقلة، وفي النهاية لم يكن هناك مفر من الاستسلام. 




  • هذا السعي الحكومي للتغييب القسري للمؤسسات الحقوقية أو دفعها للغياب، إلى أي حال يمكن أن يؤدي في الملف الحقوقي؟ 


بطبيعة الحال، سيكون الحال هو حال كل مجتمع يتم حرمانه من مؤسسات تدافع عنه، ما يغلق أبواب الرجاء والنجاة أمام الناس من أجل سلوك سبل الإصلاح السلمي. وللأسف سنشهد مزيداً من القمع مع تزايد التوقعات بغضب شعبي هائل.


  • هل يعني هذا القرار تجميد كل نشاط لكم في العمل الحقوقي؟ 


سنبقى محامين حقوقيين، أفراداً مستقلين أصحاب ضمير، مدافعين عن الحقوق والحريات، وسنعمل مع من تبقى من مؤسسات حقوقية مستقلة، ومع كل حركة مطالبة بالديمقراطية، وكذا مع المدافعين المستقلين عن حقوق الانسان، على الرغم من هذه الظروف. ولكل من لا يزال يعمل، كل التقدير والفخر، ونأمل أن ينجحوا في ما عجزت الشبكة العربية عنه من القدرة على الاستمرار والبقاء، للدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير وبناء مصر الخالية من سجناء الرأي والقهر والإفلات من العقاب. 


  • ما المتغير الذي يمكن أن يقع ويدفعكم لاتخاذ قرار استئناف النشاط؟ 


يمكننا ويسعدنا استئناف العمل، إذا أظهرت الدولة مؤشرات احترام فعلي لسيادة القانون، وكفّت سلطة النيابة عن المشاركة في القمع، وتوقفت عن التعامل مع المجتمع المدني على أنه أداة ينبغي أن تنشط في تلميع صورة النظام.


  • كيف يمكن برأيك أن يعتدل مسار منظومة العدالة؟ 


للأسف، تردي منظومة العدالة هو الأخطر والأسوأ على الإطلاق، لأن هذه المنظومة تحديداً بحاجة إلى سنوات لإصلاحها مما أعطبها. وأولى خطوات إصلاحها رحيل النائب العام (حمادة الصاوي) عن منصبه بعد أن يقدم اعتذاره عن إهدار حقوق المصريين وتوظيف القانون بشكل متعسف لدعم النظام، وأن تجري مراجعة للقوانين التي تتيح السيطرة على القضاء بشكل شبه كامل. وكلنا أمل وثقة في أن هذه الفترة القائمة القاتمة، المليئة بالانتهاكات وتغييب القانون، لا محالة إلى زوال.


  • ألم يكن بالإمكان العمل الحقوقي من الخارج كما فعلت مؤسسات حقوقية أخرى؟ 


مع احترامنا لكل صوت ومؤسسة في الخارج، فليس ضمن خططنا العمل من الخارج أبداً.


عيد: سنشهد مزيداً من القمع مع تزايد التوقعات بغضب شعبي هائل


  • هل لا تزال للضغوط الأممية أهمية في الملف الحقوقي في سبيل تحسينه؟ 


للأسف، الأجهزة الأمنية هي التي تسيطر الآن على الوضع العام ومن ضمنه الوضع الحقوقي، وبشكل هائل.


  • هناك تجارب لأشخاص يسعون لتخفيف الوطأة عن السياسيين وأصحاب الرأي، ونجحت جزئياً في مساعيها، مثل تجربة عضو مجلس حقوق الإنسان محمد أنور السادات، كيف تقيّم مثل هذه التجارب؟ 


أدعم جهوده، وأعلم حسن نواياه، لكنني أخشى عليه من الانسياق لتلميع صورة النظام المستبد بدلاً من تحسين حالة حقوق الإنسان فعلياً. 


هوامش: 

•    بدأت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان نشاطها الحقوقي في مصر عام 2004، على يد الصحافي والمحامي جمال عيد، الذي تمكن من توظيف مهاراته في التعامل مع التكنولوجيا الناشئة وقتها، في الدمج بين النشاطين الصحافي والحقوقي في آن واحد بتأسيس شبكة تجمع وتنشر كل المعلومات المتعلقة بحقوق الإنسان في مصر والعالم العربي. 


•    أنشأ جمال عيد بقيمة جائزة المدافع عن الكرامة الانسانية التي حصل عليها في عام 2011، سلسلة مكتبات الكرامة، التي جرى إغلاقها بحملة شرطية في ديسمبر/كانون الأول 2016 دونما أمر قضائي أو سند قانوني، وفق بيان للشبكة. 


•    قام فريق الشبكة منذ تأسيسها بإعداد مبادرات عديدة لإصلاح جهاز الشرطة وأجهزة الإعلام ودعم المدونين والصحافيين عبر إصدار مدونات “كاتب” وجريدة “وصلة”، وكذلك موقع “كاتب” الذي تم حجبه بعد 9 ساعات من انطلاقه. 


•    بحسب بيانات الشبكة ومنظمات حقوقية أخرى، تعرض رئيس الشبكة وفريقه لجرعة مضاعفة من المضايقات والملاحقات والتهديدات التي طاولت كل المؤسسات الحقوقية المستقلة، وجرى القبض على أعضاء من فريق العمل وسرقة متعلقاتهم من الملفات، أو تعرضهم لاعتداءات بدنية عنيفة، كان أشهرها الاعتداء على جمال عيد بإلقاء مواد طلاء على وجهه وجسده (2019). 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً