حاتم علي… رحل المخرج ولم يهدأ الجدل السياسي

لا تزال وفاة المخرج والممثل السوري الشهير حاتم علي، تثير جدلاً بين الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي داخل سورية وخارجها. ورغم أنّ أغلب السوريين على اختلاف توجهاتهم السياسية عبّروا عن حزنهم على رحيل “أب الدراما السورية الحديثة“، إلا أن نقاشاً آخر وجد طريقه إلى العلن: الموقف السياسي لحاتم علي. مناسبة هذا الحديث في الأيام القليلة الماضية كانت تقديم رئيس النظام السوري بشار الأسد العزاء لعائلة الفنان اللبناني الراحل إلياس الرحباني الذي توفي الأسبوع الماضي بعد إصابته بفيروس كورونا. الأسد نفسه الذي تجاهل، هو وكل أركان ومؤسسات نظامه الفنية والثقافية والإعلامية، رحيل حاتم علي، حتى بعد تشييعه الشعبي في دمشق. هذا التجاهل فسّره كثيرون على أنّه غضب من مخرج “الفصول الأربعة”، بسبب عدم تأييده العلني للأسد عندما بدأت الثورة، ثمّ مغادرته الأراضي السورية نهائياً عام 2012، إذ لم يعد إلى الشام إلا جثة بعد وفاته في القاهرة نهاية العام الماضي، وهو ما اعتبره سوريون كثر اعتراضاً على النظام وممارساته، تحديداً بعد شنه حرباً دموية على شعبه بعد أشهر قليلة من انطلاق الثورة.


رأي آخر قاده هذه المرة عدد قليل ممن يعتبرون أنفسهم معارضين للنظام، بينهم صاحب شبكة “أورينت” غسان عبود الذي كتب تدوينة طائفية على حسابه على “فيسبوك” بعد وفاة حاتم بيوم واحد. إذ كتب بداية “في موت المخرج حاتم علي: صمته على الجريمة التي ارتكِبت بحق الأكثرية السورية وقتل نحو مليوني شخص منها، وتدمير نحو 90 في المائة من حواضرها يحسب له، لم نكن نريد منه كعلوي أكثر من هذا الموقف، فالإنسان موقف، ولم نكن ولا نريد من العلويين أكثر من موقف صامت على الأقل”. ثم أضاف: “لكن صديقي الكاتب والإعلامي محمد منصور صَلَّح لي المعلومة قبل نشرها، وأكد أن حاتم علي سُني من الجولان، وكنت أظنه علويا. تأملت: لو كان حاتم صاحب موقف إنساني رافض للجريمة الكبرى في التاريخ الحديث، كانت نسبة لا بأس بها ستنعيه سلباً، هي نسبة السوريين المشاركين في الجريمة. أما شخص بلا موقف ويحصد كماً من الثناء على إنسانيته ومن الأكثرية المتضررة فلا تُفسر الظاهرة إلا على أنها نفاق مهزوم مأزوم. إنسان صمت على جريمة إبادة جماعية مليونية ساقط إنسانياً. وموت الإنسان لا يلغي تقييمه الحقيقي”.


مغادرة حاتم علي سورية إشارةٌ لعدم قبوله بانتهاكات النظام 


تدوينة عبود أعادت طرح علامات استفهام حول موقف علي الحقيقي وأثارت ضدّه حملة عنيفة من سوريين معارضين خارج سورية. ليجمع قسم كبير من هؤلاء على أن مغادرة علي سورية، وعدم عودته إليها، كما شطبه من لوائح نقابة الفنانين، ثمّ تجاهل النظام لوفاته بشكل تام، دليل على موقفه الرافض لسياسة النظام منذ عام 2011، وإلا كان بقي في دمشق، حاله كحال عشرات المخرجين الذين وقفوا إلى جانب الأسد في مذبحته المفتوحة. 




وما ساهم في ترسيخ وجهة النظر هذه، هو نعي النظام للرحباني برسالة مؤثرة من بشار الأسد، رغم أنه رحل فقط بعد أيام قليلة من رحيل علي جاء فيها: “عائلة الفقيد إلياس الرحباني وعموم آل الرحباني الكرام في بيروت لقد أحزننا وآلمنا خبر رحيل المبدع إلياس الرحباني، أتقدم إليكم باسمي وباسم عائلتي وجميع الشعب السوري بأحر التعازي القلبية وصادق المواساة بهذا الفقد الجلل، سائلاً الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته وأن يلهمكم وجميع محبي الراحل العظيم الصبر والسلوان”.  مضيفاً: “لقد امتلك الفقيد، وأخواه الراحلان عاصي ومنصور، مشروعاً ثقافياً مميزاً قدموا من خلاله أعمالاً رائدة ستبقى خالدة في الذاكرة والوجدان العربي والعالمي. وأغنوا الموسيقى العربية بإبداعات شكلت إضافة نوعية في تاريخ الموسيقى والألحان. ولا شك أن هذا الإرث العظيم سيبقى مصدر إلهام وثروة تنهل منها الأجيال. بأمثال الراحل الكبير تكبر قيمة الأوطان. لروحه الرحمة ولجميع أفراد العائلة أحرّ التعازي”.  


في هذا الإطار قال الصحافي السوري، علي عيد، الرئيس السابق لـ “رابطة الصحافيين السوريين” على صفحته: “وسائل إعلامه امتنعت حتى عن تغطية تشييع ابن البلد حاتم علي، فيما تدفعه الحكّة الإنسانية الوطنية التي (تنقح عليه) للتعزية رسمياً بإلياس الرحباني. حتى في الموت لا يحترم الأسد ألم السوريين.. رحم الله حاتم علي والرحباني”. أما الصحافي إياد شربجي تحدث في منشور مطول عن موقف المخرج علي حيال النظام، وقائلاً: “في شباط 2011 اتصلت به أدعوه لمظاهرة أمام السفارة الليبية، فجاء برفقة زوجته الإنسانة الرائعة أيضاً الكاتبة دلع الرحبي، وحملوا الشموع وغنينا معاً النشيد السوري، كانت الثورة السورية على شفير الانفجار وقتها. قامت الثورة، وبدأت المظاهرات، وكنت أحرص على دعوة بعض المشاهير لفعاليات الثورة لنواجه رواية النظام بأن من يخرج في المظاهرات طائفيون وجهلة وعاطلون عن العمل وغرباء. اتصلت بحاتم أدعوه لإحدى المظاهرات، لكنه لم يكن متحمساً هذه المرة، ودعاني إلى منزله في مشروع دمر، ذهبت إليه، كان ودوداً كالعادة، لكنه كان محبطاً على عكس ما توقعت. سألته ما القصة، كنت أتوقع منك أن تكون بقمة سعادتك وأنت ترى المظاهرات، ولطالما تحدثنا عن الأمر؟ فقال: تتذكر شو عملوا وقت المظاهرة قدام السفارة الليبية؟ قلت له: بتذكر، لاحقونا وضربوا البعض. فرد: إياد ما حيخلوها تكمل، هاد النظام وحش وما بيقدر يعيش بدون دم، أنا بعرفهن من جوّا، يستحيل يسمح بالتغيير”. 





وأضاف شربجي: “في ذلك الوقت كان حاتم يتعرض لضغوط كبيرة ليظهر على الإعلام السوري ويشتم الثورة، فظننت أن موقفه ناجم عن هذه الضغوط. لكنني كنت متحمساً جداً حينها وواثقا من انتصار الثورة، فقلت له: مو عكيفو يقبل وما يقبل، الثورة حتدعسو بطريقها، فرد: ارتباطات النظام السوري مو متل غيرو بالمنطقة، ولا أحد سيساعد على إسقاطه، وفعلا هذا ما حصل بعد ذلك. لاحقاً خرجت أنا من سورية، وتنقّل حاتم بين مصر ودبي إلى أنْ تقطعت به السبل، فهاجر إلى كندا لأجل ضمان مستقبل أولاده في مكان آمن، وكان في قمة الإحباط أنه اضطر ليهاجر إلى مكان بعيد عن روحه وأحلامه”. 


تُعد تعزية النظام بالملحن اللبناني إلياس الرحباني وتجاهل التعزية بحاتم علي رغم كونه سورياً، رداً حاسماً من قبل النظام حول علاقته بالمخرج. غير أن النظام لم يستطع منع جثمان علي من العودة ليدفن في دمشق، كي لا يكون بذلك محط مزيد من السخط في الأوساط الشعبية داخل حدود سيطرته، لا سيما في دمشق، في ظل تردي الوضع المعيشي والاقتصادي، وكذلك في الأوساط الفنية، خوفًا من خسارة الفنانين الذين لا يزالون يحافظون على موقف محايد.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً