حجب حسابات ترامب: أسئلة عن الحرية والسلطة ونفوذ سيليكون فالي

قد يبدو طرح علامات استفهام حول وقف حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي حالياً، فعل تعاطف مبطّن مع واحد من أكثر الرؤساء الشعبويين الذين عرفهم العالم في العقود الأخيرة. فالدعوات لوقف حساباته خصوصاً على “تويتر” تتكرّر منذ أكثر من سنتين، ووصلت إلى ذروتها مع تظاهرات الأميركيين السود بعد قتل الشرطة لجورج فلويد في مايو/أيار الماضي، ثمّ خلال الأسابيع التي تلت الانتخابات الرئاسية الأخيرة وصولاً إلى الأيام الأولى بعد إعلان فوز جو بايدن. 

لكن لا تهليل الملايين لخطوة سيليكون فالي المتأخرة، ولا السنوات الأربع السوداء التي حكم فيها ترامب أقوى دولة في العالم، ولا حتى إجراءات عزله قبل أيام قليلة من انتهاء ولايته، ستحجب عشرات الأسئلة التي عادت فجأة لتطفو على السطح: من يتحكّم بما يمكن قوله وما لا يمكن قوله في الفضاء الافتراضي؟ على أي أساس تتعامل إدارات مواقع التواصل مع المحتوى على صفحاتها؟ من الذي يحكم ويشكّل الخطاب العام؟ 

بعد مجزرة ليلة الجمعة التي أسفرت عن إقفال حسابات دونالد ترامب وتلك المتربطة به على “فيسبوك”، و”تويتش”، و”بنترست”، و”ريديت”، و”سناب تشات”، و”تويتر”، و”غوغل”… أصدرت إدارات هذه المواقع بيانات تؤكد فيها أن ترامب خالف قواعد استخدامها، وأنها تتخوّف من أن تؤدي تغريداته وتدويناته إلى المزيد من أعمال العنف في واشنطن، بعد “غزوة الكابيتول” الأسبوع الماضي. بدت البيانات المتشابهة مخرجاً مناسباً ينهي أي نقاش محتمل حول صلاحيات هذه الشركات في تحديد المحتوى المنشور على صفحاتها.

لكن ذلك لم يحصل. البداية كانت مع إدوارد سنودن الذي غرّد بعد قرار “فيسبوك” الأول بالتجميد المؤقت لحساب ترامب الخميس: “فيسبوك يسكت رئيس الولايات المتحدة رسميًا. سنتذكر هذا الحدث بصفته تحولاً في معركة السيطرة على الخطاب الرقمي”.


واجه أشهر مسرّب في التاريخ الحديث، حملة هجوم ضدّه من المنتشين بقرار فيسبوك، معتبرين كلامه دفاعاً عن الرئيس الأميركي. لم يردّ سنودن. اكتفى بالتعبير عن تفهمه للمهللين لكنه أضاف: “لنتخيل فقط، أن العالم سيستمرّ بعد الأيام الـ13 المتبقية من رئاسة ترامب، وأن يصبح هذا التصرف (من فيسبوك) قاعدة مستمرة”.



لم تكتف سيليكون فالي بالوقف المؤقت للحسابات، فتعاضدت في استعراض قوة مبهر يوم الجمعة معلنة التجميد التام لحسابات ترامب، أقلّه حتى انتهاء ولايته في 20 من الشهر الحالي. وانتهى. لم تعطِ تبريرات كثيرة، مصوّرة نفسها بمظهر البطل المحافظ على الديمقراطية الأميركية التي يهددها ترامب وأنصاره. وهو اتهام محقّ في كل الأحوال، وما اقتحام مبنى الكونغرس سوى عيّنة واحدة، قابلة للتكرار من قبل الجمهور الأبيض المتطرف، بكل عنصريته، وعنفه، وكراهيته. 

لكن بالفعل، العالم سيستمرّ بعد انتهاء ولاية ترامب. لذا لندخل قليلاً في الظروف التي سبقت حجب ترامب نهائياً عن مواقع التواصل. في الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، ازدادت الضغوط على موقع “تويتر” تحديداً لوقف حساب الرئيس، بصفته المصدر الأساسي لبث الأخبار الكاذبة حول العملية الانتخابية برمتها. رفضت إدارة موقع التغريد الشهير ذلك، على اعتبار أن ترامب يغرّد بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، وأن ما يكتبه جزء من المادة الإخبارية في البلاد، إلى جانب تمسكها بحق الناخبين الأميركيين بالوصول إلى وجهتَي نظر المرشحَين للرئاسة.


ازدادت الضغوط على موقع “تويتر” تحديداً لوقف حساب الرئيس، بصفته المصدر الأساسي لبث الأخبار الكاذبة حول العملية الانتخابية برمتها


بعد صدور النتائج الأولية، وتأكيد خسارة ترامب أمام بايدن، خطا تويتر خطواته المترددة الأولى، بوضع تنبيهات على تغريدات الرئيس الخاسر. ثمّ جاء اقتحام مبنى الكونغرس، ليصدر أكثر من 300 موظف في تويتر بياناً يطالبون فيه جاك دورسي ورفاقه في إدارة الموقع بتعليق الحساب نهائياً. تزامن ذلك مع ارتفاع أصوات لشخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي، تردد نفس المطلب، أبرزها ميشال أوباما.

حصل ذلك بالفعل. نجح موقعا “تويتر”، و”فيسبوك” في ما فشلت فيه المؤسسات الأميركية السياسية والفنية والمالية والإعلامية، خلال أربع سنوات: أسكتا دونالد ترامب. أخذا منه أغلى ما يملك، عالمه الحرّ الذي شهد على ولادة أسطورة أشهر مغرّد في العالم. في هذا العالم كشف ترامب عن قرارات سياسية وأمنية مصيرية، في هذا العالم أعلن عن تعيين موظفين وطرد آخرين، في هذا العالم هدّد بخوض حروب، وكشف عن امتلاكه لزر نووي أكبر من ذاك الذي تملكه كوريا الشمالية، وهنا أيضاً روّج للأخبار الكاذبة عن فيروس كورونا، وعن الحزب الديمقراطي، وأعلن عن تطبيع دول عربية مع الاحتلال الإسرائيلي…

لماذا إذاً هذا التوقيت تحديداً لوقف تدفّق التغريدات الكاذبة والمحرضة المستمرة منذ 4 سنوات على حساب دونالد ترامب؟ العامل البديهي الأول، هو خسارة الرئيس الأميركي للانتخابات، وقرب موعد مغادرته البيت الأبيض، وبالتالي تلاشي سلطته الفعلية. العامل الثاني قد يكون محاباة الديمقراطيين الذي سيسيطرون خلال أيام قليلة على البيت الأبيض والكونغرس، في ظل دعاوى قضائية عدة، رفعتها لجنة التجارة الفيدرالية خلال عهد ترامب ضد هذه الشركات بتهم الاحتكار، وإرساء ممارسات مانعة للمنافسة في صناعة التكنولوجيا، واتجاه إدارة جو بايدن إلى متابعتها خلال السنوات الأربع المقبلة. إذ عيّن الرئيس المنتخب الأسبوع الماضي المحامية فانيتا غوبتا لتكون المسؤولة الثالثة في وزارة العدل. وغوبتا واحدة من أبرز منتقدات طريقة إدارة مواقع التواصل خصوصاً “فيسبوك”، وستكون رأس حربة في صياغة وطرح القوانين التي تمنع توسّع شركات التكنولوجيا العملاقة، واحتكارها للسوق والخطاب العام في الولايات المتحدة. وتماشياً مع هذا التوجه، نقلت “واشنطن بوست” قبل أيام مناقشة الديمقراطيين إمكانية معاقبة شركات التواصل الاجتماعي عن دورها في العنف وحصار الكونغرس الأميركي. 


عيّن الرئيس المنتخب الأسبوع الماضي المحامية فانيتا غوبتا لتكون المسؤولة الثالثة في وزارة العدل. وغوبتا واحدة من أبرز منتقدات طريقة إدارة مواقع التواصل خصوصاً “فيسبوك”


لكن لسيليكون فالي وأباطرتها روايتهم الخاصة، فالردّ الأسهل على كل الانتقادات الموجهة لها من السماح بتنامي الخطاب المشجع على العنف وصولاً إلى إقفال حساب ترامب، هو أن هذه الشركات، هي شركات خاصة لا مؤسسات حكومية، وبالتالي فإنّ تعاملها مع أي محتوى ينبع من هذا الواقع. وهذه حقيقة فعلية. لكن أركان هذه الحقيقة تهتزّ إذ ما قمنا بجولة سريعة على الحسابات الرسمية على “فيسبوك” و”تويتر” التي بتث وتحرّض على العنف ضدّ فئات مهمشة ومستضعفة حول العالم: من خطاب المسؤولين الإسرائيليين المحرّض على قتل الفلسطينيين، إلى خطاب رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي واستنهاضه للخطاب القومي ضدّ المسلمين في الهند، إلى تحريض الرئيس الفيليبيني المباشر على قتل الصحافيين في إطار ما يسميه الحرب على كارتيلات المخدرات في البلاد. كل هذه الحسابات حية تُرزق، وتنطق بالعنف والتحريض والقتل على “فيسبوك” وعلى “تويتر”. وكل هذه الحسابات ومن خلفها عشرات الأنظمة والأحزاب شهدت على ولادة جيوش إلكترونية حوّلت فضاء النقاش الافتراضي من مساحات للحرية بعيداً عن الرقيب، إلى مساحات سامّة للتهديد والابتزاز والتشهير وبثّ الأخبار الكاذبة.




سيكتب الكثير في السنوات السابقة عن ليلة الجمعة 8 يناير/كانون الثاني 2020، عندما كشفت إدارات شركات التكنولوجيا عن سلطتها الفعلية في صياغة الخطاب العام في العالم، وعن ربط مصير مئات ملايين البشر، الذين يجدون في المساحة الافتراضية ضرورة حيوية للتعبير عن آرائهم والتواصل وإدارة أعمالهم، بتقييمها الخاص لخطابهم.

قد لا يكون جاك دورسي ولا مارك زوكربرغ زعيمَين منتخبين بصناديق الاقتراع، يقول كيفين روز في مقاله في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، لكنهما حتماً يتمتعان بسلطة لا يحلم بها أقوى زعيم منتخب في العالم. وهزيمة دونالد ترامب الافتراضية، دليلنا الأول على ميزان القوة الذي يميل بكل ثقله إلى ناحية جنة التكنولوجيا: سيليكون فالي.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً