حراك مصري لعرقلة محاولات إيطالية وأوروبية لوقف صفقة التسليح

ذكرت مصادر دبلوماسية مصرية أن وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات العامة يكثفان جهودهما للتواصل مع قيادات الأحزاب اليمينية الإيطالية وعددٍ من قادة التيار اليميني الأوروبي المطالبين بالمحافظة على العلاقات الطبيعية مع مصر، لمناهضة تحركات علمت بها القاهرة تهدف لعرض مقترحات على البرلمان الإيطالي والمجلس الأوروبي لتفعيل نصوص صريحة في قوانين محلية وإقليمية، لوقف توريد الأسلحة إلى الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. وجاءت هذه التحركات على خلفية التصعيد المصري الأخير بغلق التحقيقات في قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني منذ خمس سنوات في القاهرة، ورفض النيابة العامة المصرية تحريك أي دعوى أو حتى اشتباه لضباط الأمن الوطني، الذين تشتبه روما في ضلوعهم في الحادث، وتحميل المسؤولية لأطراف غير معروفة، والترويج لاحتمالية تعرّض الأمن المصري لمؤامرة من أجل الإساءة إليه.

وأضافت المصادر، في أحاديث لـ”العربي الجديد”، أنّ حركة “الخمس نجوم” التي ينتمي إليها – وكان يرأسها – وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، إلى جانب عدد من المنظمات والجمعيات اليسارية والحقوقية، بدأت في ترويج مقترحات عبر النواب ووسائل الإعلام، لتطبيق قانون منع التسليح الإيطالي على الطلبات المصرية. ويسري ذلك على باقي أجزاء الصفقة القياسية بين القاهرة وروما التي من المحتمل أن تصل قيمتها إلى 11 مليار يورو. ووصلت الفرقاطة الأولى من اثنتين من طراز “فريم” تتضمنهما الصفقة إلى ميناء الإسكندرية نهاية العام الماضي.


أعلنت النيابة العامة المصرية غلق قضية ريجيني بعد وصول فرقاطة أولى إيطالية إلى مصر ضمن صفقة تسليح 


وكشفت المصادر عن أن حدثاً بعينه أثار غضب دي مايو وعدد من نواب حزبه خلال الأسبوع الأخير من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والذي شهد إصدار البرلمان الأوروبي قراراً بمطالبة مصر بإظهار الحقيقة في قضية ريجيني، ثم صدور بيان النيابة العامة المصرية. ويتمثل هذا الحدث في أن السلطات البحرية الإيطالية، بمعاونة الشركة المصنعة “فينكانتيري”، أتمّت عملية نقل الفرقاطة التي حملت اسم “الجلالة” إلى مصر في الثالث والعشرين من الشهر الماضي بدون إعلان رسمي. وأبحرت الفرقاطة باتفاق بين السلطات الإيطالية والمصرية على عدم الإعلان في ذلك الوقت. وبعد بضعة أيام من وصولها، أصدرت النيابة العامة المصرية بيانها بخصوص ريجيني، وفي صبيحة اليوم التالي – وكان الأخير في العام – أعلن الجيش المصري وصول الفرقاطة إلى ميناء الإسكندرية في احتفال كبير.

ويعتبر الفريق المتحفز ضد مصر في الحكومة والبرلمان الإيطاليين أنّ هذا التصرف أتاح للقاهرة إصدار بيانها “الاستفزازي” بغلق القضية، وأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإعلانه وصول الفرقاطة بعد إصدار البيان، يكون قد قصد توجيه صفعة لروما في الإعلام المحلي المصري، والتظاهر بأن القضية لا تؤثر البتة على العلاقات بين البلدين.




وكانت “العربي الجديد” قد نشرت نبأ حتمية نقل الفرقاطة إلى مصر قبل نهاية 2020 في الثلاثين من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وذكر المصدر في التقرير يومها أن الفرقاطة الثانية ستصل في ربيع 2021، علماً بأن الاثنتين يتجاوز سعرهما ملياراً ومائة مليون دولار.

وبحسب المصادر التي تحدثت إلى “العربي الجديد” فإن هذا الفريق يسعى حالياً إلى تعطيل تسليم الفرقاطة الثانية، وكذلك تعطيل المحادثات الجارية بين وزارة الدفاع والاستخبارات المصرية من جهة، وهيئة تنمية الصادرات الإيطالية “ساسيه” من جهة أخرى، للحصول على قرض من مجموعة مصارف ومؤسسات تمويل أخرى، لتمويل المرحلة الثانية من الصفقة. وتشمل هذه المرحلة توريد أسلحة بحرية أُخرى ستدخل ضمن الصفقة، لم يكن مطروحاً تضمنيها فيها عند بدء التفاوض في ربيع 2019.

أما على المستوى القاري، فيدفع نواب اليسار الإيطالي في البرلمان الأوروبي حالياً إلى انتزاع قرار من المجلس الأوروبي، وهو أعلى سلطة في الاتحاد، بتطبيق عقوبات عسكرية عامة على مصر بحظر التوريد والتعاون. وكشفت المصادر أن مصر علمت بعقد جلستي استماع الأسبوع الماضي للوقوف على مستجدات القضية بعد بيان النيابة المصرية، وأن معظم المسؤولين في البرلمان والمجلس عبّروا عن غضبهم الشديد إزاء محاولة فرض سيناريو المؤامرة. وإزاء هذه المحاولات، بدأت مصر مساعيها لتأمين اتصالات مع قيادات أخرى لعرقلة مثل هذه القرارات، كما تواصلت مع حكومات بعينها لإبداء قلقها من أي قرار عقابي، محذّرة من آثار التفريط في التنسيق مع مصر سياسياً واستخبارياً.

وعلى الرغم من الحذر الأوروبي حالياً من اتخاذ خطوات بهذه الحدّة مع مصر، وهو ما انعكس في قرار البرلمان الأوروبي الأخير من اختتامه بتثمين العلاقات والتنسيق المتبادل، خصوصاً في قضايا اللاجئين وليبيا وسورية، إلا أن هناك عاملاً مهماً يمثل خطراً على مصر، هو سابقة صدور قرار أوروبي في أعقاب فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة عام 2013، بتعليق بيع الأسلحة لمصر ما دام يمكن استخدامها لقمع المدنيين. ويضع ذلك مصر في فئة الدول السابق صدور قرارات ضدها، ويصعب تجاهل مشاكل أخرى معها في المستقبل.


يدفع نواب اليسار الإيطالي في البرلمان الأوروبي إلى انتزاع قرار بفرض عقوبات عسكرية عامة على مصر


وكان نواب حزب دي مايو في البرلمان الأوروبي، وعلى رأسهم المقرب منه فابيو كاستالدو، قد تزعّموا طرح مشروع القرار الصادر أخيراً ضد مصر (مطالبتها بإظهار الحقيقة في قضية ريجيني)، ووجهوا انتقادات لاذعة لمنح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسام جوقة الشرف للسيسي خلال زيارة الأخير إلى باريس الشهر الماضي، ما دفع عدداً من الشخصيات العامة الإيطالية والأوروبية إلى إعلان تخليها عن الوسام، ومن بينها كتاب وفنانون. وهناك انقسام داخل الحكومة الإيطالية إزاء وضع سياسة موحدة للتعامل مع مصر، إذ يتزعم دي مايو اتجاهاً يطالب باتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل صفقات السلاح التي عقدها السيسي أخيراً مع الشركات الإيطالية، ولم تصدر الحكومة قراراً بشأنها حتى الآن. 

وعلى النقيض من دي مايو، فإن رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، إلى جانب وزراء بينهم وزير الدفاع لورينتزو غويريني ووزير المالية والاقتصاد روبرتو غوالتييري، يتخذون موقفاً مختلفاً، ومن خلال اتصالات مباشرة ووسطاء، تصل نصائح منهم إلى القاهرة بالبحث عن تنازلات غير مكلفة لتستطيع الحكومة مواجهة المطالبات البرلمانية والإعلامية بممارسة ضغوط أكبر على السيسي في قضية ريجيني. وبدلاً من موتها بمرور الوقت، أصبحت هذه القضية تتخذ أشكالاً مختلفة من الخطورة على سمعة مصر المتردّية أساساً في الخارج، خصوصاً بعد قرار الادعاء الإيطالي بتحريك دعوى غيابية ضد الضباط الأربعة المشتبه فيهم. من جهته، يروّج الإعلام اليساري والحقوقي في إيطاليا على نطاق واسع لحقيقة أن السيسي استطاع من خلال صفقات التسليح الإساءة إلى سمعة روما وإظهارها كدولة لا تستطيع حماية أرواح أبنائها في الخارج.

وسبق أن كشفت مصادر دبلوماسية مصرية عن تلقي القاهرة نصائح من سياسيين إيطاليين لتحسين الأوضاع مع روما وتحييد التيار الحكومي المتربص بها، ومنها اتخاذ خطوات من شأنها إشعار الرأي العام الإيطالي بإحراز تقدم، كالإفراج عن باتريك جورج، المتهم في قضية نشر بيانات وأخبار كاذبة على صفحته الشخصية في “فيسبوك”، أو تقديم متهم يمكن تحميله المسؤولية كلياً أو جزئياً في قضية ريجيني. ومن بين النصائح أيضاً جعل الضباط الأربعة المشتبه فيهم يمثلون أمام القضاء الإيطالي ويردّون على ما يواجهونه من اتهامات. وتم رفض هذه النصائح من السيسي ودائرته، إذ اعتبر نافذون داخل النظام المصري أن إطلاق سراح باتريك – الذي يكمل في شهر فبراير/ شباط المقبل عاماً في الحبس الاحتياطي – سيزيد الضغط على مصر لا العكس، وسيظهرها في صورة النظام الذي يستجيب للضغوط بسهولة. أما النصيحتان بشأن ريجيني، فقد رُفضتا تماماً خوفاً من عدم وفاء الإيطاليين بأي تعهدات يمكن اتخاذها بعدم الإضرار أو الانتقام أو رفع مستوى الاتهام ليشمل وزراء أو قيادات أكبر بالأمن الوطني والاستخبارات.




 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً