حسن حنفي: غياب عقل في حضور الجنون

برحيل أستاذ الفلسفة والمفكر المصري القومي، حسن حنفي، يستمر نزيف العقل المصري في مرحلةٍ يحاصرنا فيها الجنون من كل الاتجاهات، وينفذ هجمات مسعورة من وقت إلى آخر، تنتهي بإطفاء واقتطاع مساحاتٍ جديدة من النور، ليخيم الظلام أكثر.

مات الفيلسوف الجادّ الحقيقي، لكي يتسيّد الدجالون أكثر، وينفرد مدّعو الحكمة والعلم اللدني، من نوعية طبيب الفلاسفة، المتصل على الدوام بالذات العليا، بالوعي العام، يزرعونه بالمسامير ويعبئونه بالجاز والغاز، ثم يشعلون فيه حريقًا، يلتهم كل قيمةٍ محترمة، ويثبت مكانها أكذوبةً وعارًا حضاريًا إضافيًا.

لكن، للحقيقة، لا يأتي الجنون من سلطة طغيانٍ فاسدةٍ ومطعون في جدارتها، فقط، وإنما، أحيانًا، يأتي من معارضاتٍ تنزف وتتألم، نتيجة نجاح هذه السلطة في تغييب العقل العام، واحتقاره وامتهانه، فتجد نفرًا من الناس لا تسمع لهم صوتًا أو نقدًا لمنتوج هذا المثقف أو إسهامات ذاك المفكر، وهو على قيد الحياة، حتى يرحل فتُستَل السكاكين والسيوف، وتنهال على من لم يعد يملك ردًا أو قدرة على المناظرة والمواجهة، تخوّنه وتكفّره وتطعن في انتمائه للدين وللوطن.

حسن حنفي، الذي رحل قبل أيام قلائل، كان يمثل أهم ما تبقى من عنقود العقل المنير في سماء الفكر والفلسفة في مصر، بعد الرحيل المتتابع لسلسلةٍ باهرةٍ من الأسماء على مدار السنوات القليلة الماضية، لعل أهمها في ميدان فلسفة الأخلاق إمام عبد الفتاح إمام، صاحب كتاب “الطاغية”، الكتاب العلامة في تشريح ظاهرة الطغيان والاستبداد في الشرق.

كان حسن حنفي يطلّ، بين حين وآخر، بأفكاره المنيرة عبر ما تيسّر من نوافذ مفتوحة أمامه في الصحافة المصرية، فبقي ينشر مقالًا على فترات في صحيفة يومية، حتى ضجّ به وبأفكاره إعلام “طبيب الفلاسفة” الذي يهيمن على البلاد والعباد بسلاح الدجل والتعتيم وادّعاء الروابط الخفية بينه وبين الله، بما يُخرجه من مرتبة البشر ويضعه في مصافّ الأنبياء والعارفين، فلم يبق أمام الفيلسوف صاحب العقل والعلم سوى صفحة “فيسبوك” يحاول من خلالها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وعي جمعي، يتم صفعه بأحذية الخرافة والدجل يوميًا.

في آخر مقالاته المنشورة في صحيفة يومية مصرية، كتب حسن حنفي في العام 2015 لمناسبة لوثة انتخاب جنرال الانقلاب العسكري، رئيسًا من دون انتخاباتٍ حقيقية، يحيي تلك الكتلة التي اختارت الامتناع عن التصويت في هذه المهزلة، باعتبار هذا الامتناع موقفًا إيجابيًا شديد الاحترام، وفصل ذلك بالقول:

يبدو أن العملية الانتخابية كلها موجّهة إلى الخارج، دفاعا عن تهمة غياب الديمقراطية وخرق حقوق الإنسان. فما يهم هو الشكل دون المضمون، ففي الداخل آلاف المعتقلين يُفرج منهم العشرات، ويعتقل غيرهم بالمئات، فالنظام العسكري يؤمن بالطاعة، وليس بالرأي والرأي الآخر. وتأمل السلطة القائمة تكوين حزبها من قوى البرلمان المختلفة التي لا شعبية لها، فتحصل على أغلبيةٍ يمكن الادّعاء أنها هي الحاكمة، وليس الفرد أو السلطة العسكرية. ويمكن تزوير الانتخابات كما جرت العادة فى تاريخ مصر الحديث قبل الثورة وبعدها. 

ثم يخلص إلى أن “.. والأوضاع هكذا، فى هذه الحالة الامتناع عن التصويت أفضل. وهو انتخاب سلبي، انتخاب للبديل الغائب الذي ما زال أملا في الوعي ولم يتكوّن بعد بهذه العملية الانتخابية”.

وأظن أن ذلك المقال كان كافيًا لكي يغيب هذا الصوت العاقل عن الإعلام، فلا يجد له متنفسًا إلى “السوشيال ميديا”، يحاول من خلالها أن يصرخ في البرّية، لعل عقلًا يستفيق أو ضميرًا يصحو، معلنًا تمرّده على هذا الجنون كله، الذي يجرف المجتمع نحو الاحتراق الذاتي والاقتتال حتى آخر مواطن مدني.

في ذلك كتب حنفي تحت عنوان “الذاكرة والتاريخ .. الإخوان والدولة” في 24 أغسطس/آب 2019 مفتتحًا مقالته بالقول: “العجيب في هذه الأيام، الإصرار على استمرار العداء بين الإخوان والدولة، واستمرار إسالة الدماء لجندي وضابط وشرطي أم لمدني مخالف في الرأي وهارب من الاعتقال والسجن والتعذيب. والأعجب أن كل طرفٍ لا يذكر للطرف الآخر إلا صفحته السوداء، اغتيالات الإخوان وتعذيب الدولة”. .. ثم يشير إلى أن هناك صفحة بيضاء لا يذكرها أحد، وهي التي تبشّر بالأمل فى المستقبل بعد قلب الصفحة السوداء، فقد تعرف ناصر على الجماعة فى حرب 1948 فى فلسطين. وأعجب بشجاعتهم وجرأتهم في مواجهة العدو الإسرائيلي. ثم اشتركا معا في حرب الفدائيين بالقناة 1951 بقيادة كمال رفعت من الضباط الأحرار لتطهير البلاد من الاحتلال البريطاني على ضفاف القناة وفي التل الكبير والمعسكر الأحمر على ضفاف النيل مكان مبنى الجامعة العربية وفندق هيلتون الآن. ولما قامت الثورة فى يوليو 1952 كان نصف أعضاء مجلس قيادة الثورة من الإخوان، مثل عبد المنعم عبد الرءوف، ورشاد مهنا الذي عُين وصيا على العرش. واختار ناصر سيد قطب ليكون رئيس أول تنظيم سياسي تقيمه الثورة معترفا بقدراته الفكرية والأدبية، وما يمثله من تيار اشتراكي إسلامي، بعدما كتب “العدالة الاجتماعية في الإسلام”. ويخلص حنفي، في النهاية، إلى أنه “إذا كانت هناك صفحة سوداء في الذاكرة والتاريخ بين الإخوان والدولة فإن بها صفحات بيضاء. فهل يستمر سيل الدماء أم تبدأ المصالحة؟ لقد تعلم الجميع من الماضي، وآن الأوان لبداية حاضر جديد”.

في مجال الفكر الإنساني، اقترب حسن حنفي من إشكالات الوجود والحياة والموت، والخلق والخالق والمخلوق، بعقل الفيلسوف الذي يبتدئ، بطبيعته، من عدم التسليم بشيء، حتى يتم إخضاعه لمقياس العقل، بعيدًا عن النقل من الموروث، لكن بعض الذين يطعنون في عقيدة الرجل، بعد أن رحل، لا يستطيعون التفرقة بين أن تنتقد فكرًا أو ترفضه بالكلية، وتراه خطأً في خطأ، وبين أن تمنح نفسك سلطة تكفير وتخوين وطعن في رجلٍ أمضى عمره كله يدافع عن حريتك وحقك في الحياة والاختلاف، بمواجهة سلطةٍ غاشمةٍ تضعك عدوًا وتحرّض الجميع عليك.

مؤسفٌ حقًا أن من ينهالون بالسيوف والخناجر على العقل الكبير الذي غاب يرتكبون الأفعال ذاتها التي تمارسها هذه السلطة ضدهم، ويشاطرونها الجنون والاستبداد.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً