حصاد زيارة روحاني: المكاسب لإيران والخسائر للعراق

اختتم الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس الأربعاء، زيارته إلى العراق بعد ثلاثة أيام تنقّل فيها بين بغداد وكربلاء والنجف، والتقى بعشرات الشخصيات العراقية السياسية والدينية والعشائرية، ووقّع أكثر من 20 اتفاقية تجارية واقتصادية وسياسية وأمنية، من بينها 6 اتفاقيات عالقة منذ خمسينيات القرن الماضي، إبان العهد الملكي في العراق. وتتعلّق هذه الاتفاقيات بحقول النفط والغاز المشتركة، وترسيم حدود شط العرب، وتنظيم الممرات الملاحية في مياه الخليج العربي، وملف التلوث البيئي في البصرة المنبعث من الحدود الإيرانية ضمن ما يتعلق بحرق النفايات الإيرانية بمحاذاة الحدود العراقية، والمياه المالحة وتضرّر الأراضي العراقية منها. ولعلّ أبرز هذه الاتفاقيات وآخرها هو قرار العراق إلغاء رسوم التأشيرة عن المواطنين الإيرانيين الراغبين بزيارة العتبات الدينية، والبالغ معدلهم السنوي نحو 5 ملايين زائر، وهو ما يعني فقدان بغداد مورداً مالياً ضخماً يقدّر بما بين 140 و200 مليون دولار، كان العراق يوجهه ضمن موازنات تنمية المحافظات الجنوبية والوسطى.

ورغم الجدل المثار حول بعض الاتفاقيات التي وقعها رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي مع الإيرانيين، وحاجتها إلى تشريع وموافقة من البرلمان العراقي، كما ينصّ عليه الدستور النافذ في البلاد بمثل هذه الحالات، كاتفاق ترسيم الحدود وحقول النفط المشتركة، إلا أنّ التركيز الأكبر في ما يتعلّق بالزيارة كان حول ما تحقّق للعراق من منافع وما قدمته لإيران، إذ يتضح جلياً ميل الكفة لصالح الأخيرة.

وروحاني، الذي التقى بعشرات الشخصيات السياسية والدينية والقبلية، إضافة إلى المسؤولين الرسميين في بغداد، وجمعته لقاءات مع ممثلي كربلاء والنجف بمجلس المحافظتين، فضلاً عن قيادات فصائل “الحشد الشعبي” التي اعتبرها “مهمة لاستقرار العراق وأمنه”، واجه اعتذار شخصيات عراقية عدة، سياسية وقبلية، عن لقائه، بسبب طريقة استدعائهم إلى مقرّ إقامته في المنطقة الخضراء، أو لرفضهم التدخّل الإيراني الكبير في بلادهم.

في موازاة ذلك، رفض المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الإدلاء بأي تصريح حول نتائج الزيارة. ووفقاً للمسؤولين في المكتب، فإنّ رئيس الوزراء لم يسم حتى الآن متحدثاً باسمه أو باسم الحكومة، ولا يمكن لهم الحديث حول نتائج الزيارة، معتبرين أنّ البيان الصادر عن الحكومة كاف في هذا الإطار. إلا أنّ مسؤولاً في الأمانة العامة لمجلس الوزراء أكد لـ”العربي الجديد”، أنّ “قسماً كبيراً من الاتفاقيات الموقّعة كان قد تمّ التوصل لاتفاق حولها إبان حكومة حيدر العبادي السابقة”، وأنّ التوقيع “كان لاستكمال الجوانب القانونية فقط”.

وحول الطرف المنتفع من تلك الاتفاقيات، قال المسؤول “الآن بات من الصعوبة فكّ ارتباط السوق العراقي وجعله مستقلاً، والبضائع الإيرانية ستجد طريقها بسهولة على حساب المنتج العراقي المحلي”، مؤكداً أنّ بعض الاتفاقيات “غلبت عليها المجاملة ولا تصبّ بصالح العراق، فيما لم يعد الإيرانيون بأي شيء يتعلّق بالعراق”.

وأعلن مكتب عبد المهدي في بيان، أنّ “الطرفين أجريا مباحثات هامة في أجواء أخوية وودية وبنّاءة، وأعربا عن رغبتهما في تطوير العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والصحية والتجارية والثقافية والعلمية والتقنية وغيرها، كما تمّ بحث جملة من القضايا الإقليمية”. وأكد توقيع مذكرات تفاهم في مجالات عدة، منها النفط والتجارة والصحة والنقل لإنشاء السكك الحديد بين الشلامجة في إيران والبصرة في العراق، وتسهيل التأشيرات. كما ناقش الطرفان، بحسب مكتب رئيس الوزراء، مسودة اتفاقية أمنية بين البلدين، من دون الكشف عن بنودها.

ووفقاً للبيان، فإنه تمّ الاتفاق على إنشاء منافذ حدودية جديدة، وإقامة مدن صناعية، والتعاون في المجال التعليمي والطبي والعلاجي وتجارة الأدوية، وتسهيل تسجيل شركات الأدوية بين البلدين، ومضاعفة التبادل في مجالات التجارة والاستثمار والاقتصاد والخدمات الفنية والهندسية والصناعية. وقد رحب الجانب العراقي بمشاركة الشركات الإيرانية والمستثمرين الإيرانيين في هذا الصدد.

وبالنسبة لشط العرب، تمّ الاتفاق على تنفيذ اتفاقية 1975 (التي وقعت في الجزائر في ذلك العام بين إيران والعراق) والبروتوكولات والاتفاقات الملحقة بها. ولذا قرّر الطرفان البدء بعمليات مشتركة لتنظيف شط العرب، بهدف إعادة قناة الملاحة الرئيسية (خط التالوك)، وفق الاتفاقية المذكورة.

من جهته، أعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أمس الأربعاء، أنّ قادة إيران والعراق “اتفقوا على إلغاء تأشيرة الدخول وربط سكك الحديد، وإقامة مدن صناعية مشتركة بين البلدين، ورفع حجم التبادل التجاري من 12 إلى 20 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى اتفاقيات أخرى”، بحسب ما ذكره عبر حسابه في موقع “تويتر”.

في المقابل، قال وزير النقل العراقي السابق، عامر عبد الجبار، الذي بدا متحفظاً على توقيع الاتفاقيات العراقية مع إيران حول الحدود والمياه، إنّ “هناك توصية سابقة عام 2009 من مجلس شورى الدولة، بعدم التفاوض مع دول جوار العراق في الوقت الحالي لعدم وجود مفاوض قوي”. وأوضح في تصريحات لقناة محلية “أنا فاوضت السفير الإيراني في بغداد سابقاً، ولم أكن مرناً معه، وطالبت بحقوق العراقيين الشرعية”. وأضاف “قلت له أنت تريد ربط سككي (سكك الحديد)، وفتح أجواء العراق لكم، ولكن ماذا تعطونا في المقابل. فقال لي ماذا تريد، أجبته أرجع لنا حقنا بشط العرب ونهر الكارون ومياه ديالى وأوقفوا البزل على البصرة (المياه المالحة التي تدفعها إيران باتجاه العراق). فقال لي أنا لا أقدر على تحقيق ذلك، لكن أعطيك وعداً واحداً هو ضمان بقائك وزيراً لأربع سنوات مقبلة. فرفضت العرض، وذهب بعدها إلى وزير الخارجية آنذاك، هوشيار زيباري، وأبلغه بأنّ هذا الوزير بعثي، واتصل بي زيباري وأخبرني بأنه اتهمني بذلك”.

وفي الإطار ذاته، قال نائب في البرلمان العراقي لـ”العربي الجديد”، إنّ “العراق لم يحصل على شيء، ولا حتى على منفعة واحدة من هذه الزيارة التي كانت مثل حصاد الغلّة نهاية الموسم، إذ أخذ الإيرانيون عقوداً واتفاقيات من العراق عززت هيمنتهم على السوق العراقية”. وأكّد النائب الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أنّ “الإيرانيين لم يعطوا للعراق وعداً بشأن إعادة فتح روافد دجلة (وعددها 11 رافداً)، أو إيقاف فتح مياه البزل، أو حلّ ملف المعامل الإيرانية التي يصل تلوثها البيئي للعراق، وخصوصاً البصرة وبدرة وجصان وديالى”، مشيراً إلى أنّ “العراق خسر ما بين 140 و200 مليون دولار، كرسوم تأشيرات على دخول الإيرانيين للعراق، (رسم التأشيرة 40 دولاراً عن كل زائر)، ومنح إيران إعفاءً منها”.

بدوره، قال النائب عبد الرحيم الشمري، إنّ “الزيارة عبارة عن مكاسب لإيران بالجملة“، موضحاً في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “إيران حصلت على مكاسب كثيرة، والعراق لم يحصل على حقوقه بشأن مياه الأنهر وشطّ العرب والملف التجاري والاقتصادي”.

كذلك، قال عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي، حمة رشيد، في تصريح صحافي، إنّ “الاتفاقات تصبّ بمصلحة إيران فقط، نظراً لدخول أكثر من سبعة ملايين إيراني إلى العراق سنوياً لزيارة العتبات المقدسة في بغداد وسامراء والنجف وكربلاء”، لافتاً إلى أنّ “أعداد السائحين العراقيين الذين يزورون إيران لا تصل إلى ربع عدد الزوار الإيرانيين الداخلين للعراق”.

أمّا عضو ائتلاف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي، النائب منصور البعيجي، فاعتبر أنّ “مكاسب الزيارة كانت للعراق وإيران”، مضيفاً في حديث مع “العربي الجديد”: “هي زيارة أمنية واقتصادية وسياسية وتجارية وعلمية وثقافية وبيئية ومهمة للغاية”. ورأى أنّ “الزيارة أفرحت الأصدقاء وأغاظت الصهاينة والأميركيين، وهي عكس ما فعله (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، الذي زار العراق خلسة ليلاً، وغادر من دون أن يعلم أحد به”.

في غضون ذلك، حذر سياسيون من تأثير هذه الاتفاقيات بين بغداد وطهران على مستقبل العراق، واحتمال شموله بالعقوبات الأميركية. وفي السياق، قال رئيس حزب “المستقبل الدستوري العراقي”، انتفاض قنبر، في تصريح صحافي، إنّ “العراق وفقاً لهذه الاتفاقيات، أصبح أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا أن يكون مع محور المجتمع الدولي المعتدل الذي يطبّق العقوبات على إيران، أو يكون مع المحور الإيراني، ويخسر المجتمع الدولي بشكل كامل”. وحذّر قنبر من “خطورة الاتفاقات التي وقعت مع إيران، وتعاون الأحزاب العراقية الدينية مع طهران لأجل الاتفاقات”.

وتعليقاً على الزيارة نفسها، قال الخبير في الشأن العراقي أحمد الحمداني، إنّ “السؤال يجب أن يكون ما الذي سيقدمه العراق لإيران، وليس ما المتحقّق من الزيارة”، موضحاً في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “موافقة العراق على حسم ملف الحقول النفطية المشتركة والإقرار بأحقية إيران بالاستخراج المماثل للعراق، كارثة. فمثلاً حقل الفكة 95 في المائة منه داخل العراق، ورغم ذلك الإيرانيون سيماثلون العراقيين بالاستخراج منه. والأمر نفسه في حقول كثيرة. كما أنّ تفعيل اتفاقية الجزائر عام 1975 كارثة، فالإيرانيون كانوا طول السنوات الماضية يكرون (ينظفون) شطّ العرب، في المقابل لم يكرِ العراق أو ينظّف مجرى الماء منذ 15 عاماً. وبالتالي مجرى شطّ العرب زحف إلى داخل إيران على حساب مساحته في العراق”.

واعتبر الحمداني أنّ “توقيع اتفاقيات تجارية واقتصادية ومالية، معناه توسيع نزف الدولار والعملة الصعبة في العراق إلى إيران، وإغراق السوق بالمستورد الإيراني على حساب المنتج العراقي”، مضيفاً أنه “مقابل ذلك كله، لم نسمع من الإيرانيين تقديم أي مقابل، مثل إعادة روافد دجلة إلى مسارها، وإيقاف المياه المالحة على البصرة أو دخان المعامل التي تعبر وتخيّم فوق المدن العراقية الحدودية، أو حتى التعامل مع ملف التهريب. وعدا ذلك، العراق حرم المحافظات الجنوبية من عشرات ملايين الدولارات التي كانت تأتي من تأشيرات الدخول وتذهب للتنمية”.

من جانبهم، تناول المسؤولون الإيرانيون الزيارة باهتمام غير مسبوق، بالنسبة لزيارات روحاني لدول المنطقة. وقال المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، في تصريحات صحافية، إنّ “العراق وإيران لن يدّخرا جهداً لحفظ وتعزيز علاقتهما، ولن يستأذنا أحداً بذلك”.

وأوضح أنّ “إيران والعراق جاران تحدهما حدود طويلة، ولديهما تاريخ عريق، وتربط شعبيهما قواسم مشتركة وأواصر ثقافية ودينية ومذهبية وتاريخية عريقة، وتقوم علاقاتهما على أساس حسن الجوار، مشفوعة بالمودة والعلاقات الاستراتيجية”، معتبراً أنّ “ما يلاحظ في علاقات إيران والعراق هو تمتعها بدعامة صلبة وتجارب قيمة”.

وجاءت زيارة روحاني في وقت بدأت تداعيات العقوبات الأميركية المفروضة على طهران تظهر بشكل واضح على واقعها الاقتصادي، ما دفعها للبحث عن جهات ودول تدعمها لتجاوز هذه المرحلة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *