حكايات سينمائية عن "11 سبتمبر 2001": خيبات وأوهام وانهيارات

20 عاماً بعد الاعتداء الإرهابيّ على الولايات المتحدّة الأميركية، صباح الثلاثاء (بتوقيت الساحل الشرقي)، 11 سبتمبر/ أيلول 2001. هذا عمرٌ. جيلٌ بكامله مولودٌ فيه. أحوال كثيرة متبدّلة، والعالم يغرق، يوماً تلو آخر، في مآزق ونكساتٍ وخيباتٍ وآلامٍ ومتاهات، وشركات ضخمة تُتقن فنّ الربح السريع، مستفيدةً من مصائب قوم، أو أكثر من قومٍ.


الذكرى تحثّ على استعادتها، رغم أنّ كثيرين يتذكّرونها دائماً، فيُناقشون ويُساجلون وينتقدون ويبحثون عن “حقائق”، يقولون إنّها مخفية قسراً. كتبٌ ودراسات وتقارير تصدر، بين حينٍ وآخر، ومذكّرات وسرديات، فشهودٌ كثيرون أحياء، ولبعضهم مناصب أساسية في جهات معنية مباشرة بالسياسة والأمن والاستخبارات والعسكر والاقتصاد والمصالح الكبرى. هؤلاء يقولون ويروون، والفضائح نادرةٌ، والحقائق التي تُعلن محتاجة إلى تدقيقٍ وتفكيك.


تساؤلات معلّقة


20 عاماً. عمرٌ من الأوجاع والانهيارات والمصائب. حروب وكوارث، طبيعية وبشرية، تحلّ هنا وهناك. عظمة أميركا معطوبة، فـ”كلّ رجال الرئيس” جورج دبليو بوش كاذبون ومنافقون ومهووسون بالدم والعنف والجبروت. هوليوود غير رحيمة، لكنّها تميل غالباً إلى الإنسانيّ، وبعض الإنسانيّ الهوليوودي مشكوكٌ فيه. الصراعات الداخلية تُحتّم عليها مشاركةً فاعلة، فتأثيرها مطلوبٌ، وللسياسات في واشنطن حاجات ورغبات، تساهم هوليوود في تحقيق بعضها على الأقلّ.


في الوقت نفسه، تُدرك هوليوود أنّ هامش الحرية أساسيّ، وأنّ مصنع الأحلام فيها مفتوح على اشتغالاتٍ أخرى، وبعض الأخرى انتقاديّ يفضح أكاذيب ونفاقاً. “المنطقة الخضراء (Green Zone)” (روائي، 2010) لبول غرينغراس يخطر في البال، رغم اشتغاله السينمائيّ العادي: خديعة أسلحة الدمار الشامل في العراق، وصراع أجهزة وقيادات، وأكاذيب غير منتهية، في عراق ما بعد “11 سبتمبر”. من يكشف بعض الحقائق ضابط أميركي (مات دايمون). مايكل مور أشرس السينمائيين الأميركيين في مقارعة إدارة بوش الابن. “فهرنهايت 11/ 9” (وثائقي، 2004) حادّ في فضح بعض المخبّأ، وفي تأنيب بعض المكشوف.


في الذكرى الـ20 لـ”الثلاثاء الأسود”، تُستعاد سيرة أوليفر ستون، أكثر سينمائيي أميركا تنديداً بمؤسّساتها السياسية والأمنية والقضائية والإعلامية والاجتماعية، بإنجازه أفلاماً لها في التاريخ السينمائي مكانة ثابتة وأكيدة. سينمائيّ مهووس بقراءة نقدية لتاريخ بلده وحاضره وغليانه الآنيّ، يقف أمام “الأرض الصفر” في نيويورك عاجزاً عن إكمال مشروعٍ ثقافي وأخلاقي، إنْ يُمكن وصف اشتغالاته السينمائية هكذا، يصنعه فيلماً تلو آخر. عجزٌ عن تصديق الصورة المخيفة للاعتداء، وانحياز تام إلى الضحايا، ومشاركة في تمجيد بطولة فردية أميركية، تروِّج لها مؤسّسات مختلفة في الدولة والاجتماع، من دون سجال انتقادي تفكيكي.



السينمائيّ المُشاكس والمندِّد والمنتقد بشراسة مغلّفة بجمالياتٍ سينمائية، باهرة غالباً، يكتفي بـ”المركز العالمي للتجارة” (2006)، كنشيدٍ مفعم بالبكائيات والميلودرامية، تحيةً لرجال الشرطة والإطفاء، لحظة وقوع الجريمة. ورغم براعته السينمائية في تصوير ساخر وواقعي ورائع لشخصيات رئاسية أميركية، قبل “11 سبتمبر” وبعده، يتراجع ستون أمام فداحة الجُرم، إنْ يكن الجُرم منبثقاً من اعتداء إرهابي خارجي، أو من تواطؤ داخلي، مكتفياً بفيلمٍ واحدٍ، قبل أنْ يجد في شخصية جورج بوش الابن، لاحقاً، ما يُعوِّض تراخيه الإنساني والانفعالي والذاتي أمام الغبار الكثيف لانهيار البرجين في نيويورك.


المحنَّك في إعادة سرد خفايا في اغتيال جون كينيدي (22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1963)، لحظة الجريمة وما بعدها من تحقيقات مواربة وإخفاء معلومات ووقائع، كما في “ج ف ك” (1991)؛ والساخر المخيف بجماليات سخريته في إعادة سرد مقتفطات من سيرة “نيكسون” (1995)؛ والبهيّ المرتبك في روايته الشخصية عن “الإسكندر” (2004)؛ ينقضّ على جورج دبليو بوش في “دبليو” (2008)، مُنزلاً فيه أقسى أحكامٍ، بلغة سينمائية رائعة، على سيرة وسلوك وعلاقات وموقع، وآلية إدارة وقيادة.




لكنّه، في لحظة موتٍ قاسٍ كهذه (11 سبتمبر)، ينضمّ إلى جوقة مرتّلين، حزناً ووطنيّة وإنسانية، يمدحون أبطالاً أميركيين، وكيفية تصرّفهم إزاء الكارثة البشرية عند حصولها، منتظراً بعض الوقت لإنجاز إحدى تُحفه السينمائية المختصّة برؤساء أميركيين.


انتقاد أميركي حادّ


بهذا، يختلف ستون عن شون بنّ، الأميركي الآخر الموصوف بنزقه وقدرته على مقارعة مؤسّسات دولته، باشتغالٍ فني أو صحافيّ. له رسالة طويلة موجّهة إلى الرئيس بوش الابن (“واشنطن بوست”، 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2002)، يُدين فيها التدخّل الأميركي “المحتمل” (حينها) في العراق، ويلوم الرئيس على تلك “الرؤية التبسيطية للخير والشرّ” (يُقال إنّ ثمن نشرها يبلغ 56 ألف دولار أميركي، وهذا غير منتقصٍ من أهمية الرسالة والموقف الأخلاقي والسياسي والثقافي للممثل والمخرج). في لقاءات صحافية متفرّقة، يقول بنّ إنّ “أكبر أعداء أميركا هم سكّانها”، وإنّ “قادتنا عصابةٌ من الكذبة والمجرمين”.


شون بنّ أول سينمائيّ أميركي ينتقد، بقسوة، طغيان الرأسمالية الأميركية (ممثلةً ببرجي “المركز العالمي للتجارة”) على أميركيين كثيرين، في فيلمٍ قصيرٍ له، يُنجزه كمخرج في فيلمٍ جماعي بعنوان “11 دقيقة و9 ثوانٍ ولقطة” (2002)، في إشارة واضحة إلى تاريخ الاعتداء الإرهابي، مُترجَماً (التاريخ) إلى مدّة كلّ فيلمٍ منها (11 مخرجاً من 11 جنسية).


أرملٌ يناجي امرأته حبيبته، الراحلة أخيراً عنه، في شقّة صغيرة. النافذة مفتوحة، والعتمة طاغية. النبتة ذابلةٌ، وشاشة تلفزيون صغير تبثّ وقائع اصطدام الطائرتين بالبرجين، والأرمل غير منتبه وغير مكترث، فمصيبته عظيمة. في توليفٍ رائع، يتزامن سقوط البرجين شيئاً فشيئاً مع دخول ضوء النهار إلى الشقة، وانتعاش النبتة العائدة، في لحظتها، إلى الحياة. اختزالٌ كهذا لن يرتقي إلى جمالية الفيلم وعمقه وسجاليّته السينمائية، المتحرّرة من خطابية مخرجين يساريين من العالم، يُشاركون في الفيلم الجماعي، وبعضهم انفعاليّ، إذْ يُقارن البريطاني كن لوتش بين انقلاب أوغستو بينوشي، الذي تُشارك “وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية” فيه، على سلفادور الليندي، المنتخب ديمقراطياً، والانقلاب حاصل في 11 سبتمبر/ أيلول أيضاً، لكنْ عام 1973.


فيلمان آخران يُعتبران الأهمّ والأجمل سينمائياً: الياباني شوهي إيمامورا والمكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو. الأول عن جندي سابق في الحرب العالمية الثانية، يعود إلى بلده (اليابان)، فيُصدم بفقدان كلّ إنسانية، ويتحوّل إلى أفعى: “الحرب المقدّسة غير موجودة”، رسالة واضحة وصادمة في نهاية الفيلم. الثاني يمزج بين نوع موسيقي أشبه بالضرب على الحديد، بصُور قاسية لأناسٍ يرمون أنفسهم من أعلى البرجين.


3 أفلام، أقساها للأميركي شون بنّ، غير المنتظر مرور وقتٍ كافٍ لإدانة بلده، ناساً ومؤسّساتٍ وقيادات. الأفلام الأخرى يغلب عليها الموضوع، والسينما تكاد تختفي منها، رغم حِرفية الاشتغال. إنتاج الفيلم الجماعي فرنسيّ، وسيكون أول فعلٍ سينمائيّ يتناول اعتداءات “الثلاثاء الأسود”.


هاوي سينما وودي آلن ومارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبيرغ ومايكل تشيمينو، مثلاً، يسأل عن غيابهم المباشر عن مشهدية “11 سبتمبر”. المواربة السينمائية حاضرةٌ، هنا وهناك، في خلفيةِ معاينةٍ، أو في صلب اشتغالٍ فني وبصري. لكن المباشرة منعدمةٌ، والابتعاد واضح. هذا تساؤل. سكورسيزي غير متساهل مع محطّات من تاريخ بلده ومساراته المختلفة، وفيها من السلبيّ ما يحرِّض، غالباً، على استعادته ومناقشته وتفكيكه. لسبيلبيرغ عناوين تعيد قراءة بعض التاريخ أيضاً، بعينٍ انتقادية تعتمد على السينما أساساً. تشيمينو يُشبههما. آلن مختلفٌ تماماً. هاوي سينما هؤلاء (وغيرهم أيضاً) يسأل، والسؤال عاديّ وبسيط، والإجابة الأسهل تقول إنّ لكلّ واحدٍ أسلوبه في مقاربة الأشياء، أو في التعاطي معها، وإنْ عن بُعدٍ، وأسباب ذلك وافرة.


يصعب التحرّر من علاقة السينما بالاعتداء الإرهابيّ، في الذكرى الـ20. لكنّ سؤالاً آخر يُلحّ، كنوعٍ من تمرينٍ على إشغال ذاكرة فردية، في لحظة مأساة جماعية: “أين كنتَ في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وماذا كنتَ تفعل؟”. لكلّ امرءٍ حكاية، أو أكثر ربما. الذاكرة حيّة، لكن التمرين على استعادتها يصبّ في تأكيد الرابط القوي بين السينما والجريمة. المُشاهدة لاحقةٌ طبعاً، فالإنتاج السينمائي المعني بالحدث يُقدِّم أفلاماً كثيرة بدءاً من العام الأول بعد المجزرة.


ذكريات فردية


الرابعة بعد ظهر 11 سبتمبر/ أيلول 2001، بتوقيت بيروت، ألتقي يوسف شاهين، في زيارة له للترويج لـ”سكوت ح نصوّر”. خبر أميركا وصُور الجريمة تنتشر شيئاً فشيئاً. لا معلومات ولا معطيات، والقليل منها غير كافٍ. بعض كلامٍ مع شاهين، العربيّ الوحيد الذي سيُشارك لاحقاً في الفيلم الجماعي عن “11 سبتمبر”، عن أميركا، ثمّ حوار عن فيلمه الأخير. العودة إلى المكتب (جريدة “السفير”) معقودة على كتابة مقالة، تستعيد بعض الأفلام التي تُصوِّر اعتداءً شبيهاً بهذا، فصُور عدّة تبدو كأنّ السينما طاغيةٌ، لا الواقع. اقتراح مقالة كهذه عائدٌ إلى جوزف سماحة، المنهمك لحظتها في كيفية إصدار عددٍ خاص في اليوم التالي. رغم هذا، ينتبه إلى السينما، ويقترح موضوعاً عاماً، وينصرف إلى إعداد المبتغى. يختار عنواناً للصفحة الأولى: “الرؤية الآن”، مكتوباً بالإنكليزية Apocalypse Now. السينما أقوى. السينما أكثر حضوراً. السينما أبرع من يختزل لحظة بحجم عالمٍ وموتٍ وغبار. المهنة (صحافة مكتوبة) أيضاً تُبرز براعتها في اشتغالٍ، يُصبح عفناً في أزمنة خرابٍ لاحقٍ كهذا.

 




يمرّ وقتٌ. يعود شاهين إلى بيروت لتصوير فيلمه القصير عن “11 سبتمبر”. يختار جبيل (37 كلم شمال بيروت) لمشهدٍ يظهر فيه نور الشريف/ يوسف شاهين في مؤتمر صحافي، يعقده لإعلان عدم تمكّنه من محاورة صحافيين ونقاد بخصوص “سكوت ح نصوّر”. يسألني غابي خوري (المنتج وابن شقيقة شاهين) الجلوس إلى جانب الشريف في تلك اللقطة، فأفعل. بعد أشهرٍ طويلةٍ، أشاهد الفيلم الجماعي في مكتب “أفلام مصر العالمية” (35، شارع شامبليون، القاهرة). أفاجأ بعمل شاهين، المنهمك جداً في صُور نضالية ضد أميركا ومع فلسطين. الفكرة تقارن بين أفعالٍ عدائية ضد الفلسطينيين، وأحوال أميركا في تلك الجريمة. لكنّ لشاهين أسلوباً يسم معظم أفلامه، يتمثّل بإعلاء اللغة المباشرة على الفعل السينمائيّ. الارتباك والقلق والشكّ والبحث الدائم عن أجوبة لطرح مزيدٍ من الأسئلة، مسائل جوهرية في اشتغالاتٍ عدّة له. في الفيلم القصير هذا تقلّ حيوية تلك المسائل، رغم أنّ لفلسطين في قلب شاهين وروحه مكانة معروفة.


20 عاماً تمرّ بعد اعتداءٍ سيبقى إرهابياً، إنْ يكن من أفعال خارجٍ مهووس بالقتل والتدمير، أو من ارتكابات داخل مُسرفٍ بوطنية قاتلة ونزاعات عنيفة من أجل مال وسلطة، أو بسبب غباء وأنانية. في 27 يوليو/ تموز 2021، يمرّ 13 عاماً على رحيل يوسف شاهين. بعد 5 أسابيع من الآن (10 سبتمبر/ أيلول)، تمرّ الذكرى السنوية الثانية على “انتفاضة 17 أكتوبر” (2019) اللبنانية. لا علاقة بين الأحداث. جريمة أميركا تُغيِّر العالم برمّته، وإنْ يكن التغيير، بغالبيته الساحقة، قاتلاً ومخيفاً ورهيباً. رحيل شاهين متوقّع، فهذا قدر الجميع. انتفاضة بعض اللبنانيات واللبنانيين معطوبة ومُغتالة، والناس منصرفون إلى هاويةٍ سحيقةٍ، بعد انتصار سلطةٍ غير مختلفةٍ كثيراً عن سلطات دول كثيرة، شرقاً وغرباً.


الكتابة في لحظةٍ كهذه تعبيرٌ عن مزيجٍ بين عامٍ وخاص، تجمعهما السينما، ويوطّد العلاقة بينهما نقدٌ يقرأ ويسأل، ولا يحسم. إنّها 20 عاماً. أو 13 عاماً. أو عامان. هذا كلّه عمرٌ يمضي، لا مجرّد أرقام. عمرٌ يمضي في متاهات عيشٍ قاسٍ، وفي أوهام خلاصٍ مرتجى، لكنّه مفقود. الكتابة تعويضٌ، قليل لا أكثر، عن هزائم وخيبات، رغم ما تمنحه السينما من متعٍ، رغم أنّ متعاً كهذه تأتي من أحوال عنف وموت وخراب.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً