حليم الضبع.. تجريبٌ في إيقاعات الشرق

ألّف حليم الضبع في نهاية خمسينيات القرن الماضي تدويناته الأولى التي استخدم في عزفها الدربوكا (الطبل المصري) والبيانو، في فترة كانت أنظمة التأليف التي تعتمد الآلات الإيقاعية الشرقية التقليدية نادرةً في الغرب والشرق. لكنّ تلك التدوينات اشتملت على شروحاتٍ مفصّلة حول حركة الأصابع وثنيها، ووضْع وشكل اليدين في التعامل مع الطبل، وطُرق الدقّ عليه، ومقدار الاهتزازات في الضربة الواحدة.


في تلك المقطوعات، ومنها “سونيك 7” و”سونيك 10″، التي قدّمها خلال عمله في “مركز كولومبيا – برينستون” بالولايات المتحدة، حاول منظّر الموسيقي الإثنية والمؤلّف المصري (1921 – 2017) الذي يُحتفى هذا العام بمئوية مولده، أن يستكشف إمكانات الصوت اللامحدودة للدربوكا، التي شبّهها بعمل الخزّاف في تشكيل الصلصال وفق احتمالاتٍ شكلية لا حصر لها.


بنى الضبع ــ الذي درس الهندسة الزراعية في “جامعة القاهرة” ــ أساس معرفته على تقاليد الزار في الاحتفالات الصوفية التي حضرها في طفولته، قبل أن يتعلّم الموسيقى الإلكترونية ويبدأ التجريب فيها خلال مرحلة دراسته. إلّا أن حادثة شخصية ستطوّر إحساسه النغمي بصورة مبتكرة، حين نجا من صاعق برق ضرب الطاولة في حديقة منزله بمدينة بوسطن الأميركية، فاهتزّ جسده وأصدر صراخاً عالياً بسببه، ويقيت الاهتزازات تُحدث ارتعاشاتها القوية في جسده لمدّة شهر.


قادته هذه التجربة الحسّية إلى تقسيم عمله إلى ثلاثة أجزاء تعكس المشاعر المختلفة التي اختبرها خلال العاصفة، حيث يحاكي الجزء الأول الطبقة العليا من الغلاف الجوي، والجزء الثاني الرِّقة والتعاطف اللذين عرفهما خلال رحلة الشفاء من صدمته، والجزء الثالث يحاول تصوير لحظة البرق ذاتها، والتي امتزجت فيها أبعاد روحانية ومتخيّلة.


استخدم نظاماً ترميزياً في التأليف الموسيقي مختلفاً عن المتداول في الأكاديميات الغربية


بعد ذلك، بدأ الضبع يُنشئ قواعد موسيقيّة جديدة من خلال التحكّم بالصوت والسعي نحو تفكيكه من أجل الإمساك بالنغم الداخلي لمقطوعاته المؤلّفة، حيث قام بفصل الموجات أو التردّدات المنخفضة عن النغمات العالية، واعتمد التكرار في الصوت الذي يفصله في بعص المقاطع، كما وظّف “الضجيج الأبيض” من خلال تجميع كافّة التردّدات التي يستطيع الإنسان سماعها في الوقت نفسه.


تنوّعت الأعمال التي قدّمها الفنان باستخدام الطبلة مع آلات غربية مختلفة مثل الكمان والبيانو والساكسفون، سواء في المقطوعات الأوركسترالية أو في مقطوعات موسيقى الحجرة والباليه في الستينيات والسبعينيات، ومنها “ليلة أخرى مع غاودي” (1961)، و”نظرة إلى البريق” (1962)، و”لوسيفير” (1975)، وكانت تحمل دائماً تجديداً في تقنيات العزف أو الأداء من خلال اعتماده على رحلات البحث الميدانية التي قام خلالها بتسجيل وتوثيق الموسيقى التقليدية في مصر وإثيوبيا، ومالي والسنغال والنيجر وغينيا وزائير والبرازيل لاحقاً.


قدّم الضبع نظاماً ترميزياً مختلفاً في التأليف الموسيقى عمّا هو متداول في الأكاديميات الغربية، من خلال اختزال الأصوات والنغمات برموز خاصّة به، مرفقة بأدقّ التفاصيل والحركات التي توصّل إليها في دراسة الإيقاع، وكذلك براعته في التعامل مع الأصوات وفرزها وفق تصنيفٍ يُراعي فوارق دقيقة جدّاً لا يلتفت إليها المؤلّفون الموسيقيون عادةً.


واستطاع عبر تجريبه الدائم لأكثر من نصف قرن أن يدمج مقطوعات من ثقافات مختلفة لا تجمع بينها علاقات نغمية في الظاهر، مستفيداً في ذلك من اطلاعه المعمّق على الموسيقى الأفريقية التي دوّن جانباً منها ودرّب العديد من الموسيقيين على عزفها، حيث تنبّه إلى قدراتها على استيعاب ألحان تبدو غير متجانسة في عمل واحد.


يُذكر أن الضبع ألّف العديد من الألبومات، منها: “أصوات الموسيقى الجديدة” (1957)، و”ليلى والشاعر” (1959)، و”المسافرون الغامضون” (1974)، و”الذات في التحوُّل” (1989)، و”سيمفونية الآلات الفرعونية” (2005)، و”أعمال البيانو المستوحاة من الغناء الشعبي المصري” (2009)…






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً