"حمد للترجمة": العربية واليونانية.. محاولة في استعادة جوار حميم

تُعاني حركة الترجمة بين ضفّتي المتوسط، العربية واليونانية، من العديد من المشاكل، أبرزها غياب المشاريع الواضحة والدعم المالي اللازم، رغم المشاريع الفردية الناجحة التي أصبحتْ نقاطاً مضيئة في هذا الحقل، والتي تبقى غير كافية، أو أنها لا ترقى إلى مستوى العلاقة التاريخية الطويلة بين الثقافتين، وإلى حجم الوجود اليوناني السابق في البلاد العربية، وأهمها مصر، والوجود العربي الجديد في اليونان.


عبر منصة “زوم”، عقدت “جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي“، يوم الثلاثاء الماضي، ندوةً افتراضية بعنوان: “واقع وآفاق الترجمة بين اللغتين العربية واليونانية” أدارها وترجم بين اللغتين المترجم المصري خالد رؤوف، وشارك فيها بالأوراق البحثية والمداخلات كلٌّ من الأكاديميين اليونانيين سوتيريس ليفاس، ومارينا بيروفولاكي، وإيليني كونذيلي، والروائية والمترجمة اليونانية بيرسا كوموتسي، والأكاديمي المصري هشام حسن، ومديرة المؤسّسة، حنان فياض.


بدأت فياض الندوة بنبذة عن الجائزة التي تأسّست عام 2015، لدعم الترجمة من العربية وإليها من جميع لغات العالم، وفئاتها المختلفة، وشروط الترشّح إليها.


في مداخلتها تحت عنوان “مسيرة ترجمة الأدب العربي إلى اللغة اليونانية” استعرضت بيرسا كوموتسي – مؤسِّسة ومديرة “مركز الثقافة والأدب العربي واليوناني” في أثينا والتي تعتبر أبرز مترجمي الأدب العربي الحديث إلى اليونانية – علاقةَ القارئ اليوناني بالأدب العربي الحديث التي تأخرت حتى مطلع التسعينيات مع فوز نجيب محفوظ بجائزة “نوبل في الأدب”، والأحداث التاريخية التي مرّت على ضفّتي المتوسط، والتي استتبعت تغيّرات اجتماعية انعكست على الأدب والمجتمع، وكيف تحوّل الأدب العربي من الرمزية الرومانسية إلى المخاوف الوجودية وتقنيات السرد الجديدة والحوارات الواقعية. كما نوّهت بالتغيّرات التي طرأت على وضع المرأة في العالم العربي، والتي أدّت إلى نتاج روائي نسائي لامع، وأدب الشتات العربي الجديد الذي لعب فيه الشعر دوراً هامّاً للغاية، وكيف انتقل القارئ اليوناني من حالة الفضول تجاه الأدب العربي إلى حالة البحث عن البعد الإنساني والمواضيع المختلفة والعميقة.


العالم العربي مجالٌ حيويّ تاريخياً للثقافة اليونانية


ولكنّ الصورة ليست وردية تماماً، كما تقول كوموتسي، ففي اليونان ليست هناك أقسامٌ جامعية متخصّصة لتدريس اللغة العربية، كما أشارت إلى مشكلة الترجمة من اللغات الوسيطة، وإلى أن العناوين المترجمة إلى اليونانية تنتقيها دور النشر وليس الأكاديميات أو المؤسسات، إضافة إلى غياب الدعم المالي لهذا النوع من المشاريع. ولم تُغفل كوموتسي تأثير الأزمة الاقتصادية في اليونان، ومن ثم جائحة كوفيد 19، على هذا الحقل أيضاً.


ثم ختمت بنبذة عن المشاريع التي أنجزتها والتي بلغت 35 عنواناً، منها 14 عملاً لنجيب محفوظ. أما الأعمال التي تترجمها حالياً فمن بينها أنطولوجيا للشعر النسوي المصري من المقرّر أن تصدر في طبعة ثنائية اللغة، و”لا حرب في طروادة” للشاعر السوري نوري الجراح.


أما إيليني كونديلي، أستاذة الدراسات والحضارة العربية في “جامعة أثينا”، فقد قدّمت ورقة بعنوان: “حول تاريخ العلاقات بين الحضارتين اليونانية والعربية”، وتحدّثت فيها عن لقاء الثقافات والحضارات اليوم الذي يدعمه لقاء البشر، كما تحدّثت عن الهجرات اليونانية إلى سورية ومصر وغيرها من الدول العربية، وعرّجت على ترجمة الإلياذة على يد سلمان البستاني، والعلاقة بين هوميروس والشعر العربي القديم، وكذلك على قدرة الحضارتين على استحضار الماضي والنظر إليه بمنظور جديد، متناولةً كفافيس كنموذج لليونانيين المصريين ودورهم كجسر تواصل بين الثقافتين.


وفي مداخلته التي حملت عنوان “تعليم الترجمة للناطقين بالعربية”، أشار سوتيريس ليفاس، رئيس قسم اللغات والترجمة في “الجامعة الأيونية” في مدينة كورفو اليونانية، إلى أن اللغة تعكس عقليات وطرائق التفكير، وأن العالم العربي مثّل تاريخياً المجال الحيوي للثقافة اليونانية، كما أن العلاقات الطويلة بين الثقافتين تستوجب وجود برامج عالية المستوى لتأهيل المترجمين، الذين يوجد عددٌ لا بأس به منهم من اليونانية إلى العربية، ولكنّ العكس غير صحيح. وتوسّع ليفاس في موضوع الترجمة عن لغة وسيطة، والذي رأى أنه يضيّع المعنى ويُفقد النصوص نضارتها ودقتها، قائلاً إنه ربما كانت اليونان سوقاً صغيرةً لهذه الصناعة، ولكنّ الحاجة ملحّة اليوم لإيجاد إطار علمي لتدريب مترجمين محترفين، كما أشار إلى أنّ انخفاض الاحترافية يؤدي إلى مشاكل حقيقية فيما يخصّ التفاهم والقدرة على التواصل بين الوافدين الجدد من اللاجئين والمهاجرين في اليونان وبيئتهم المحيطة.


تعاني الترجمة بين اللغتين من عكّاز اللجوء إلى لغة وسيطة


“اللغة العربية والدراسات الإسلامية في اليونان” عنوان مداخلة مارينا بيروفولاكي، أستاذة الدراسات الإسلامية في كلّيّة علم اللاهوت في “جامعة أرسطوطاليس” في سالونيك، والتي قدّمتها بالعربية وتحدّثت فيها عن بداية علاقتها بهذه اللغة، وقسّمت اليونانيين المهتمين بالثقافة العربية إلى يونانيين وُلدوا وعاشوا في مصر، ويونانيين درسوا العربية. استحضرت بيروفولاكي رحلاتها إلى مراكش والإسكندرية واليمن، ونوّهت بالعلاقة الخاصة التي تربط العرب بجزيرة كريت التي تتحدّر منها، والذين بقوا فيها لأكثر من قرن، مشيرةً إلى أن المنطقتين تحملان “عقلية حدودية”، لأن الحدود كانت تتغيّر بسرعة عبر الزمن. وفي عرضها لعملها، تحدّثت عن قسم اللاهوت في “جامعة أرسطوطاليس” وعن أهمّيّته بالنسبة إلى الطلبة أوّلاً، وإلى الأقلّية المسلمة في اليونان، والتي وجدت في القسم المكانَ المناسب لدراسة اللاهوت بعد أن اعتادت لفترة طويلة السفر إلى الدول العربية لتحصيل هذا النوع من العلوم.


من جهته، أشار الأكاديمي المصري هشام حسن، أستاذ الأدب البيزنطي في “الجامعة اليونانية الأميركية” في أثينا، في مداخلته المعنونة “ترجمة النصوص البيزنطية للغة العربية – إشكاليات وتحديات”، إلى العلاقة المتشابكة بين الإمبراطورية البيزنطية ومصادرها الهامّة وتاريخ المنطقة العربية ككلّ. ففي المشكلات، أكّد على ضرورة دراسة اللغة اليونانية لتمكُّن المؤرّخين والمتخصّصين من دراسة التاريخ البيزنطي، الذي تعدّ اللغة العربية واحدةً من مصادره، كما أكّد على أن الترجمة الخاطئة لا تؤدّي سوى إلى تضليل الباحث والقارئ، وضرب مثالين عمليين من عملين أكاديميين عربيين عانيا من هذه المشكلة.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً