حين أنقذتْنا تاءُ التأنيث

مؤخراً، قضت أكاديمية اللغة الفرنسية بتأنيث البقية الباقية من أسماء المناصب والرتب والمِهن، بعد أن كان جنسُها المذكر يشكّل عقدةً لغوية، صعُب على علماء اللغة حلُّها، لعقود طويلة. فقد كانت الغالبيّة الغالبة من هذه الأسماء مُذكّرة أصالةً، ليس فَحسب لأنّها كانت في الواقع المعيش وَقفًا على الرجال، وإنما أيضًا لأنَّ جلها كان إذا أنِّثَ أصبح محيلاً على معنًى شديد السلبية، يحطُّ من شأن المرأة.

ومن طرائف ذلك، عبارة: Homme public التي تعني: الرجل الشهير الناشط في الفضاء العام. وحين تؤنث إلى Femme publique، تصبحُ دالةً على “المرأة الـمُبتذلة”. والأمثلة أكثر من أن تُحصى، وكلها تقريباً كناياتٌ عن البِغاء!

كما يمكن تعليل صعوبة التأنيث بالطبيعة الصوتية للّواحق التي تبيّن الجنس النحوي للكلمة، ومنها في المذكر aire/eur وهي لا تؤُنّث وإنما تُبدَّل. فإنْ لحقها التأنيث ربما تسببت في ثِقلٍ صوتي يجعل الكلمة أطولَ، وفي النطق أعسر، ومن ذلك: Docteur التي تصير Doctoresse مع لاحقة: esse أو maire (رئيس البلدية) التي تغدو mairesse، وفي الكلمتين طولٌ وتنافر وثقلٌ.

ويبدو أنّ السبب أعمق من مجرد التعليل الصوتي، إذ تعود جذور القضية إلى اقتصار الوظائف العليا في المجتمع الفرنسي، طيلة العصور الوسطى وحتى القرن الماضي، على فئة الرجال باعتبار أنّ دور المرأة يقتصرُ على الإنجاب والاهتمام بشؤون البيت. وحتى عندما تطوّرت أوضاعها الاجتماعية، حافظ الناس على مواضعات اللغة مذكرةً، في إشارة إلى أنّ المنصب لا يطاوله التأنيث وإن قامَت به المرأة.

وأما في ما يتعلق بالضاد، ودون محاباة، فإنَّ المسألة عولجت بقدر أكبرَ من السلاسة والسهولة، وذلك بفضل الإمكانات الصرفية التي تتوفر عليها التاء المربوطة، فهي تُمكّن من تأنيث الأسماء، ومنها المناصب والرتب دون أدنى مَشقة صوتيّة أو تركيبية أو دلالية. وهو ما جعلَ الانتقال سريعًا في الأغلبية الساحقة من المفردات، كالـمُرور من “وزير” إلى “وزيرة”، ومن “سائق” إلى “سائقة”. كما لم يثر هذا التأنيث العام أيّ جدل في المجتمع ولم يؤدّ إلى اضطراب في النظام اللغوي، على كثرة ما كابدته المرأة العربية من ضَيم لبلوغ هاتيك المناصب في الواقع المجتمعي. مما يؤكد تيسير الضاد لهذه التحولات السوسيولوجية العنيفة ومواكبتها لها.

الحالات النادرة التي شذّت عن القياس وكان فيها التأنيث مصدراً للالتباس وربما للعَبث الذكوري بسابق الترصد وسوء نية، هي كلمات مثل: “نائب” بالمعنى البرلماني التي تصير “نائبة”، وهي تحمل من بين ما تحمله دلالة: “كارثة”، ويقال نفس الشيء لكلمات مثل: “حيّة” و”مُصيبة” و”قاضية”…ومن الواضح أنَّ هذه الأمثلة استثناءٌ يزيد القاعدة رسوخاً وتأكيدًا، فضلاً عن كون الاستناد إليه متهافتا، فَجُلها يُذكّر. يقال: “شرّ مصيبٌ، وضربٌ قاضٍ وخَطْب نائبٌ”. وحتى وإن حصل جدلٌ، فهو لا يتعلق بالتذكير النحويّ، ومداره الخطاب مَحلُّ التواصل، بل هو بمدى تناسب المنصب أو الوظيفة مع الصورة النمطية التي تحتفظ بها المجتمعات العربية عن المرأة ودورها في الأسرة ومكانتها في النسيج المجتمعي ككل.

ولا نظن أنَّ الأذن العربية يصدمها التأنيث لدى سماع مفردات من قبيل: طبيبة، ممرضة، قاضية، شرطية، عَدَّاءة، مذيعة، صحافية، رئيسة بلدية… بل بالعكس، قد اندرجت هذه الكلمات طيَّ الاستعمال دونما صعوبةٍ واستقرت فيه بسلاسة مؤديةً وظيفتَها التواصلية بعفوية.

فَأعْجِبْ لهذه التاء المربوطة، والتي تُرسم ولا تنطق، كيف حلّت الإشكال وساهمت، على تواضعها وخُفوتِ همسها، في تكريس عمل المرأة وتجذيره في الواقع أكثر مما تفعله عشراتُ الخطابات النسوية، بل لعل عذوبتها في عالَم الكلمات هي التي أسهمت في تجذيرها وسَطَ الوَظائف والمعاملات. وهي تاءٌ، وإن كانت في الرسم مربوطة، فإنها فكت عِقال النساء، نصف المجتمع، وفتحت لهن آفاق الكرامة والتحديث.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *