خطاب الكراهية يهيمن على الإعلام اليمني

لم تعد البنادق سبباً وحيداً في إطالة أمد الأزمة اليمنية وانزلاق البلاد إلى نفق مجهول، فالأقلام تورطت أيضاً في تأجيج العنف بعد تحوّل المنابر الإعلامية إلى فضاءات سامة لنشر الكراهية والتخوين، وإثارة النعرات المناطقية والدينية والعرقية. 


كغيره من مؤسسات الدولة، دفع الإعلام اليمني ضريبة الانقلاب على السلطة الشرعية قبل 6 سنوات، حيث عمدت جماعة الحوثيين إلى نسف هامش الحريات الضئيل وتحويل صنعاء إلى بيئة طاردة للإعلام المستقل من جهة، وسخّرت كافة إمكاناتها لمسخ الإعلام الرسمي وتجييره للدفاع عنها وشيطنة باقي مكونات المجتمع اليمني المناهضة لها، من جهة أخرى. 


أوقدت جماعة الحوثيين المزيد من الحرائق الإعلامية، عقب إنشاء العشرات من الوسائل الجديدة، حيث قامت بتسويق وفرض أفكارها الدخيلة وغزو مناطق الريف قبل المدن بخطاب كراهية يرتكز على فكرة التمييز العرقي للجماعة، في مقابل تشوية باقي الخصوم من المكونات، ووصفهم بأنهم “دواعش ومرتزقة وإرهابيون ومنافقون” ومدنهم بأنها “تخضع للاحتلال الإسرائيلي والأميركي”. في المقابل، انزلقت المؤسسات الإعلامية التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، إلى ذات المستنقع، وذهبت غالبيتها لتسويق خطاب موّحد يصف جماعة الحوثيين بعبارات مختلفة بينها “الإيرانية والإرهابية والروافض والفرس” في إشارة لتحالفها مع إيران، حتى جاء المجلس الانتقالي، ذو النزعات الانفصالية جنوبي اليمن، ليزيد الطين بلة، بعد انتهاج خطاب عدائي ضد سكان المحافظات الشمالية الذين يصفهم تارة بـ”الغزاة” وتارة أخرى بـ”الدحابشة” نسبة لفنان كوميدي تقمص شخصية مهرج في مسلسل تلفزيوني قبل 3 عقود.




عواقب مدمّرة

ساهم الخطاب العدائي الذي انتهجته أطراف الصراع اليمني، واستغلال وسائل الإعلام كمنصات رئيسية، في التحريض ضد الخصوم، بظهور عواقب مدمرة، ابتداءً بـ”إذلال شريحة معينة من المجتمعات”، أو حتى نسف قيم التعايش. 

في صنعاء، دأبت وسائل إعلام الحوثيين على تسمية الموالين للحكومة الشرعية، من سياسيين وعسكريين وبرلمانيين  بـ”الخونة”. وتحت هذه اللافتة، تعرضت المئات من الأسر لحملات ترهيب أجبرتها على الرحيل، فيما تمت مصادرة عقاراتهم، وهو ذات السيناريو الذي تم تطبيقه بعد ذلك في المحافظات الجنوبية ضد أبناء الشمال، وكذلك في بعض مناطق نفوذ الحكومة الشرعية ضد القيادات المحسوبة على الحوثيين.


انعكس حجم التحريض ضد الخصوم بشكل واضح على تصرفات السلطات التنفيذية التي لم تتورع في توجيه إهانات مباشرة للنساء اللواتي كن ضمن الخطوط الحمراء سابقاً في الأعراف والتقاليد اليمنية. ووفقاً لمصدر مقرب من أسرة قيادي بالحكومة اليمنية، فقد وجّهت عناصر حوثية شتائم لإحدى السيدات التي تقطن منزله، وأمهلتها 48 لمغادرة منزل من وصفوه بـ”الخائن” تحت طائلة “سحبها من شعرها”، رغم محاولتها تقديم دليل بأن المنزل تعود ملكيته لوالدها وليس لشقيقها المقيم مؤقتاً في الرياض. ولم تكن أي جهة أو قوات أمنية لتمتلك الجرأة لممارسة هذا السلوك لولا التأليب والتعبئة الإعلامية التي قادت أيضاً الأطراف للشروع في محاكمات صورية للخصوم وإصدار أحكام إعدام غيابية بناء على تُهم جاهزة، على رأسها الخيانة أو التخابر مع دولة أجنبية، هي السعودية.


ساهم الخطاب العدائي الذي انتهجته أطراف الصراع اليمني، واستغلال وسائل الإعلام كمنصات رئيسية في التحريض ضد الخصوم، بظهور عواقب مدمرة ابتداءً بـ”إذلال شريحة معينة من المجتمعات” أو حتى نسف قيم التعايش


قطع مصدر الرزق كان أحد أسباب التحريض الإعلامي في مناطق يمنية مختلفة، وكما هو مصير العشرات من صغار التجار. واضطر محمد الدبعي، وهو تاجر ملابس، لترك مدينة عدن بعد نحو عقدين من العمل بداخلها، والعودة إلى مسقط رأسه في مدينة تعز بعد تنامي الخطاب المناطقي ضد كل أبناء المحافظات الشمالية، والذي جعلهم وممتلكاتهم هدفا للنهب والابتزاز من العصابات، أو عُرضة لتلقي إهانات جارحة في أحسن الأحوال.


وانعكس الخطاب السائد في وسائل الإعلام على وسائل التواصل الاجتماعي، ساحة التراشق الأبرز بين أطراف الصراع اليمنية، والذي لا يتورع روّاده عن توجيه شتائم مباشرة أو استحضار خطابات دينية من قرون مضت.


وتشارك قيادات رفيعة في التراشق بهذا النوع من الخطاب. ومع استعار المعارك في أسوار محافظة مأرب قبل أيام، اتهم وزير الإعلام بالحكومة اليمنية المعترف بها، محمد عيضه شبيبه، في تغريدة على تويتر، القيادي الحوثي، محمد علي الحوثي، بأنه “ظهر بلباس النبي (محمد)، يعلن عن يوم الفتح ويخاطب سكان مأرب وكأنهم كفار قريش، (من دخل بيته فهو آمن)، لافتاً إلى أن الجماعة، حشرت مفردات التكفيريين والنفاق والعمالة لأميركا والصهاينة، ليسهل عليها قتل المأربيين. 




تهديد لفرص السلام 

وسط ضبابية في الموقف الدبلوماسي، تتخذ أطراف النزاع اليمني من وسائل الإعلام منبراً تصعيدياً ضد كافة التحركات الدولية لإنعاش فرص السلام، وذلك عبر دعوات لاستمرار القتال والتحريض على توجه المواطنين إلى جبهات الحرب باعتبارهم مجاهدين ولن تستقر البلاد سوى بالقضاء على خصومهم.


ويؤكد المدير التنفيذي لمؤسسة منصة للإعلام والدراسات التنموية، عادل عبدالمغني، أن الدور السلبي الذي لعبته وسائل الإعلام إزاء الصراع، سيؤثر بشكل مباشر على فرص السلام التي تلوح في الأفق، وخصوصاً بعد أن تماهت غالبية تلك الوسائل أطراف الصراع وصارت تابعة لها أو موالية، وقدمت خطاباً إعلامياً مدمراً زاد من حدة الأزمة وأحدث تصدعات خطيرة في النسيج الاجتماعي وقيم التعايش بين اليمنيين.


تتخذ أطراف النزاع اليمني من وسائل الإعلام منبراً تصعيدياً ضد كافة التحركات الدولية لإنعاش فرص السلام، عبر دعوات لاستمرار القتال والتحريض


ويقول عبدالمغني، الذي أدار مشروعاً لمواجهة خطاب الكراهية في الإعلام اليمني، إن المؤسسات “تحوّلت إلى أدوات عسكرية لإذكاء الصراع وتغذية العنف” بدلاً من ممارسة دورها الرئيسي في تعزيز قيم السلام والتسامح وتشجيع الحوار. ويضيف “هذا السلوك تحوّل إلى ثقافة وسابقة إعلامية خطيرة، خلّفت تداعيات سلبية من بينها إطالة أمد الصراع، وخلق بيئة مجتمعية مهيأة للاستمرار في العنف والاقتتال، فضلاً عن خلق الثارات والعداوات في المجتمع على مستوى الأفراد والمجتمعات أو المناطق والجغرافيا، الأمر الذي يسهم أيضاً في تعميق الفجوة بين الأطراف المتصارعة، ويعيق جهود تحقيق المصالحة”.


أكثر الوسائل تورطاً

دفعت منظمات دولية، وعلى رأسها اليونسكو، عدداً من المؤسسات والمراكز الحقوقية اليمنية إلى تقصي الظاهرة والعمل على تمويل برامج لكبح خطاب الكراهية في وسائل الإعلام خلال الحرب. وعكفت المنظمات المحلية على فحص محتوى الوسائل الإعلامية التابعة لكافة أطراف النزاع، ورغم الإجماع على تورط كافة الوسائل في تأجيج العنف، أكد باحثون لـ”العربي الجديد”، أن القنوات الفضائية كانت الأكثر تورطاً في نسبة خطاب الكراهية بالنظر إلى تعدد المحتوى الذي ابتعد كثيراً عن أخلاقيات المهنة، خصوصا في ما يتعلق بالتشهير والتحريض وعرض جثث أو إهانة أسرى حرب. 


حازت قنوات التلفزة خلال سنوات الحرب، على اهتمام خاص من قبل أطراف الصراع، نظرًا لقدرتها على النفاذ والتغلغل في أوساط المجتمعات بما في ذلك الشرائح الأقل تعلماً التي بدت أشد تأثراً بالخطاب التحريضي الذي تتلقاه، وفقاً لخبراء. 


القنوات الفضائية كانت الأكثر تورطاً في نسبة خطاب الكراهية بالنظر إلى تعدد المحتوى الذي ابتعد كثيراً عن أخلاقيات المهنة، خصوصا في ما يتعلق بالتشهير والتحريض وعرض جثث أو إهانة أسرى حرب


وخلافاً لبعض المؤدلجين الذين يؤمنون بمشاريع جماعاتهم، وقع العشرات من الإعلاميين فريسة لاستغلال أطراف النزاع، حيث أجبرتهم الظروف المادية على القبول بأدوار كهذه والتخلي عن المسؤولية الأخلاقية للصحافة تجاه المجتمع. 


وحاولت مؤسسة “منصة” إنقاذ هذه الشريحة من الإعلاميين، عبر طرح إعلان مواجهة خطاب الكراهية، وذلك بالدعوة إلى الالتزام بالمهنية وأخلاقيات العمل الصحافي في كل التناولات الإعلامية وترسيخ قيم الحرية والتنوع والتعدد، واحترام الحقيقة وحق الجمهور في الحصول عليها دون تشويه أو تحوير، وعدم نشر الإساءة الجارحة بحق الآخرين، لكن ذلك لم يُترجم على أرض الواقع.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً