خير الدين الزركلي: محطّةٌ في عمّان لوصف بلاد الشام

في الرابع والعشرين من تمّوز/ يوليو عام 1920، دخل جيش الاحتلال الفرنسي إلى دمشق بعد معركة خاضها القائد السوري يوسف العظمة رمزياً في ظلّ اختلال موازين القوى عسكرياً وسياسياً لصالح الفرنسيين، الذين أصدروا حكماً غياباً في ذلك الوقت على خير الدين الزركلي بسبب مقالاته الصحافية المناوئة للاستعمار، وقصائده الداعية إلى مقاومته.


برز في تلك اللحظة التاريخية تساؤلٌ أساسي حول مصير آسيا العربية التي انهار فيها الحكم العثماني، ألحّ على عدد من الشخصيات العامة، ومنها المؤرّخ السوري (1893 – 1976) الذي غادر العاصمة السورية إلى فلسطين ومنها إلى الحجاز، مشغولاً بتحشيد القوى لمواجهة ما يحدق بالأمّة من كوارث لا تزال تداعياتها حاضرة إلى اليوم.


يناقش الزركلي في كتابه “عامان في عمّان” (1925) أحداثاً مهمّة كان شاهداً عليها وأبدى حيالها آراءه أمام أصحاب الشأن، كان محورها التقاسم الفرنسي البريطاني للمنطقة بعد اتفاقيتَيْ سايكس بيكو وسان ريمو، عشيّة تشكيل مشهد سياسي جديد سيفرض تحالف الاستعمارَيْن والتباين بينهما تأثيراً كبيراً عليه، بالإضافة إلى تولّيه مناصب في الحكومة الأردنية الوليدة  عكست وجهة نظره في الإدارة والحُكم.


انشغل بمصير آسيا العربية بعد انهيار الحكم العثماني


بأسلوب يمزج بين البلاغة التي نشأ عليها الأدباء حتى بدايات القرن العشرين، وبين إلمامه بمجالات متعدّدة في التاريخ والجغرافيا والسياسة والعمران، يصف الكاتب تفاصيل الأمكنة التي تنقّل بينها، حيث يذكر كيف كانت العاصمة الأردنية تُشبه قرية قليلة السكّان تتوسّط قبائل الجوار التي تأتيها لبيع ما تنتجه مواشيها، فللتجارة فيها “شِبه سوق”، كما يسكنها الشراكسة الذين تملّكوا بعض مزارعها، وتجّارٌ قدموا من الشام ونابلس افتتحوا فيها حوانيت صغيرة.


يورد الكتاب الأجواء التي سادت مع قدوم الأمير عبد الله سعياً لتأسيس قوّة عسكرية لمقاومة الفرنسيّين، لكنّه يُشير إلى نقص الأموال لديه، ما يعني إعاقة المهمّة التي أتى من أجلها، ما دفع شيوخ البدو إلى تقديم تبرّعاتهم التي اعتبرها الأمير قرضاً سيردّه إليهم حال وصوله إلى سورية. ولا يفوته ذِكْرُ ما يُكتب في الصحف المصرية والفلسطينية والأردنية حول هذه المتغيّرات، مع تعليقات الزركلي حول مضامينها التي تُشكّك في نوايا عبد الله أو تناصرها.


في انحيازه إلى الهاشميين انطلاقاً من انتمائه إلى “حزب الاستقلال” الذي نال حظوة عالية لديهم، لم يُخف صاحب كتاب “ما رأيتُ وما سمعت” ملاحظاته وانتقاداته حيال العديد من السلوكيات، بل إنه كان حريصاً على قول كلّ ما يعلمه من بواطن الأمور، ومنها إخفاء الأمير عبد الله نصّ الاتفاق بينه وبين ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطانية حينها، في القدس، وإعلانه أن الإنكليز تنازلوا له عن المنطقة، وأن مستقبلاً زاهراً ينتظر البلاد.


يستعرض الزركلي العديد من الروايات، بعضُها بأسلوب ساخر حول الألقاب العَليّة التي منحها الأمير للعشرات بغية استرضائهم وكفّ نقمتهم عنه، وكذلك ما فعله حين أنعم على سعد الدين شاتيلا لقب “باشا” بعد أن اقترض منه مئتين وخمسين جنيهاً نظراً لفراغ صندوق الحكومة من المال. كما يورد أحوال التعليم في شرق الأردن بعد تعيينه مشاوراً (مسؤولاً) للمعارف، حيث لم يكن في الإمارة إلّا ثلاثٌ وعشرون مدرسة ابتدائية، وثانويتان، ولم تتجاوز ميزانية إدارة المعارف ستّ آلاف جنيه.


في زياراته إلى المدن الأردنية من أقصى الشمال إلى الجنوب، يفصّل صاحب “كتاب الأعلام” تضاريسها وطبيعتها وكذلك أسماء العائلات والعشائر التي تقطنها، وعدد بيوتهم وما يمتلكونه من أراضٍ ومواشٍ وما يزرعونه من محاصيل، مع إشارته إلى أنه استقى هذه المعلومات من أبنائها في أحيان عدّة.


ويتوقّف عند حالة السخط التي تملّكت الأمير عبد الله حين بلغه نبأ تعيين شقيقه فيصل ملكاً على العراق، موزّعاً غضبه على والده وإخوته والإنكليز وأهل العراق، وكيف أنه لم ييأس من استعادة عرش العراق كما توضّحه حوادث عدّة، منها طلبه من رئيس حكومته في أحد الاجتماعات أن ينال الراتب نفسه الذي يُمنح لفيصل ــ ومقداره ستّة وثلاثون ألف جنيه سنوياً ــ فتمّ تذكيره بأن ميزانية العراق خمسة ملايين بينما لا تصل في الأردن إلى أكثر من مئة وخمسين ألفاً، فكان ردّ الأمير أنه “ملكُ العراق الشرعي”.


يبيّن الزركلي في كتابه ثلاث لحظات عاشها الأمير، أوّلها منشوره الثوري حين دخل الأردن، ثم خُطبته الحائرة حين وصل عمّان، وانتهاءً بخيبة أمله بعد زيارته إلى لندن عام 1923، وهي زيارة كرّست ملامح حكمه الضعيف وانكفاءَ حلمه بتوسيع إمارته شمالاً أو شرقاً.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً