داون تاون: وسط المدينة الذي لا يشبه شيئاً

في زمن يضيق خلاله الفضاء الإنتاجي ومساحة الشركات بتقديم عمل ضخم الكلفة يمتد لموسم كامل كما في شهر رمضان، غامرت شركة “فالكون فيلمز” بتقديم أول أعمالها في مجال الدراما التلفزيونية وحمل اسم “داون تاون”.


المسلسل اتخذ من وسط العاصمة بيروت اسماً له ليروي نظرياً ومن خلال عنوانه “الوجه الآخر للمدينة”، وكأنّه يشرح للجمهور بشكل سري عن طريق حكايات العمل عن وجود حياة أخرى تختلف عن التي نشاهدها بشكل يومي في شوارع المدينة. ورُصد للعمل ميزانية كبيرة بدءاً من أجور بعض فناني العمل، والتي وصلت إلى أرقام قياسية بالنسبة لشركة تنتج عملاً درامياً لأول مرة، وتجمع في بطولته عدة نجوم معاً فلا تعتمد على الثنائية التقليدية في إطار الدراما المشتركة.


كما اختارت الشركة أن تقاوم ظروف التصوير في ساحات بيروت وحاراتها بالتزامن مع فترات الإقفال العام، كي تروي حكاية تبدو من الخارج أقرب للحكايات الشعبية التي تصنع من الناس العامة أبطالاً وتحفر شخصياتهم في ذهن الجمهور.

وعن قصة لكلود أبي حيدر وسيناريو وحوار محمود إدريس، انطلق المخرج السوري زهير قنوع بتصوير العمل في شباط/ فبراير من عام 2021، جامعاً أمام كاميرته فنانين عربا لم يسبق أن التقوا معاً في عمل واحد. فهو ومن بداية الإعلان عن المسلسل يمتلك أوراقاً رابحة لمخرج حظي بفرصة وجود عبد المنعم عمايري وسامر إسماعيل وأمل بوشوشة وكارمن لبس ووفاء موصللي ومحمد عقيل، وعدد وافر من الوجوه الشابة إضافة لحضور الفنانة اللبنانية ستيفاني صليبا.


كل ذلك ترافق مع حملة إعلامية كبيرة للعمل. ولعله المسلسل العربي المشترك الأول الذي تنشر “بوسترات” لأبطاله قبل انطلاق تصويره، ومن ثم تسلّم دفة الغرافيك لشركة متخصصة يقودها المخرج السوري حسام الحمد لتصميم الشارة بطريقة إبداعية خاصة مع بوسترات لجميع نجوم المسلسل بدقة عالية ولونية مميزة.


الترويج لم يتوقف، بل أضيف لذلك حضور الفنان اللبناني وائل كفوري بصوته لغناء شارة المسلسل وهي التجربة الأولى لكفوري في عالم الشارات الدرامية، وفعلاً تمكنت الأغنية التي حملت اسم “كلنا مننجر” وسبقت عرض المسلسل بأسبوعين من دخول التريند العربي في “يوتيوب” وصناعتها حالة تفاعل كبيرة رفعت من مشاهدات الأغنية إلى الملايين، وباتت تتردد على كل لسان.



أما العثرات فبدأت بإيقاف تصوير العمل أكثر من مرة نتيجة الإقفال العام وانتشار فيروس كورونا والذي داهم تصوير المسلسل وأصاب جزءاً كبيرًا من الكادر. ومع ذلك لم تتوقف الشركة عن التصوير وتابعت بعمليات الإنتاج ما أثرّ سلباً على الحالة النفسية لبعض الممثلين وبالطبع على النتيجة النهائية. ورغم اللهاث للحاق بالموسم الرمضاني، لم يجد المسلسل فرصة له للعرض خلال السباق الدرامي فاختارت الشركة وبكلمات مقتضبة أن تؤجل المسلسل إلى عيد الفطر، وتسمّي ذلك بـ “مسلسل العيد”، متناسيةً أن الجمهور العربي يخرج من الموسم الرمضاني بتخمة درامية كبيرة تجعله بشكل لا إرادي يبتعد عن الدراما فترة جيدة نسبياً حتى يستعيد الشغف لمشاهدة المسلسلات من جديد.


ورغم حلول العيد إلا أنّ المسلسل تعرّض لتأجيل مرتين متتاليتين، الأولى بسبب أحداث حي الشيخ جراح في القدس، وتأثيرها على مواقع التواصل الاجتماعي، والثانية لأسباب إنتاجية تتعلق بعدم اللحاق بتسليم الحلقات بالوقت المطلوب.

أما الأزمة الأكبر التي واجهت العمل في طريق العرض كانت المنصة التي ستبث من خلالها الحلقات، فرغم المفاوضات مع منصة “شاهد” لنيل حقوق العمل لكن الاتفاق لم يكتمل، فاضطرت الشركة لبيع المسلسل إلى منصة بديلة أقل جماهيرية تحمل اسم “جوّي” وهي التي سبق وعُرض عليها مجموعة من الأعمال الدرامية والسينمائية، ولم تلقَ أي نجاح يذكر مثل عشارية “هوس” للفنان عابد فهد والفنانة هبة طوجي، وفيلم “الثلاثاء 12” للفنانين نيللي كريم وباسم ياخور.


ومع بدء العرض المجحف بحق المسلسل حيث أدرجت كافة الحلقات دفعة واحدة على المنصة وجرى تسريبها عبر الإنترنت لصالح مواقع غير رسمية، فقد العمل ألقه المنتظر واكتفى نجوم المسلسل بنشر مقاطع لمشاهدهم على صفحات التواصل الاجتماعي، وبذلك غابت حالة “التريند” التي كان للعمل أن يصنعها ولو عُرض بالموسم الرمضاني وعبر تدفق يومي على القنوات التلفزيونية يوماً تلو الآخر بشكل متتال.




المشكلة الأكبر في المسلسل بدأت مع بداية العرض حيث حدثت الخيبة بالنتيجة المقدمة على الشاشة، فلا تجانس في بنية المشاهد أو ترابطا منطقيا يجمع بينها، وكأنّ المونتاج لحلقات العمل يوحي بوجود أكثر من مسلسل ضمن المسلسل الواحد.

كما علمت “العربي الجديد” أنّ مخرج المسلسل زهير قنوع تدخل بشكل شخصي في تغيير السيناريو خلال تصوير العمل وفي أماكن تنفيذ المشاهد، إذ أعيدت كتابة الحوارات بشكل مباشر فجاءت مفككة غير ناضجة ولا تنسجم مع بعضها في سياق درامي متين.


وانعكس ذلك بدوره على غياب إدارة الممثل، فظهر غالبية أبطال العمل رغم دراستهم الأكاديمية وتجاربهم السابقة الناجحة بأضعف حالاتهم، فهل نصدّق أن الفنانة اللبنانية كارمن لبس التي لفتت أنظار الجميع بدورها ضمن مسلسل “عشرين عشرين” تظهر بهذا الأداء الفاتر في “داون تاون”؟ حالها حال الفنانة الجزائرية أمل بوشوشة بعد تقديمها دورا لافتا في المسلسل السوري “على صفيح ساخن” خلال موسم رمضان لتقدم في “داون تاون” أداءً باهتاً للغاية. الصدمة طاولت أيضاً الفنان السوري عبد المنعم عمايري بعد نجاحه المبهر في مسلسل “قيد مجهول” قبيل رمضان، ولا نغفل أيضاً إخفاق الفنان السوري سامر إسماعيل في ضبط دفة القيادة رغم حصوله على مقعد البطولة الأول في المسلسل.


فإذا ما كنتَ تتابع المسلسل، فإنّ حالة الاصطناع المرافقة للحوارات وتركيبة المشاهد ستفقدك النكهة الأهم لهكذا حياة وهي حالة الشارع النابض بالحياة والعلاقات الندية بين أصحاب الدكاكين وساكني الحي، لتنقلب شوارع بيروت برؤية المخرج زهير قنوع إلى حارات هوليودية تتفجر فيها السيارات وتحترق من أجل نزال شوارع في حلبة يلعب بها الأغنياء القمار.


بذلك يبدو “داون تاون” مسلسلاً لا يخرج من عباءة الأعمال التجارية البحتة، رغم كافة العناصر الفنية الموجودة في المسلسل والميزانية المالية الضخمة وفترة الإنتاج الجيدة نسبياً، ما يعني أنّ المشروع الدرامي الفني لا يزال متعثراً في ظل غياب الرؤية الفنية السليمة القادرة على حفظ حقوق الكاتب، وبناء موثوقية بينه وبين المخرج عبر إعداد بروفا طاولات يمكن من خلالها ضبط الأداء والتحكم بسير الحكاية لإنجاز مسلسل قوي بصرياً حكائياً وتسويقياً.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً