دومينيك كمنغز: عرّاب مصيبة بريكست أو "ستيف بانون البريطاني"

دومينيك كمنغز: “قطار التغيير ماضٍ … إنه من النوع الذي لم تتوقعه… لم أتوقعه أنا أيضاً. إنه قاسٍ، ولكني أتقبله، ولن تستطيع إيقافه. هناك سياسة جديدة في البلاد لن تستطيع أنت وتيارك التحكم بها”. كريغ أوليفر: “احذر مما تتمناه… لن تستطيع أنت أيضاً التحكم بما تتحدث عنه”. هذا الحوار دار بين المخطِط الاستراتيجي لحملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دومينيك كمنغز وبين قائد حملة التصويت بـ”نعم للبقاء في الاتحاد” كريغ أوليفر، ضمن الفيلم الدرامي “بريكست: أنسيفيل وار”، الذي يغوص في خبايا بريكست، ويلخص أكبر أزمة سياسية تعيشها بريطانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

عند الحديث عن بريكست، يتداخل السياسي بالاجتماعي والاقتصادي. ووسط معمعة الانقسام والجدل تبرز عدة أسئلة، بعضها يحتاج إلى فصول من الشرح، لكن ما يعنينا هو إحدى أهم الشخصيات التي تصدرت المشهد السياسي وساهمت بإقناع الشارع البريطاني بضرورة الخروج من الاتحاد الأوروبي لـ”استعادة السيطرة مرة أخرى”، والذي أصبح يشغل حالياً منصب المستشار السياسي الخاص لرئيس الوزراء بوريس جونسون. “مختل عقلياً، ومهووس بمهنته”، لم يتردد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون بالرد بهذه الكلمات حين سئل من قبل أحد أعضاء حكومته عن رأيه في كمنغز. ورغم أن الشخصين لم يلتقيا أبداً، على الأقل في العلن، إلا أن حياتهما السياسية كانت مرتبطة بشدة. فعندما دخل كمنغز السياسة من أوسع أبوابها في الاستفتاء التاريخي خرج كاميرون من 10 داوننغ ستريت يجر أذيال الهزيمة، بعد أن فشل رهانه على أن الشعب البريطاني لن يصوت على الخروج، وأن الاستفتاء سيُسكت أصوات صقور حزبه المحافظ بضربة واحدة وللأبد. ويتحدر كمنغز (47 سنة) من مدينة دورهام شمال شرقي إنكلترا، وعمل والده في صناعة النفط، ووالدته كانت معلمة لذوي الاحتياجات الخاصة. أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في المدارس الرسمية، وحصل على الشهادة الجامعية من كلية اكسيتير في جامعة أكسفورد، وكان تخصصه في مجال “التاريخ المعاصر”.

لم ينتسب كمنغز إلى اتحاد الطلاب في الجامعة، ولم يكن حتى مهتماً بالمشاركة في نشاطاته، رغم أن الشاب، المتحدر من أسرة من الطبقة الوسطى، كان يعشق الجدل والدفاع عن قناعاته خلال المحاضرات، ويصفه أحد أساتذته آنذاك بأنه “شديد الإصرار على برهنة صحة ما يقوله، إذ كان يقضي ساعة كاملة في طرح آرائه”. لم يكن المسار المهني البعيد عن السياسة لكمنغز ذا شأن يذكر، فبعد تخرجه أمضى ثلاث سنوات (من 1994 حتى 1997) في روسيا الخارجة حديثاً من بوتقة الاتحاد السوفييتي. وفي حين لا يتوفر الكثير من المعلومات عن طبيعة ما قام به كمنغز هناك، إلا أن صحيفة “ديلي تليغراف” تنقل عن أحد أصدقائه قوله: “استطاع كمنغز خط مسار مهني وعلاقات رغم عدم إجادته اللغة الروسية”. وبحسب كتاب المؤلف أوين بينيت، الذي رصد السيرة السياسية لوزير التعليم البريطاني السابق مايكل غوف، فإن كمنغز عمل لفترة من الوقت في شركة خطوط جوية فاشلة، أغلقت بعد رحلة واحدة فقط.

وبعد عودته إلى بريطانيا تنقل كمنغز في وظائف هامشية، لكن دخوله غمار السياسة بدأ مع عمله في حملة “لا” الرافضة لتبني اليورو كعملة وطنية بدلاً من الجنيه الإسترليني في العام 2002. وللمفارقة، كان الشعار الذي ابتكره كمنغز آنذاك للحملة “لا لليورو، نعم لأوروبا”. بعد ذلك، انخرط كمنغز سريعاً في الحملة الرافضة لمقترحات الحكومة في العام 2004 ضمن ما يسمى “الجمعية العمومية لشمال شرقي إنكلترا”، وهي أشبه بمجالس محلية يتم انتخابها لوضع خطط تطوير، ويتم تمويلها من الحكومة. هنا كانت تجربة كمنغز قد صقلت خبرة الرجل في توجيه الرأي العام. ولإقناع الجمهور المحلي من أجل رفض الجمعية العمومية، قام كمنغز، وصديقه جيمس فريم، بصنع مُجسم على شكل فيل أبيض، كدلالة على أن المقترح الحكومي هو عبارة عن إضاعة لأموال دافعي الضرائب. تفاعل الجمهور آنذاك مع الشعار الذي ابتكره كمنغز، وتناقلت وسائل الإعلام المحلية الشعار بكثافة، وهو ما أدى في النهاية لخسارة المقترح الحكومي في التصويت بشكل فادح.

عودة كمنغز مرة أخرى للسياسة كانت هذه المرة عبر وزير التعليم السابق المحافظ مايكل غوف، إذ عمل كمنغز مستشاراً خاصاً له في الفترة الممتدة بين 2007 و2014. كانت سياسات غوف في الإصلاح التعليمي مثيرة للجدل، إذ طبق سياسة حكومة حزب المحافظين التي ركزت على التقشف وتقليل النفقات العامة. وأكثر ما كان يكرهه كمنغز آنذاك هو اتحادات المعلمين، التي اعتبرها أكبر عائق لرؤيته للإصلاح. وخلال فترة عمله، إلى جانب غوف، يصفه أحد الذين اطلعوا على أسلوبه في العمل، قائلاً: “أي شخص يعرف دوم ــ بمن فيهم أولئك الذين يحترمونه – سيخبرك أن استراتيجيته هي إحراق الأرض وتدمير ما أمامه لإعادة بناء شيء آخر”. ربما لذات السبب وصفت صحيفة “الغارديان” رؤية كمنغز لإصلاح التعليم بأنها “مجنونة، سيئة، عبقرية. ربما خليط من كل ذلك”. لكن نجاح تجارب كمنغز في إقناع الرأي العام برفض اليورو والجمعية العمومية في شمال شرقي إنكلترا، لم يكن كافياً لكي يتجذر حضوره داخل الطبقة السياسية من نخبة حزب المحافظين وداعميهم من رجال الأعمال، خصوصاً أن كمنغز لم يكن يوماً عضواً في أي حزب، ولا حتى المحافظين.

كان زواج كمنغز من ماري ويكفيلد يعتبر دعامة أساسية في حياته. فويكفليد سليلة أسرة ثرية ونائبة رئيس التحرير في صحيفة “السبيكتيتور”. وارتباط كمنغز بويكفيلد قربه بشكل مباشر من طبقة رجال الأعمال، ووفر له منبراً إعلامياً مهماً أيضاً، كما أن دخل زوجته وثروة أبيها، أعطيا كمنغز الوقت والرفاهية الكافيَين لكي يقرأ ويكتب خلال الفترة التي تلت تركه عمله في حكومة المحافظين في 2014 إلى حين انتقاله لقيادة حملة “نعم” لخروج بريطانيا من أوروبا في العام 2016. لا يعتني كمنغز بمظهره الخارجي، ولم يشاهد أبداً مرتدياً ربطة عنق. لم يحب الرجل الظهور الإعلامي، لكن مدونته الشخصية تمتلئ بمقالات مطولة تحتوي على أفكاره وتصوراته في السياسة والاجتماع. لم يخف كمنغز ازدراءه للوضع السياسي العام في بريطانيا والغرب عموماً، وهذا يفسر النبرة الغاضبة التي تمتاز بها مقالاته، بل وحتى تعاملاته اليومية مع من حوله.

البعض يشبه كمنغز بستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فكلاهما يعتبر من العقول الاستراتيجية للشعبوية اليمينية الصاعدة في الغرب عموماً. وربما يوجد هناك بعض أوجه الشبه بين الرجلين، فبانون وكمنغز يشتركان بصياغة نفس الخطاب المعادي للنخب السياسية، التي يُحملها الرجلان مسؤولية فشل سياسات التنمية والعدالة الاجتماعية، وهما أدارا الأدوات الإعلامية بحرفية وذكاء. ففي تجربة بانون، يبرز موقع “بريتبارت” اليميني الذي يحظى بشعبية في أوساط الأميركيين البيض، وينسب للرجل أيضاً استخدام التكنولوجيا الرقمية في الوصول إلى فئات اجتماعية لم تكن مهتمة بالسياسة وجذبها لطروحات اليمين، وهو ما مكن ترامب من الفوز بولايات كانت تصوت تاريخياً مع الديمقراطيين، وخصوصاً من فئة العمال.

لكن، كيف استطاع كمنغز الفوز بتحدي التصويت بنعم لترك الاتحاد الأوروبي، رغم أن كل توقعات استطلاعات الرأي السابقة للحدث، في 23 يونيو/حزيران 2016، كانت ترجح غير ذلك؟ لا يسهل الجواب على هذا السؤال، وهنا تبرز قدرة كمنغز على صياغة خطاب إعلامي استطاع إقناع أكثر بقليل من نصف البريطانيين بأهمية الخروج من الاتحاد. كمنغز الذي أمضى آخر سنتين قبل استفتاء بريكست بلا وظيفة دائمة، كان شديد التركيز على ما تشهده بريطانيا والغرب عموماً من تغييرات اجتماعية وسياسية، لم تستطع الأحزاب التقليدية، خصوصاً تلك المحسوبة على يسار الوسط، إدراكها. المدن الصناعية في بريطانيا، والتي شهدت باكورة الثورة الصناعية الكبرى لم تعد صناعية بعد الآن. مصانع أغلقت تدريجياً منذ بداية عهد رئيسة الحكومة مارغريت تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي، وانتقلت إلى الصين والهند ومناطق أخرى في آسيا. ومع اختفاء هذه المصانع، ذهبت وظائف كان يعول عليها السكان المحليون، وتحول الاقتصاد في بريطانيا، كما هو الحال في معظم دول الغرب، إلى أشبه بالاقتصاد المالي المصرفي، شعرت فيه فئات اجتماعية من العمال والطبقة الوسطى بأنها مهمشة ومتروكة لغلاء المعيشة وتقلب الجنيه الإسترليني وعواصف الأزمات المالية العالمية. ومع تدفق مئات آلاف المهاجرين، من أوروبا الشرقية خصوصاً، تصاعد الخطاب السياسي المعادي للمهاجرين، والذي يحملهم مسؤولية الركود الاقتصادي وتردي خدمات القطاع العام، خصوصاً في المستشفيات.

وكان كمنغز يدرك كغيره أن ظاهرة “الرجل الأبيض الغاضب” قد أخذت منحى أسرع مما أدركته الأحزاب التقليدية، وهو بالذات الذي نبهه إلى أن استفتاء الخروج في العام 2016 سيكون الفرصة التي يعيد فيها صياغة قواعد اللعبة السياسية في بريطانيا، لصالح أخرى أكثر تعبيراً عن الفئات المهمشة، ولا تحمل مجاملات للأقليات والمرأة ولا يوجد مكان فيها “للصواب السياسي”. “استعادة السيطرة مجدداً”، و”350 مليون جنيه إسترليني تذهب أسبوعياً للاتحاد الأوروبي. فلتذهب تلك الأموال إلى المؤسسة الوطنية للصحة”، شعاران من ابتكارات كمنغز، كانا حاسمين في إثارة النزعة القومية لدى البيض، ومخاطبة مشاعر الاستياء الناجم عن تدني الخدمة المقدمة في المؤسسة الوطنية للصحة. لكن بالقدر الذي كان يلعب فيه كمنغز ورفاقه من صقور حزب المحافظين على إثارة النزعة القومية لدى البيض، كان يدرك أن الذهاب بعيداً في إثارة تلك القضايا لن يساعد بالوصول إلى كل الفئات الجماهيرية، في بلد تتنوع به القوميات والعرقيات.

رفض كمنغز كل محاولات زعيم حزب “بريكست” نايجل فاراج للمشاركة مع فريقه بالحملة، ورفض كل الدعم المالي الذي كان من الممكن أن يجلبه فاراج معه عن طريق صديقه الملياردير أرون بانكس. أدرك كمنغز أن شخصية مثيرة للجدل ومعادية للمهاجرين مثل فاراج ستؤدي إلى وصم حملة التصويت بنعم بصبغة أيديولوجية معادية للمهاجرين، ولذلك رفض أيضاً أن يضع قضية المهاجرين، بشكل صريح، في واجهة الخطاب الإعلامي لحملته. لكنه وبذكاء وخبث ضمنهما بشكل غير صريح في ثنايا حملته الإعلامية، واستخدم احتمالية دخول تركيا للاتحاد الأوروبي كسبب للخوف من عضوية بلد بالنادي الأوروبي يسكنه 70 مليون مسلم، رغم أن كمنغز يدرك جيداً أن هذا لن يحصل أبداً.

“أودا لوب” تقنية أخرى استخدمها كمنغز، هذه التقنية التي نظر لها الاستراتيجي العسكري الأميركي جون بايد، كانت تتركز أساساً على صناعة استراتيجية استباقية مضادة للشائعات. كان كمنغز يجتمع بفريقه كل يوم جمعة، ويقوم بجلسة عصف ذهني عما يُمكن صناعته من إشاعات من الفريق المضاد، وما هي الرواية المضادة التي يمكن تقديمها للجمهور البريطاني لدحضها. بهذه الطريقة تمكن كمنغز من التقدم دائماً بخطوة على فريقه المقابل، الذي كان يعتبر الفوز بالاستفتاء شبه مضمون. كما أن أدوات كمنغز لم تقتصر على الإعلام التقليدي والشعارات السياسية، إذ أدرك مبكراً دور وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة الرأي العام، خصوصاً في فوز ترامب بانتخابات الرئاسة في 2016، وما استخدمه الروس من تقنيات إثارة الخوف والعصبيات والمسائل العرقية. وبحسب ما كشفه وثائقي شبكة “نتفليكس” الشهير ” The Great Hack “، فإن شركة “كامبريدج أنالتيكا”، التي تورطت بفضيحة استخدام بيانات ملايين المستخدمين الأميركيين في موقع “فيسبوك”، قد شاركت بفعالية في فريق كمنغز، بل ويسمع صوت الرئيس التنفيذي السابق للشركة ألكسندر نيكس وهو يقول لموظفيه باجتماع مغلق: “شاركنا في حملة بريكست، لكننا لا نتحدث عن ذلك أبداً”.

كمنغز الآن وبعد نجاحه في حملة بريكست، يشغل منصب المستشار السياسي الخاص لرئيس الوزراء بوريس جونسون. ويعتبر خصوم جونسون أن الأخير مجرد متلق لما يقوله “مستشار الشر” كما تصفه الصحافة المناوئة له، فيما يقول آخرون إن جونسون تعمد وضع كمنغز في الواجهة لكي يتلقى كل الانتقادات، وربما تتم التضحية به في قابل الأزمات السياسية التي تضج بها بريطانيا، ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً. لكن بغض النظر عمن يؤثر في الآخر، يبقى كمنغز رقماً صعباً في السياسة البريطانية، ولن تنسى البلاد أنه العقل الاستراتيجي الكامن وراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد عضوية دامت قرابة الأربعة عقود.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً