ديفيد أتينبره: قبل أن يختفي داخل غابة في تشيرنوبل

عندما أتم ديفيد أتينبره العقد الأول من عمره، في نهاية الثلاثينيات، كان عدد سكان الأرض من البشر لا يتجاوز 2.3 مليار. اليوم، وهو في العقد العاشر من عمره، يخرج علينا أتينبره، راوي وثائقيات الطبيعة الإنكليزي وكاتبها الشهير، بوثائقي جديد، ليقول لنا إن الوقت قد حان كي تتوقف أعدادنا، نحن البشر، عن التزايد. والسبب هو أنه ليس ثمة من متسع للجميع. فكما يقول أتينبره: “كوكبنا محدود.. وحياتنا عليه محدودة أيضًا”. الزيادة الكبيرة والسريعة في أعداد البشر ونشاطات الزراعة والرعي اللازمة لإطعامهم، دمّرت إلى حد كبير الحياة في المحيطات وفي البرية التي عمل أتينبره طوال حياته على توثيقها.


على العكس من وثائقيات الطبيعة الشهيرة التي قدمها أتينبره، بدا هذا الأخير الذي تعرضه نتفليكس بعنوان: “ديفيد أتينبره: حياة على كوكبنا”، سوداويًا ومرعبًا إلى حد كبير. فبينما يتتبع الفيلم في تسلسله الزمني محطات مهمة من حياة أتينبره، تظهر لنا، على هامش هذه المحطات، أرقام حقيقية تبين تزايد أعداد البشر مقابل تراجع أعداد الكائنات البرية. وخلال ثمانين عاما مضت، تقول الإحصاءات إن نسبة الحياة البرية المتبقية انخفضت من 66 بالمئة نهاية الثلاثينيات إلى 35 بالمئة عام 2020. 

الكارثة لا تتوقف هنا، فبعد 80 عاماً أخرى، يقول لنا أتينبره: “أجزاءٌ واسعة من الأرض ستصبح غير صالحة للحياة.. الملايين من الناس يصبحون بلا مأوى.. وانقراض جماعي سادس يلوح في الأفق”. كل ذلك بالطبع إذا ما استمرت أعداد البشر بالتزايد وبقيت نشاطات استهلاك الوقود الأحفوري والزراعة والرعي على حالها. 




في إنكلترا، يُلقب بالسير ديفيد أتينبره، ويحتفي به الإنكليز في كل مناسبة لتكريمه وتخليد اسمه، بدءا من التكريم الملكي، وحتى إطلاق اسمه على عدد من الكائنات الحية والمنقرضة.

يعترف أتينبره وهو في الـ 94 من عمره، بالحظ الوافر الذي ناله في حياته، يقول: “نلت نصيبًا لا يُصدّق من الحظ.. بالتأكيد كنت سأشعر بكثير من الذنب لو أنني عرفت ما هي المشاكل وقررت بعد ذلك تجاهلها”. الحظ يرتبط أيضًا بكونه إنكليزيًا، بدأ كمتدرب في “بي بي سي” في مطلع الخمسينيات حينما لم يملك العديد من الإنكليز، بمن فيهم هو نفسه، تلفازًا. يقول: “كبرت في الوقت المناسب تمامًا، بداية حياتي المهنية تزامنت مع بداية السفر الجوي حول العالم”.


وكما يروي لنا في الوثائقي، كانت مهمته في استكشاف البرية سهلةً في البداية، حيث كان عليه -على حد وصفه- تصوير البريّة للناس في بلاده، ولم يكن هؤلاء آنذاك قد رأوا حيوانات مثل آكل النمل والكسلان من قبل على شاشة التلفاز. سافر أتينبره مع زملائه حول العالم، البدايات طبعًا كانت في أفريقيا، تحديدًا سيراليون، في الوقت الذي كانت لا تزال فيه مستعمرة من قبل بريطانيا، وطن أتينبره. يقول واصفًا رحلاته في العشرينيات من عمره: “أينما ذهبت، كانت هناك حياة برية.. كان بإمكاننا الطيران لساعات فوق بريّة لم يمسسها (البشر)”. 



يعود بنا الوثائقي إلى زيارته في عام 1971 لقبيلة في جزيرة “غينيا الجديدة”، تعيش في مجموعات صغيرة، وتعتمد في عيشها على الصيد، ليبين طرق الحياة المستدامة التقليدية. في الوقت نفسه، يتحدث أتينبره في الوثائقي عن البشرية وكأنها جمعاء مسؤولة عمّا وصل عليه الحال. يقول: “لم يعد العالم بريًّا كما كان.. لقد دمرناه.. ذاك العالم غير البشري اختفى..”. لكن، من يقصد أتينبره بقوله “لقد دمّرناه”؟ ربّما، كان لا بدّ من إشارةٍ إلى المسؤولين الحقيقيين عن ذلك؛ أي أصحاب رؤوس المال والدول الصناعية الكبرى المسؤولة عن أغلب انبعاثات الكربون. 


في الثلث الأخير من الوثائقي، يسمح الراوي لمشاهديه ببعض الأمل، فيقول إن الوقت لم يفت بعد، وإنه ما زال بإمكاننا تدارك الكارثة إذا ما اتبعنا قائمة من الإجراءات، يعرضها لنا من خلال نماذج حقيقية بدأت في مجموعة من الدول وحققت نجاحات محدودة محلية.


من هذه البلاد، المغرب، الذي تحوّلت مصادر استهلاك الطاقة فيه بشكل ملحوظ منذ الأربعينيات، بعد أن كان يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز المستوردين، صار قادرًا على سدّ نسبة لا يستهان بها من احتياجاته للطاقة بالاعتماد على إنتاج طاقة نظيفة. ذلك بفضل مشاريع الطاقة الرياح والطاقة الشمسية مثل محطة “نور” في ورزازات، وهي إحدى أكبر محطات الطاقة الشمسية المركزة في العالم.


يأخذنا أتينبره سريعًا إلى جزيرة بالاو في المحيط الهادئ، ليحدثنا عن نجاعة حظر الصيد في مناطق معينة من المحيط، في استعادة التنوع الحيوي فيه من جهة، ووفرة الصيد بالتالي في المناطق المسموح بها بالصيد، من جهة أخرى. لاستعادة الحياة البرية على البشر تغيير حميتهم الغذائية، فالكوكب لا يتسع للمليارات من آكلي اللحوم، يقول أتينبره: “ليس هناك متسع كافٍ”.

إضافة إلى ذلك، لا بد من التراجع عن احتلال البرية بغرض الزراعة والرعي. الفيلم يقترح مزارعي هولندا نموذجًا لإنتاج زراعي أكبر في مساحات أصغر. ولاستعادة الغابات والتنوع الحيوي فيها، يذهب بنا إلى تجربة كوستاريكا في وقف إزالة الغابات وإعادة زرع الأشجار الأصلية.


هل تبعث هذه النماذج حقًا على الأمل؟ لأغراض درامية لا يمكن للوثائقي الوقوف عند التحديات في تعميم النماذج التي أتى على ذكرها. ويركز على ضرورة وقف وتراجع الزيادة في معدلات النمو السكاني.




للوصول إلى ذروة النمو السكاني سريعًا، يقترح علينا أتينبره اليابان كأفضل نموذج لخفض معدل الولادات، وذلك من خلال رفع مستوى المعيشة للأفراد، ولا سيما لدى الأسر الشابة، التي ستختار من تلقاء نفسها تنظيم النسل، وإنجاب عدد أقل من الأطفال بسبب الفرص المعيشية العالية المتوفرة لدى الفرد الواحد. 


ينتهي الفيلم حيث بدأ، في تشيرنوبل، حيث حاول أتينبره توضيح صورة شبيهة للمستقبل الذي ينتظر الجيل القادم، والذي سيكون أشد سوداوية من تشيرنوبل؛ حيث لا حياة للإنسان، ومن دون الإنسان أعادت الطبيعة هناك بناء نفسها، يقول ديفيد: “عالم الأحياء سيصمد”، في إشارة إلى أننا، نحن البشر، ربما لا نصمد. 


قبل أن يختفي داخل غابة نمت في تشيرنوبل، يقول: “ثمة فرصة لنصلح الأمر”. بالفعل هناك فرصة، لكن ما لم يأتِ على ذكره، هو أن الفرصة بيد الأغنياء والدول العظمى التي تمتلك العقول الأصلية والمهاجرة والقدرة المادية على إنتاج وتفعيل التكنولوجيا اللازمة، لتفادي الكارثة. وما نحن بحاجة إليه هو الإرادة السياسية، ولا سيما لدى الدول الأكثر قوة وتأثيرًا. وحتى إذا تحققت هذه الإرادة، تبين بعد انتخاب ترامب في عام 2016، أنّ الضمانات لاستمرارها ضعيفة. المؤسف، في النهاية، أن الفقراء في سيراليون وغينيا الجديدة وغيرها من الدول -كما دائمًا في الأزمات والكوارث- هم أول من يدفع الثمن، كما تدفعه الحياة البرية.  




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً