ذكرى ميلاد: تحية حليم.. سيرة بصرية لأرض النوبة

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، التاسع من أيلول/ سبتمبر، ذكرى ميلاد الفنانة التشكيلية المصرية تحية حليم (1919 – 2003). 



في عام 1961، نظّم وزير الثقافة المصري آنذاك ثروت عكاشة رحلة للفنانين التشكيليين من أجل رسم أرض النوبة قبل أن تغرقها مياه بحيرة ناصر، وكانت تحية حليم التي تحل اليوم الخميس ذكرى ميلادها، واحدة منهم، حيث رسمت بأسلوب يمزج تقاليد الرسم في الحضارة المصرية القديمة برؤية معاصرة حيث ألوانها الجريئة واستخدامها لورق الذهب في اللوحة.


أرادت الفنانة التشكيلية المصرية (1919 – 2003) توثيق المكان والإنسان معاً في مشهد اختفى بعد أن دشّنت البحيرة، وبقيت لوحاتها الأشهر التي صوّرت النوبيين وعاداتهم الاجتماعية متتبعة طقوس الأفراح والزراعة، وكذلك رسوماتها للنيل التي استمّدتها من تلك الصلة الوثيقة التي تربط النوبي بالنهر.




تصف الكاتبة سعاد عبد الوهاب تلك التجربة بقولها: “وجدت في النوبة مصدراً غنياً لفنها: الطبيعة، والناس، والعادات، والتقاليد، والبيوت، والملابس بألوانها الزاهية. صورت كل ذلك في أسلوب بسيط يخلو من تعقيدات المفاهيم التقليدية والنظريات الحديثة. اندفعت تصور حياة النوبة في تلقائية غنية وصياغة معاصرة للفنون القديمة، وعلى الأخص الفن القبطي الذي وجدته حياً نابضاً في النوبة وفنونها”.


عكست رسومات النوبة نضجاً فنياً كبيراً في تجربة حليم التي تُقسم إلى ثلاث مراحل؛ تمتّد الأولى من عام 1941، حيث أقامت معرضها الأول، إلى عام 1951، وتأثّرت بمدارس فنية مختلفة غلب عليها الأسلوب التعبيري، ثم أتت مرحلة الخمسينيات التي استطاعت فيها تطوير أسلوب خاص في الخط واللون والتكوين من خلال لوحاتها التي صوّرت فيها حياة الفلاحين المصريين، وصولاً إلى المرحلة الثالثة التي ألهمتها بلاد النوبة والرسوم الحائطية الفرعونية وتشابكت في لوحاتها البيئة والإنسان في نسيج واحد يتوارى فيه البعد الثالث ويبرز الاهتمام بالسطح الملمسي للوحة.




وُلدت تحية حليم في مدينة دنقلة بالسودان لوالد تدرّج في الخدمة العسكرية حتى انتقل إللعمل في القصر الملكي، وكان عليها أن تنال تعليماً خاصاً بحكم نشأتها هناك، فدرست الموسيقى واللغة الفرنسية كما تلقّت دروسا في الرسم على يد راهبة فرنسية، قبل أن تلتقي الفنان حامد عبد الله (1917 – 1985) ويتزوّجا ثم ينتقلا إلى باريس حيث تخرّجا من “أكاديمية جوليان” عام 1951.


يروي الكاتب صبحي الشاروني في كتابه “تحية حليم: الواقعية الأسطورية” أن عبد الله حاول بسط سيطرته وهيمنته على شخصيتها الفنية، فلم يدرك أنه حين حاول تعديل إحدى لوحاتها وكانا فى رحلة رسم على الشاطئ قد أصابها في مقتل، فكانت صرختها التلقائية وهي تحتضن لوحتها: لا. لا تمد يدك، ورغم أن زواجهما استمرّ بعد ذلك، إلا أنها طلبت الانفصال عنه رسمياً عام 1957، حيث قرّرت بعد ذلك التفرّغ للفن وعدم الارتباط مرة أخرى.


أنشأت مرسماً خاصاً بها في الزمالك لإنتاج وتدريس الفن، وتوزعت حياتها ما بين القاهرة وأوروبا والأقصر وأسوان والنوبة، وتركت أعمالاً لا تزال بعضها معروضة في العديد من المتاحف العالمية، مثل “المظاهرة”، و”شم النسيم”، و”مهاجرو كفر عبده”، و”القافلة”، و”الجوع”، و”الصيادون”، و”أطفال القرية”، و”سليمان والهدهد”، و”بيوت النوبة”، و”كركديه”، و”الماشطة النوبية”، و”عروسان من النوبة”، و”الخبز من الصخر”.

 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً