ذكرى ميلاد: رسول حمزاتوف.. وطن الشاعر قلبه

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الثامن من أيلول/ سبتمبر، ذكرى ميلاد الشاعر الداغستاني الروسي رسول حمزاتوف (1923 – 2003).



في كتابه “داغستان بلدي”، يقول رسول حمزاتوف الذي تحلّ اليوم الأربعاء ذكرى مولده: “لا تخبئ أفكارك. إذا خبأتها فستنسى في ما بعد أين وضعتها. أليست هذه حال البخيل، ينسى أحياناً المخبأ الذي وضع فيه نقوده، فيخسرها. لكن لا تعط أفكارك للآخرين. الآلة الغالية لا يجوز أن تعطى لطفل بدلاً من اللعبة. فإما أن يكسر الطفل، اللعبة، وإما أن يضيعها، وإما أن يجرح يده بها. لا أحد يعرف عادات حصانك خيراً منك أنت”.


هكذا آمن الشاعر الداغستاني الروسي (1923 – 2003) بقوة كلماته، وبأنه رسول إلى العالم ليقولها، وبأنه يمثّل شعبه الذي أحبه وانتخبه نائباً إبان حكم الاتحاد السوفييتي، ولا فضل ومنّة لسلطة عليه، وأنه كتب شعراً تعود جذوره لأغنيات أجداده في جبال داغتسان، ولأغنية صدحت بها والدته يوم أنجبته.


بهذه البساطة والصدق، عاش حمزاتوف حياته وكتب لها وعنها، فأتت كلماته عميقة واضحة مشبعة بالحكمة، لا همّ له سوى الكشف عن ماهية الإنسان وروحه طوال ثمانين عاماً، وهو يكتب خلاصة تجربته في أيامه الأخيرة: “ظهر في روسيا الآن ما سمّوه بالسوق؛ صارت البندورة أغلى من البشر، وصار بالإمكان شراء كل شيء، الضمير والبطولة، والموهبة والجمال، والأرض والأم. كلها صارت سلعاً، وتبدّلت مواقف كثيرين، يمكن للمرء أن يبدّل قبعته، لكن لا يمكن لرجل شريف أن يبدّل رأسه”.


آمن بأنه رسول إلى العالم ليقول كلمته، وأنه كتب شعراً تعود جذوره لأغنيات أجداده في داغتسان


اختار رسول أن يكون شاعراً مثل أبيه وأسلافه، حيث لا يمكنه وصف الجمال والتغني ببلده، والتغزّل بحبيبته، والحديث عن القلبق (غطاء رأس الداغستاني)، والنسور التي تختال فوق قمم داغستان، وقلبه المعلّق بجبالها، والثلج الذي يحاكي بياضه بياض القلب. لا يمكنه قول كلّ ذلك إلا بالشعر، لذلك يخاطبه قائلاً: “أيها الشعر: أنا لولاك يتيم”.


تخرج صاحب ديوان “عام ولادتي” من “معهد غوركي للآداب”، وفيه تعرّف على آداب العالم وحداثتها وهو الذي ينحدر من منطقة تتناقل الشعر والحكمة شفاهة على مرّ آلاف السنين، لكنه فضّل العودة إلى محج قلعة؛ العاصمة الداغستانية، التي لا يمكنه العيش خارجها، ولم يفارقها إلا حين أُرسل إلى موسكو للعلاج من مرض عصبي تسبّب في وفاته.


كتب حمزاتوف أولى قصائده عام 1937، وخرج ديوانه الأول قبل أن يبلغ العشرين تحت عنوان “حب لاهب، وحقد حارق”، وتوالت دووايته التي ترجمت إلى عشرات اللغات، ومنها “قلبي في الجبال”، و”نجمة داغستان”، و”علي يغادر الجبال”، و”أغاني الجبال”، وغيرها.


يدوّن في قصيدته “طالما الأرض تدور”:

القصيدة.. صنعة شعرية

لا وجود في العالم لمثل هذه الحرفة

يوجد السكون وتوجد الحركة

توجد النهاية والبداية

توجد الحياة لبرهة واحدة

والأثر المتخلف لفترة طويلة

والشاعر الحقيقي

هو من يرى الشعر في العالم كله

في الأحاسيس كلها، لكن كيف تكتب القصيدة؟

ما زلت باحثاً عن جواب لهذا السؤال

منذ زمن وأنا أتلهف لشيء ما

شيء آخر ..غير هذا أو ذاك

شيء خفي، غريب

لم يقدر لأحد سواي أن يجده لكني أدركت

من أجل أن تجد هذا

ليس ضرورياً أن تنطلق في أيما اتجاه

الأعاجيب كلها في الجوار يكفيك لهذا ألا تدخر جهداً.



 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً