ذكرى ميلاد: عفيفة كرم.. في بواكير الرواية العربية

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الثاني والعشرون من تموز/ يوليو، ذكرى ميلاد الروائية والكاتبة اللبنانية عفيفة كرم (1883 – 1924).



في تقديم روايتها الأولى “بديعة وفؤاد” (مطبعة الهدى، نيويورك/ 1906)، ترى عفيفة كرم التي تحلّ اليوم الخميس ذكرى ميلادها، أن “الروايات إنما هي المرايا التي تنعكس عليها صور أعمال وحوادث كلّ إنسان تقريباً، فيقرأ من بين تضاعيف سطورها وخلال حوادثها ما يمثّل له نفسه في بعض الأحيان..”، وهي مقولة تنبثق من محاكاة العمل الروائي للواقع أولاً، ومحاولة الانتصار لقيم الحق والفضيلة ثانياً.


تأخذ الروائية والكاتبة اللبنانية (1883 – 1924) على عاتقها دوراً رسالياً حين تقول: “أشترط على القراء شروطاً، منها: أن يتأكدوا بأنني لم أهتم كثيراً في روايتي هذه بتنسيق الحوادث وسردها؛ إذ لكلّ قارئة وقارئ روايات مما يمرّ عليهما ومعهما وأمامهما كل يوم، بل كانت غايتي التي أعتبرها أسمى من كل تنسيق وتنميق والتي وجهت إليها أكثر عنايتي: بثّ الأفكار الإصلاحية التهذيبية الانتقادية”.


وتضع كرم عملها الأول في عهدة المتلقي، إذ تخاطب القرّاء بأن روايتها هذه “هي باكورة مؤلفاتي، وأنها لامرأة سورية، فانتقادها يأتي بالفائدة المطلوبة، وتقريظها قائم في “الرضى عنها”. وهنا يجب أن أصرح بأمر على غاية من الأهمية، هو أن الرواية كُتبت بقصد الخدمة المجرّدة لا بقصد الأرباح المادية. وأن ما يباع منها بعد أداء أجرة طبعها يكون للإحسان”.


في رواايتها الأولى “فؤاد وبديعة” (1906)، توجّه نقداً معمقاً لتصوّرات اجتماعية سائدة


تدور أحداث العمل في أربعة وأربعين فصلاً تتمحور حول قصة الحب التي جمعت بين فؤاد وبديعة التي تعمل خادمة، وترفضها عائلة فؤاد التي ستقوم بشتى الوسائل لمنع زواج العاشقين، بل إنها ترسل ابن خالته بعد هجرة بديعة إلى الولايات المتحدة، ليدبّر المكائد من أجل إبعادها عن فؤاد، لكن حبّهما ينتصر على تقاليد المجتمع وينتهي بإعلان زواجهما.


حبكة بسيطة تسعى كرم من خلالها إلى توجيه النقد للعديد من القضايا في بدايات القرن العشرين، حيث لا يزال المجتمع محكوماً بالنسبة إليها بعادات مذمومة، وتصوّرات اجتماعية سائدة تصنّف الناس بحسب موقعهم الطبقي وأصولهم وأنسابهم ونفوذهم الاجتماعي والسياسي، وهي تتقصّد خلق شخصيات تتطابق أنماطها السلوكية مع الواقع في بلاد الشام في لحظة هجرة العديد من أبنائه إلى الأميركتين بسبب سوء الأحوال الاقتصادية وتردي الأوضاع السياسية في أواخر الحكم العثماني.


وتحرص الكاتبة على أن تقدم بطلة روايتها كمثال للمرأة المتمسكة بالأخلاق وبهويتها الوطنية، لكنها تبرز قوة شخصيتها التي تتكئ على ثقافة واسعة وإيمان بدور النساء وحقّهن في المشاركة في بناء مجتمعها من خلال ما يمتلكنه من علم وبفعل انخراطهن في العمل والوظيفة، وهنا تشكّل بديعة نموذجاً لإثبات وجهة النظر هذه من خلال ما تبثه في حوارات العمل من حجج وبراهين لإقناع القارئ بصحّة أفكارها.


وُلدت عفيفة في قرية “عمشيت” بلبنان، وتعلّمت في مدرسة القرية، ثم انتقلت إلى مدرسة جبيل، إلا أنها لم تتمكّن من إكمال دراستها حيث تزوّجت في الرابعة عشرة من عمرها، فعكفَتْ على المطالعة والقراءة وآمنت بأهمية الأدب والثقافة في تغيير الواقع الاجتماعي، ومكانة المرأة تحديداً، لذلك قامت بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة عام 1899 بالعمل مُراسلة للصحف العربية والكتابة على صفحاتها، ثمّ تولَّتْ رئاسةَ تحريرِ جريدة “الهدى”، وأصدرَتْ مجلةَ “المرأة السورية” عام 1911، قبل أن تفكِّر في إصدار مجلةٍ مستقلة تُعنَى بشؤون المرأة العربية في بلاد المَهجَر باسم “العالَم الجديد” عام 1912.


أصدرت ثمانيَ رواياتٍ، منها “غادة عمشيت”، و”فاطمة البدوية”، إلى جانب تعريبها لعدد من الروايات مثل “محمد علي الكبير”، و”ملكة ليوم”، و”ابنة نائب الملك”، ورحلت في الحادية والأربعين دون أن تتمكّن من العودة إلى بلدها بعد غربة دامت ربع قرن.

 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً