رئاسة ترامب في قاعة المحاكمة.. والكلمة الفصل للسياسة وليس للقانون

بالنهاية، حُسم الجدل وصار من المقرّر أن تبدأ الثلاثاء المقبل في 21 الجاري، جلسات محاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قضية أوكرانيا، في مجلس الشيوخ. يصادف هذا التاريخ مرور ثلاث سنوات بالضبط على رئاسته. حتى ذلك الحين تُستكمَل الإجراءات حسب الأصول المرعية.
مساء الأربعاء، سلّم فريق الادعاء المؤلف من 7 نواب، القرار الاتهامي (سوء استخدام السلطة وعرقلة تحقيقات الكونغرس، الذي صوّت عليه مجلس النواب في 18 ديسمبر/ كانون الأول الماضي) باليد، وبصورة حافلة بالطقوس لمجلس الشيوخ. بعد ذلك يتحوّل هذا الأخير ابتداءً من اليوم الخميس، إلى ما يشبه هيئة محلفين في قاعة محكمة، يرأسها رئيس المحكمة العليا القاضي الأول جون روبرتس بعد أداء اليمين.

وعلى مدى أسابيع قد تمتد إلى أوائل أو أواسط فبراير/ شباط المقبل، يتفرغ المجلس – الهيئة، على مدى ستة أيام أسبوعياً، للاستماع إلى مداخلات ومرافعات الادعاء والدفاع، قبل أن يخرج بقراره النهائي بعزل أو بإعفاء الرئيس ترامب، في هذه القضية. ومن الطبيعي أن تطغى مجريات هذه “العملية النووية” غير المسبوقة إلا مرتين في تاريخ أميركا، على المشهد العام، ولو أن نتائجها معروفة سلفاً، وأن كفة السيرك السياسي فيها راجحة على كفة حيثياتها القانونية – الدستورية. هكذا انتهت محاكمة الرئيسين، أندرو جونسون في 1868، وبيل كلينتون في 1999. وهكذا، من المتوقع أن تنتهي محاكمة ترامب. فالعزل جاء في الدستور الأميركي كصمام أمان استثنائي، وبنص صارم ورخو في آن واحد، وبالتالي هو قابل للالتفاف السياسي عليه. وهذا ما يفسّر ندرة استخدامه، على الرغم من أن معظم الرؤساء مارسوا الشطط القانوني بقدر أو بآخر. آلياته عملت – وما زالت – بانتظام، لكن أحكامه بقيت أقرب إلى الردع منها إلى التنفيذ، ما عدا مرة واحدة في فضيحة “ووترغيت”، حيث كادت أن تطبّق لولا استقالة الرئيس نيكسون.
مع ذلك، هناك فارق هامّ هذه المرة. في الحالات السابقة، كانت التهمة متعلقة بخروقات داخلية ارتكبها البيت الأبيض. الآن هي مبنية على زعم الاستعانة بجهة أجنبية لخدمة أغراض سياسية خاصة. مخالفة غير معهودة، وأشد خطورة لو جرى إثباتها، لكن حتى الآن الأدلة الثبوتية ظرفية. الإدارة تذرعت بحصانة “الامتياز التنفيذي” لمنع كبار معاوني الرئيس من المثول أمام لجنتَي الاستخبارات والعدلية، كما لرفض تزويدها بالوثائق الرسمية ذات العلاقة. والآن تزداد الضغوط على مجلس الشيوخ لاستدعاء هؤلاء الشهود، وعلى رأسهم مستشار الرئيس السابق جون بولتون، الذي أبدى استعداده أخيراً للإدلاء بإفادته خلال المحاكمة لو طُلب منه ذلك. ومساحة التهرب تضيق أمام الجمهوريين في مجلس الشيوخ، فقد ظهرت في اليومين الأخيرين وثائق جديدة تشير إلى دور الرئيس المباشر في قضية أوكرانيا.


الأخطر في هذا الخصوص أن ليف بارناس، الروسي المولد، الأميركي الجنسية، وأحد مساعدي محامي الرئيس رودي جولياني في الملف الأوكراني، أدلى مساء الأربعاء بمقابلة مؤذية جداً للرئيس، أذيعت بعد انتقال القضية إلى مجلس الشيوخ بساعات. حسب تأكيده، إن الرئيس كان على علم بكلّ “اتصالاتي التي أجريتها مع أوكرانيا”، لحثّها على فتح تحقيق قد يلطخ سمعة المرشح الرئاسي جو بايدن. وأوضح أن جولياني أبلغ المسؤولين الأوكرانيين “بأنني مفوض من جانب الرئيس” في هذا الموضوع.

والمذكور متهم في هذا الملف وتُنتظر محاكمته. تصريحاته تزيد من صعوبة مهمة الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذي يتردّد أن أربعة منهم على الأقل قد يخرجون عن الطاعة لصالح استدعاء الشهود. لكن قيادتهم لم تتزحزح حتى اللحظة عن تشددها وعزمها على تدوير زوايا المحاكمة، بحيث يجري تمريرها بأسرع وقت وبأقل ما يمكن من الخسائر للرئيس ترامب الذي بدأت الأزمات تهزّ وضعه بصورة أثارت الخشية في صفوف فريقه. 66% من الأميركيين يؤيدون الاستماع إلى شهادة بولتون التي قد تكون شبه قاتلة له، على الأقل انتخابياً. 55% حسب آخر استطلاع، يرون أن اغتيال الجنرال سليماني “يهدّد الأمن” الأميركي وليس العكس. ويضاف إلى ذلك أن التذمر في أوساط الجمهوريين بمجلس الشيوخ، انتقل إلى العلن، وإن كان من المستبعد أن يجد ترجمته بالتصويت ضده في المحاكمة.
اللحظة الراهنة في واشنطن مهيبة، والجو السياسي مكهرب. وفي ظل هذه الأجواء، من المتوقع أن تتواصل المحاكمة حتى أوائل أو أواسط فبراير/ شباط المقبل، وحتى ذلك الحين، كل الملفات والقضايا الأخرى تبقى في البراد، بما فيها الانتخابات والأزمة مع إيران.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً