رحلة ابن بطوطة مع محمل الحج الشامي

شُغف أبناء الغرب الإسلامي بتسطير وقائع رحلاتهم إلى الشرق في كتب وصل بعضها إلى مراقي الأدب الرفيع، فنادراً ما قام عالم أو شاعر أو أديب مغربي أو أندلسي برحلة إلى الشرق، بقصد الحج أو الدرس، إلا ودوّن وقائع رحلته في كتاب ذكر فيه أدق تفاصيل الرحلة، وما رآه من بلدان ومدن وشعوب وقبائل، وعادات وتقاليد.


وقد حظي محمل الحج باهتمام هؤلاء الرحالة، فخصصوا له الفصول في رحلاتهم، وأسهبوا في وصفه حتى تكاد لا تخلو رحلة منه. ومن أشهر هؤلاء ابن جبير الأندلسي، وابن بطوطة المغربي. فابن جبير المعاصر لصلاح الدين الأيوبي، وصف طقوس واستعدادات أهل دمشق لوداع المحمل الشامي الذي يتجمع في مدينتهم من بلاد الروم والترك، وهي طقوس بقيت متصلة إلى أن دخلت السكة الحديدية الحجازية في أواخر عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بينما وصف ابن بطوطة خروج ذلك المحمل في عهد السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون إلى أرض الحجاز، بطريقة مدهشة تنقل القارئ إلى تلك العوالم الساحرة.



المحمل الشامي


خرج الركب الحجازي من دمشق في مطلع شوال من سنة 726هـ/1326م ونزل قرية الكسوة، وكان أمير الركب سيف الدين جوبان، من كبار أمراء المماليك، وقاضيه شرف الدين الأذرعي الحوراني، ويقول ابن بطوطة: “كان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة، أميرهم محمد بن رافع، كبير القدر في الأمراء، وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تعرف بالصنمين عظيمة، ثم ارتحلنا منها إلى بلدة زرعة، وهي صغيرة من بلاد حوران نزلنا بالقرب منها، ثم ارتحلنا إلى مدينة بصرى، وهي صغيرة، ومن عادة الركب أن يقيم بها أربعاً ليلحق بهم من تخلف بدمشق لقضاء مآربه”.


وبعد أن يذكّر القارئ بوصول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل البعثة النبوية في تجارة السيدة خديجة، وأن بها مبرك ناقته حيث بني عليه مسجد عظيم، يقول إن أهل حوران يجتمعون في هذه المدينة، ويتزود الحاج منها، ثم يرحلون إلى بركة زيرة، ويقيمون عليها يوماً، ثم يرحلون إلى الجون، وبها الماء الجاري، ثم يرحلون إلى حصن الكرك. ويقول إنه من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها، ويسمى بحصن الغراب، والوادي يطيف به من جميع جهاته، وله باب واحد قد نحت المدخل إليه في الحجر الصلد.


ويحدثنا ابن بطوطة بتفصيل عن لجوء الناصر ابن قلاوون إلى هذا الحصن حين تولى المُلك صغيراً وتحالف ضده أمراء المماليك، وعلى رأسهم سلار وبيبرس الجاشنكير، قبل أن ينتصر عليهم ويستعيد ملك أبيه. ويقول إن الركب أقام في خارج حصن الكرك أربعة أيام بموضع يقال له الثنية، وتجهزوا لدخول البرية، وبعد ذلك ارتحلوا إلى معان، وهي آخر مدن بلاد الشام، ونزلوا من عقبة الصوان إلى الصحراء التي يقال فيها: “داخلها مفقود وخارجها مولود”. وبعد مسيرة يومين نزلوا ذات حج، ثم إلى تبوك، وهو الموضع الذي غزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يقول.



تبوك


ويضيف رحالتنا واصفاً تبوك: “فيها عين ماء كانت تبض بشيء من الماء. فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأ منها، جادت بالماء المعين. ولم يزل إلى هذا العهد ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن عادة حجاج الشام إذا وصلوا منزل تبوك، أخذوا أسلحتهم، وجردوا سيوفهم، وحملوا على المنزل، وضربوا النخل بسيوفهم، ويقولون: هكذا دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وينزل الركب العظيم على هذه العين فيروي منها جميعهم، ويقيمون أربعة أيام للراحة وإرواء الجمال واستعداد الماء للبرية المخوفة التي بين العلا وتبوك. ومن عادة السقائين أنهم ينزلون على جوانب هذه العين، ولهم أحواض مصنوعة من جلود الجواميس كالصهاريج الضخام، يسقون منها الجمال، ويملأون الروايا والقرب. ولكل أمير أو كبير حوض يسقي منه جماله وجمال أصحابه، ويملأ رواياهم. وسواهم من الناس يتفق مع السقائين على سقي جمله وملء قربته، بشيء معلوم من الدراهم”.



مدائن صالح


وبعد ذلك يصف لنا ابن بطوطة آثار مدينة الحجر التي تسمى اليوم “مدائن صالح”، فيقول: “في الخامس من أيام رحيلهم عن تبوك يصلون البئر الحجر حجر ثمود، وهي كثيرة الماء، ولكن لا يردها أحد من الناس، مع شدة عطشهم، اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بها في غزوة تبوك، فأسرع براحلته وأمر ألا يسقى منها أحد. وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة، لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت. إن في ذلك لعبرة، ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هنالك، وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه”.


ويقول إن المسافة بين الحجر والعلا نصف يوم أو دونه. ويصف العلا بقوله: إنها “قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة، يقيم بها الحجاج أربعاً، يتزودون ويغسلون ثيابهم ويدعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد، ويستصحبون قدر الكفاية. وأهل هذه القرية أصحاب أمانة، وإليها ينتهي تجار نصارى الشام، لا يتعدونها، ويبايعون الحجاج الزاد وسواه. ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس، وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة، ومنه ينزلون هدية، وهي حسيان ماء بواد يحفرون به، فيخرج الماء وهو زعاق. وفي اليوم الثالث ينزلون البلد المقدس الكريم الشريف”.



المسجد النبوي


ويستفيض رحالتنا في وصف المسجد النبوي المعظم، ويقول إنه مستطيل تحفه من جهاته الأربع بلاطات دائرة به، ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلط بالحجر المنحوت. أما الروضة المقدسة فتقع في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، ويقول إن شكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، منورة بالرخام البديع النحت الرائق النعت، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان.


ويشير إلى أن القائمين على خدمة المسجد النبوي وسدنته من أهالي الجبشة وسواهم، ويقول إنهم على هيئات حسان، وصور نظاف، وملابس ظراف، وكبيرهم يعرف بشيخ الخدام، وهو في هيئة الأمراء الكبار، ولهم المرتبات بديار مصر والشام، ويؤتى إليهم بها في كل سنة. أما رئيس المؤذنين بالحرم النبوي الشريف فيقول إنه الإمام المحدث الفاضل جمال الدين المطري، من قرية المطرية بمصر.



مكة المكرمة والمدينة المنورة


في وصفه للأيام الأربعة التي أقام الركب فيها بالمدينة المنورة يقول ابن بطوطة: “في كل ليلة نبيت بالمسجد الكريم، والناس قد حلقوا في صحنه حلقاً، وأوقدوا الشمع الكبير. وبينهم ربعات القرآن الكريم يتلونه، وبعضهم يذكرون الله، وبعضهم في مشاهدة التربة الطاهرة، زادها الله طيباً، والحداة بكل جانب يترنمون بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا دأب الناس في تلك الليالي المباركة، ويجودون بالصدقات الكثيرة على المجاورين والمحتاجين. وكان في صحبتي في هذه الوجهة من الشام إلى المدينة الشريفة رجل من أهلها فاضل يعرف بمنصور بن شكل، وأضافني بها، واجتمعنا بعد ذلك بحلب وبخارى. وكان في صحبتي أيضا قاضي الزيدية شرف الدين قاسم بن شنان، وصحبني أيضا أحد الصلحاء الفقراء من أهل غرناطة، يسمى علي بن حجر الأموي”.


بعد ذلك يتوجه ابن بطوطة والركب الشامي الحجازي إلى مكة المكرمة، فينزلون بقرب مسجد ذي الحليفة، والمدينة منه على خمسة أميال، وهو منتهى حرم المدينة. وبالقرب منه وادي العقيق، وهنالك تجرد رحالتنا من مخيط الثياب واغتسل ولبس ثوب إحرامه، ثم رحل منه ونزل بالروحاء، ثم بالصفراء، وهو واد معمور، فيه ماء ونخل وبنيان، وقصر يسكنه الشرفاء الحسنيون وسواهم، ثم نزل وصحبه ببدر حيث الموقعة الشهيرة.


ويقول رحالتنا في وصف مكة المكرمة: “مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة، في بطن واد تحف به الجبال، فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها. وتلك الجبال المطلة عليها ليست بمفرطة الشموخ. والأخشبان من جبالها هما جبل أبي قبيس، وهو في جهة الجنوب والشرق منها، وجبل قعيقعان، وهو في جهة الغرب منها، وفي الشمال منها الجبل الأحمر. ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر، وأجياد الأصغر، وهما شعبان، والخندمة، وهي جبل، والمناسك كلها، منى وعرفة والمزدلفة، بشرقي مكة شرفها الله. ولمكة من الأبواب ثلاثة: باب المعلى بأعلاها، وباب الشبيكة من أسفلها، ويعرف أيضا بباب العمرة، وهو إلى جهة المغرب، وعليه طريق المدينة الشريفة، ومصر والشام وجدة، ومنه يتوجه إلى التنعيم، وباب المسفل، وهو من جهة الجنوب، ومنه دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم فتح مكة شرفها الله”.


ويخبرنا ابن بطوطة أنه أكل في مكة من الفواكه: العنب والتين والخوخ والرطب ما لا نظير له في الدنيا، وكذلك البطيخ المجلوب إليها لا يماثله سواه طيباً وحلاوة، ويضيف أن الفواكه والخضر تجلب إليها من الطائف ووادي نخلة وبطن مر.


ويصف ابن بطوطة المسجد الحرام الذي يقع في وسط البلد بقوله: “طوله من شرق إلى غرب أزيد من أربعمائة ذراع، حكى ذلك [المؤرخ] الأزرقي، وعرضه يقرب من ذلك. والكعبة العظمى في وسطه. ومنظره بديع. ومرآه جميل. لا يتعاطى اللسان وصف بدائعه، ولا يحيط الواصف بحسن كماله. وارتفاع حيطانه نحو عشرين ذراعا؛ وسقفه على أعمدة طوال مصطفة ثلاثة صفوف، بأتقن صناعة وأجملها. وقد انتظمت بلاطاته الثلاثة انتظاما عجيبا كأنها بلاط واحد، وعدد سواريه الرخامية أربعمائة وإحدى وتسعون سارية، ما عدا الجصية التي في دار الندوة المزيدة في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ في الشمال. ويقابلها المقام مع الركن العراقي. وفضاؤها متصل، يدخل من هذا البلاط إليه، ويتصل بجدار هذا البلاط مساطب تحت قسي حنايا يجلس بها المقرئون والنساخون والخياطون. وفي جدار البلاط الذي يقابله مساطب تماثلها. وسائر البلاطات تحت جدرانها مساطب بدون حنايا. وعند باب إبراهيم مدخل من البلاط الغربي فيه سواري جصية. وللخليفة المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور رضي الله عنهما آثار كريمة في توسيع المسجد الحرام وإحكام بنائه. وفي أعلى جدار البلاط الغربي مكتوب” أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة المسجد الحرام لحاج بيت الله وعمارته في سنة سبع وستين ومائة”.



أخلاق أهل مكة


يشير رحالتنا إلى أن إمارة مكة في عهد دخوله إليها كانت للشريفين الأخوين: أسد الدين رميثة وسيف الدين عطيفة ابني الأمير أبي نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة الحسنيين. ويحدثنا عن أخلاق أهل مكة فيقول: إن لهم الأفعال الجميلة، والمكارم التامة، والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء. ويضيف: “من مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم. وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران، حيث يطبخ الناس أخبازهم. فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها، طيب النفس بذلك من غير ضجر. ومن أفعالهم الحسنة أن الأيتام الصغار يقعدون في السوق، ومع كل واحد منهم قفتان: كبرى وصغرى، وهم يسمون القفة مكتلاً فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب واللحم والخضر، ويعطي ذلك الصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه، واللحم والخضر في الأخرى، ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيأ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يذكر أن أحداً من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط، بل يؤدي ما حمل على أتم الوجوه. ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس.



الطيوب وكسوة الكعبة


أهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة. ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر. ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف. وهن يكثرن التطيب، حتى إن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا. وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة، فيأتين في أحسن زي وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقاً. ولأهل مكة عوائد حسنة وغيره سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغنا من ذكر فضائلها ومجاوريها”.


وبعد ذلك يذكر ابن بطوطة شعائر الحج المعروفة؛ قبل أن يحدثنا عن الكسوة المرسلة من مصر مع الركب المصري، والتي يسبلها بنو شيبة في اليوم الثالث بعد يوم النحر. ويقول في وصفها: “هي كسوة سوداء حالكة من الحرير مبطنة بالكتان وفي أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ}. وفي سائر جهاتها طراز مكتوب بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مشرق من سوادها. ولما كيست شمرت أذيالها صونا من أيدي الناس. والملك الناصر هو الذي يتولى كسوة الكعبة الكريمة، ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقومة، وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كل سنة”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً