رحيل عمر دخوش… فرقة "تكادة" تفقد أحد مؤسسيها

برحيل الفنّان والمُغنّي المغربي عمر دخوش، يوم الخميس الماضي، تفقد فرقة “تكادة” أحد أبرز المُؤسّسين الرئيسيين لها.


ذاع صيت الفرقة مشرقاً ومغرباً، بحكم ما شهدته أغانيها من إبدالاتٍ فنّية وجماليّة، رافقتها منذ مرحلة الثمانينيات. لكنْ، على الرغم من البُعد الترفيهي الذي وسم أغاني الفرقة الشعبية، إلّا أنّها استطاعت التموقع في وجدان المغاربة، ونزْع اعترافٍ فنّي، ما زال إلى حدود اليوم مُؤثّراً في نفوسهم.


وبينما تُعدّ الفرقة اليوم مرجعاً مهمّاً في تاريخ الأغنية المغربيّة، إلّا أنّ حضورها يبدو مُرتبكاً وباهتاً داخل المسارح والقنوات التلفزيونية، بسبب سيطرة الأغنية الترفيهية المعاصرة على الوسائط البصريّة، وجعلها تُقدّم هذه الأغاني بوصفها مشروعاً غنائياً جديداً، مع أنّ التلفزيون المغربي يتعمّد في كل مناسبةٍ طمس ذاكرة هذه الفرق الغنائية المُلتزمة، التي قدّمت الشيء الكثير للمغاربة في مراحل جد عصيبةٍ من تاريخهم؛ إذ كان الفرد يجد نفسه داخل الحراك السياسي والمجال المدني مُدجّجاً بأغاني هذه الفرق وموسيقاها، ما جعله ينسُج علاقة قويّة مع مُتخيّلها الغنائي، وما تنحته من أبعادٍ رمزيّة تتعلّق بالوطن والطبقية والاعتقال والحريّة.

ورغم اشتغال المُغنّي عمر دخوش لفترةٍ طويلة بالمجال المسرحي في الدار البيضاء، فإنّ المُشاهد المغربي يحتفظ منذ الثمانينيات بصورته كمُغنٍ مُلتزمٍ وبارزٍ داخل “تكادة”، في وقتٍ كان من الصعب تأسيس فرقة غنائية شعبية مُلتزمةٍ تُوازي في اشتغالها بين أصالة الموضوع وقُوّته، وبين الهاجس الترفيهي للأغنية، بما يجعلها مُلتزمة وقادرة على خلق جدلٍ في المغرب، وذلك بحكم صعوبة المرحلة وتحكّم الدولة في مخيّلة الفنّان.



مع ذلك، عمل عمر دخوش على تأسيس الفرقة مع بعض الأعضاء، ذلك أنّه فتح أفقاً جديداً لمفهوم “الفرقة الغنائية”، إذ تخفّفت الأغنية من عناصرها الأيديولوجية، ومن نوعية النقد العاري المُضمر في ثناياها لمُختلف أشكال السُلطة وميثولوجياتها القمعية، على حسابٍ عوامل أخرى داخلية، تتعلّق بالأغنية كقطعةٍ فنّية مُؤلّفة، تحتاج إلى عناية فائقة بكلماتها وأدائها وموسيقاها.


لم تعتمد “تكَادة” على الآلة الموسيقيّة المعاصرة، كما فعلت في نفس المرحلة فرقة “السهام” المغربيّة مثلاً، ما سيجعلها أكثر الفرق الغنائية التراثية التي ظلّت مُتشبّثة بقوالبها الغنائية القديمة، والاحتفاظ بنفس الآلات الموسيقيّة التقليدية كنوعٍ من “المَغربة” للأغنية، وجعلها رهينة سياقها وتاريخها ودلالاتها داخل الاجتماع المغربي.




لكنْ، برحيل عمر دخوش، لم تفقد فرقة “تكَادة” فنّاناً من أفرادها، بل صوتاً أصيلاً وجسداً جريحاً ومنارة مُضيئة في تاريخ الأغنية الشعبية؛ هذا النّمط الغنائي التلقائي المُذهل والمُنبثق من خصوصية مغربيّة، رغم مظاهر التفكّك والعطب والتآكل، التي أصابت الأغنية الشعبية في جمالها وعذوبتها وأُلفتها وقُربها من الناس. في مقابل أغانٍ شعبيّة أخرى مُبتذلةٍ، تُقدّم صورة مغلوطة وباهتة عن الأغنية الشعبية المغربيّة الضاربة في القدم، والنابعة من وجدانٍ مغربي أصيل.

يمتزج في أعماله فنّ الزجل برحابة الكلمة، ويُشكّلان معاً متناً غنائياً يُضمر تاريخاً مُتواشجاً مع الحاضر. فالأوّل يحضر عبر الكلمة وذاكرتها ومُعجمها الفنّي الذي فيه ظهرت، أمّا الثاني فيرتبط مباشرة بالقوالب الغنائية الحديثة والآلات الموسيقيّة المعاصرة، التي يتم توظيفها اليوم داخل الأغنية الشعبية الجديدة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً