روبرت ميرسر: "الأب المالي" لليمين الشعبوي الأميركي

“أنا سعيد بأن أعيش حياتي من دون أن أقول أي شيء لأي شخص”، هكذا قال يوماً روبرت ميرسر، رجل الأعمال الأميركي الذي كان له دور فاعل بصعود دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة عام 2016، والذي وصفه المستشار السابق لترامب ستيف بانون، بأنه “الرجل الاستراتيجي الذي يقف خلف ثورة ترامب”. الرجل معروف بتمويله حملات الكراهية ضد الإسلام، وبكونه الداعم الأكبر للموقع الإخباري اليميني “برايتبارت”. ميرسر، كان خلف تمويل شركة التلاعب بالرأي العام الشهيرة “كامبريدج أناليتيكا”، وبصماته موجودة في أبرز المنابر الإعلامية والسياسية لليمين الشعبوي. بالتالي لا غرابة من وصفة بـ”الأب المالي والاستراتيجي لليمين الشعبوي في أميركا وأوروبا”.


وصنع ميرسر لنفسه دوراً قوياً ومتجذراً في الحياة السياسية الأميركية، عبر قنوات شرعية مؤطرة بقوانين تمويل الحملات الفيدرالية، لكنه ليس ممولاً عادياً، بل يمكن القول إنه أقرب للممول الأيديولوجي صاحب الاستراتيجية بعيدة المدى. فبينما يتركز اهتمام شركات التمويل ورجال الأعمال على شخصية المرشح والمصلحة التي يمكن أن تحققها سياساته، يدعم ميرسر المشاريع الاستراتيجية التي تعمل على نشر الأفكار التي يؤمن بها لكي يخلق رأياً عاماً مؤيداً لها، ويمهد الطريق لوصول شخصية سياسية تعبّر عن هذه الأفكار.


بانون: وضع ميرسر الحجر الأساس لثورة ترامب


بحسب تقرير لمجلة “نيويوركر”، لا تفاصيل كثيرة عن توجهات ميرسر السياسية في بداية حياته المهنية، لكنه كان شغوفاً بعمله إلى حد كبير، وشغوفا بالأرقام، حتى أنه أخذ إجازة غير مدفوعة في شركة “أي بي أم” التي كانت رائدة بصناعة الحواسيب في الثمانينيات، ليتفرغ لتطوير خوارزمية خاصة ببرامج للترجمة. وفيما بعد استفادت شركتا “غوغل” و”آبل” من الخوارزمية التي عمل عليها، في برنامجي “غوغل ترانسليت” و”آبل سيري”. العمل مع شركة تكنولوجيا لا يكفي لتصبح مليونيراً يؤثر في السياسة ومساراتها، ومن هنا كان الانتقال الجذري الذي حوّل ميرسر من مبرمج بارع للحواسيب، إلى قطب مالي يرعى مشاريع اليمين الشعبوي، ويوصف بأنه “رجل الأعمال الذي يملك حصصاً في الرئاسة الأميركية”.


انضم ميرسر للقطاع المالي، حين كانت الشركات المرتبطة بـ”وول ستريت” تحقق أرباحاً خيالية من تقلبات الأسهم والسندات والمضاربات التجارية. وعندما اتسع القطاع وكثرت تعقيداته، بدأت الشركات باستقطاب أساتذة جامعات وعلماء لوضع استراتيجيات خلاقة تستطيع أن تنافس وتحقق الأرباح. لفت ميرسر الأنظار سريعاً، ووظف مهاراته لابتكار خوارزمية ترسم مساراً للمستثمرين لانتقاء الأوقات الأفضل لعمليات المداولة في البورصة. واستطاعت الخوارزمية معالجة ملايين البيانات ودراسة حالات صعود وهبوط الأسهم، للتنبؤ بالأوقات الأفضل لعقد الصفقات. ومن هنا بدأ الصعود السريع لميرسر وبدأت الثروة تتراكم للشركة التي عمل لصالحها “رينيسانس تكنولوجيز”، وبرز اسمها كأكثر صناديق الاستثمار نجاحاً في الولايات المتحدة.


شقّ ميرسر طريقه بشركة “رينيسانس تكنولوجيز” وتولى دفة إدارتها العامة، ولم تتغير شخصيته كثيراً، فوفقاً لـ”نيويوركر”، أخبر ميرسر زميله في إحدى المرات أنه يفضل صحبة القطط على البشر. لكن مع تزايد الثروة المالية للرجل، بات أكثر استعداداً لإشهار مواقفه السياسة. ديفيد ماغرمان، وهو زميل سابق له في “رينيسانس تكنولوجيز”، لاحظ دعم ميرسر للمشاريع اليمينية، فعبّر له عن قلقه من تداعيات هذه الخطوة. ووفقاً لـ”وول ستريت جورنال”، فبعد أن سرّب ماغرمان فحوى المحادثة مع ميرسر، اتصل به الأخير معاتباً وقال له: “سمعت أنك تقول إنني من أنصار تفوق العرق الأبيض، هذا كلام سخيف”، ليتم بعدها إيقاف ماغرمان عن العمل في الشركة التي أمضى بها 20 عاماً. وفيما بعد نشر ماغرمان مقالاً في صحيفة “فيلادلفيا إنكويرر”، جاء فيه أن “روبرت ميرسر يمتلك الآن الحصة الأكبر في رئاسة الولايات المتحدة”.




تأييد لنظريات المؤامرة

عبّر ميرسر لمقربين منه عن قناعات تتقاطع مع أفكار المؤمنين بنظريات المؤامرة، الذين يتركزون بشكل رئيسي داخل تيار اليمين الشعبوي. وفي مثال على ذلك، أبدى ميرسر اعتقاده بأن عائلة كلينتون دبّرت عمليات قتل لخصومها، وأنها تورطت في تجارة المخدرات مع وكالة الاستخبارات الأميركية “سي آي إيه”، وذلك استناداً إلى تقرير صحافي مشكوك في مصدره نشر في جريدة محافظة بالتسعينيات. كما اعتبر ميرسر أن خطر الأسلحة النووية مبالغ به، وأن الأشعة النووية يمكن أن تكون لها آثار إيجابية على صحة الإنسان، وأن الاحتباس الحراري هو أمر مختلق وغير موجود. ومن هذا المنطلق، موّل مؤسسة برئاسة عالم كيميائي مشكك بالاحتباس الحراري، وهو آرثر روبنسون، وأكثر من ذلك حاول ميرسر استخدام نفوذه لدى إدارة ترامب، لكي يتم تسليم روبنسون منصباً حكومياً.


وفي عقيدة ميرسر أيضاً، إيمان بتحجيم دور الحكومة وعدم قيامها بالتدخل أو دعم القطاع الخاص، على الرغم من أن أحد المشاريع التي عمل عليها في “أي بي أم” تم تمويله من برنامج “داربا” العسكري في وزارة الدفاع “البنتاغون”. كما أن ميرسر يهوى جمع الأسلحة في منزله الفخم على أحد شواطئ لونغ آيلند ـ نيويورك، ولجأ إلى حيلة قانونية، للاستحصال على رخصة لحمل سلاح شخصي، فتم تسجيله كمتطوع في الشرطة المحلية في مسقط رأسه بمدينة نيومكسيكو، لكن ميرسر تخلى عن الرخصة عندما تسربت التفاصيل لوسائل الإعلام ونشرتها وكالة “بلومبيرغ”. ومعروف عن ميرسر أيضاً أنه يكره النخب السياسية ويعتقد بفساد أغلبها سواء كانت من الحزب الجمهوري أم الديمقراطي، ويُكنّ كرهاً استثنائياً لعائلة كلينتون، وهو على قناعة بأن النخب السياسية خانت ثقة الأميركيين، على الرغم من أن ميرسر يعتبر جزءاً أصيلاً من النخب السياسية، وأباطرة المال الذين يكنّ لهم الاحتقار.


العلاقة مع بانون

برز تأثير ميرسر عندما توثقت علاقته مع ستيف بانون، العقل الاستراتيجي لتيار اليمين المتطرف الصاعد، حينها كان بانون يخط طريقه بثبات بمجموعة أفلام وثائقية أنتجها، ويركز معظمها على فكرة فساد الطبقة السياسية وأنه لا بد من موجة تغيير. وأثناء عمله مع موقع “برايتبارت” اليميني، أقنع بانون ميرسر بضرورة الاستثمار في الموقع، وبالفعل دعم المليونير اليميني الموقع بملايين الدولارات، وهو ما وضع بانون في مركز اتخاذ القرار في الموقع، وأصبحت بصمته واضحة في السياسة التحريرية. وحقق الموقع نجاحاً كبيراً في أوساط المحافظين الأميركيين، إذ انتهج الموقع خطاً تحريرياً مختلفاً عن وسائل إعلام اليمين الأخرى، فقد جمع الأصوات المتطرفة شديدة الانتقاد للنخب الديمقراطية والجمهورية، واستخدم أحدث تقنيات التكنولوجيا كي يزيد انتشار الموقع، وبالفعل وصل عدد مرتادي صفحات الموقع الدائمين إلى أكثر من 20 مليونا. انخرطت ريبيكا ابنة روبرت ميرسر في إدارة الموقع أيضاً، وكانت دائمة المتابعة لكل خبر ينشر، بل كانت تزود المحررين بملاحظات حول قواعد اللغة بشكل دائم. وعن طريق ريبيكا أيضاً قام ميرسر بتمويل منصة “بارلر” التي لعبت أخيراً دوراً بارزاً في حشد أنصار ترامب لاقتحام الكونغرس الأميركي في واشنطن في 6 يناير/كانون الثاني الماضي. وعلى الرغم من قطع الخدمات التقنية للموقع من قبل معظم الشركات الأميركية، بسبب تورط الموقع في التحريض على العنف، إلا أن عائلة ميرسر ما زالت الداعم الأكبر له.


أسس ميرسر شركة “كامبريدج أناليتيكا” التي زوّدت حملة ترامب ببيانات 200 مليون أميركي


الدور الأبرز لميرسر، كان في انخراطه بتكوين شركة “كامبريدج أناليتيكا”، هذا الكيان الذي له دور فاعل وأساسي بإيصال اليمين في أميركا وبريطانيا إلى السلطة وتحقيق نجاحات هامة في الانتخابات. تجمع الشركة بين الخبرة التقنية وفن التلاعب النفسي بالجماهير، والتقنيات الاستخبارية في تشويه صورة الخصوم وغسيل الأدمغة. عرف ميرسر من خلال خبرته التقنية الطويلة، كيفية التنبؤ بالسلوك البشري من خلال برامج وخوارزميات تجمع ملايين المعلومات وتعالجها، لكي يتم فهم ما يدور بأذهان الجماهير وكيف يمكن التأثير في تكوين آرائها السياسية. وبالفعل كان للشركة دور بارز عام 2016 في نجاح حملة “بريكست” في التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأدت الشركة دوراً حاسماً بتزويد حملة ترامب ببيانات نحو 200 مليون أميركي على “فيسبوك”، وتوجيه رسائل سياسة دعائية مضللة تتضمن نظريات مؤامرة وشيطنة للأقليات والمسلمين والقيادات السياسية من الحزب الديمقراطي، خصوصاً هيلاري كلينتون.


لكن استثمار ميرسر في “كامبريدج أناليتيكا” تعرّض لضربة موجعة بعد تحقيق مصور للقناة الرابعة البريطانية كشفت فيه تورط الشركة بالتلاعب بالرأي العام في دول مختلفة في العالم، من خلال أساليب الابتزاز الجنسي والمالي، وبث الأكاذيب، واللعب على المشاعر بدلاً من الحقائق. وهو ما أدى لإقالة مدير الشركة أليكسندر نيكس، ومن ثم الإعلان عن إغلاق المؤسسة برمتها.


“لقد وضع ميرسر حجر الأساس لثورة ترامب”، هكذا وصف بانون دور ميرسر في وصول ترامب لرئاسة أميركا، فقد وجد تيار اليمين، البديل الوريث السياسي لحركة “حزب الشاي” (بدأ بالتشكّل في عام 2009، وأُعلن عنه رسمياً عام 2013)، في ترامب الشخص المناسب لتجسيد هوية التيار وتوحيد أنصاره. وعلى الرغم من انعدام الخبرة السياسية لدى ترامب، لأن معظم حياته المهنية تمحورت حول إدارة الثروة التي ورثها من والده ونجوميته في برامج تلفزيون الواقع، إلا أن شعبية ترامب تصاعدت بشكل كبير بسبب طريقته في التعبير عن آرائه السياسية، فهو “لا يعرف المجاملة والنفاق” ككل النخب السياسية الفاسدة، حسبما يرى أنصار التيار اليميني. ووفق تعبير باتريك كادل، إنه “مستر سميث” أي ذلك الرجل الذي سيقطف ثمار حركة الجماهير الغاضبة والتي تشعر بخيانة القيادات السياسية لها (وفقاً لرواية 1984 للكاتب جورج أورويل).




وكاديل عمل في حملة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر وكان له دور بفوزه في انتخابات 1976، قبل أن يلتحق بتيار اليمين. آمن كاديل بأن الأميركيين بحاجة لرئيس غير تقليدي لا يشكل امتداداً للنخب السياسية، وكان يعتقد أنه مع حلول عام 2016 كان الأميركيون مهيئين أكثر من أي وقت آخر لذلك الرئيس الذي سماه “مستر سميث”. واستند في ذلك على أن جماهير المحافظين مستاءة من فوزين متتاليين لرئيس ديمقراطي من الأقلية السوداء، وفي ازدياد تفاوت معدلات الدخل، كما غزت النزعة الهوياتية للأميركيين الولايات ذات الغالبية البيضاء، خصوصاً بقايا المجتمعات التي تشكلت حول المصانع المهجورة في ميشيغن وويسكونسن، الذين كانوا أكثر من عانى من النمط الاقتصادي الذي بدأ في السبعينيات، بالإضافة إلى تراجع دور الاقتصاد الصناعي وما يجلبه من وظائف للطبقة الوسطى لصالح اقتصاد المضاربات والخدمات المالية والذي يجني منه الأثرياء ملايين إضافية.


دعم ترامب

التقط بانون فكرة كاديل بسرعة ونقلها لميرسر، وسرعان ما توطدت العلاقة بين ميرسر وترامب، فترامب وجه مألوف بالنسبة لرجل الأعمال، الذي رأى أن الاستثمار به أهم مشاريع ميرسر السياسية. التغيير الحاصل على قانون تمويل الانتخابات الأميركية الفيدرالية عام 2010، الذي ألغى الحد الأقصى للمبالغ المالية التي تُمكّن الشركات والأفراد من تمويل الانتخابات الأميركية، شكّل فرصة ذهبية بالنسبة لأباطرة المال في الولايات المتحدة للتأثير في السياسة بشكل أكبر. وأحسن ميرسر استغلال تلك الفرصة بدعم سخي لترامب وحملته وتزويده بالخبرات الاستراتيجية لبانون و”كامبريدج أناليتيكا” وبالدعم الإعلامي من خلال موقع “برايتبارت”. وبطبيعة الحال عملت ماكينة الحزب الجمهوري في الاتجاه نفسه مع إدراكها امتلاك ترامب قاعدة صلبة في الحزب، وتغلبه على منافسيه داخل الحزب بشكل ساحق، تحديداً تيد كروز.


لم تتعدَ تبرعات ميرسر لترامب المليون دولار في الرئاسيات الأخيرة مقارنة بنحو 35 مليونا عام 2016


فوز ترامب لم يكن مفاجئاً لآل ميرسر وبانون، فقد سبق هذا الفوز سنوات طويلة من شحن الخطاب الهوياتي، وتأجيج أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة ضد النخب السياسية والنمط الاقتصادي القائم، وعلى الرغم من سطحية ترامب السياسية إلا أنه “مهرج رابح”، بحسب تعبير كاديل وبنظر بانون وميرسر. وحين فاز ترامب بالانتخابات بشكل خالف توقعات وسائل الإعلام التقليدية واستطلاعات الرأي، لم يضيّع ميرسر الوقت، فدفع برجاله المقربين ليكونوا داخل إدارة ترامب، فانضم إلى الفريق الرئاسي بانون وكيليان كونواي وجون بولتون، وكل هؤلاء عملوا لسنوات تحت جناح ميرسر.


لكن تحالف ميرسر – ترامب – بانون سرعان ما تصدع، فطريقة الرئيس الأميركي السابق في العمل تختلف تماماً عن منهجية ميرسر- بانون الاستراتيجية، كما أن أغلب الشخصيات التي دفع بها ميرسر غادروا إدارة ترامب لأسباب مختلفة، ليس أقلها شخصية ترامب الاندفاعية الفوضوية، وتراكم أخطائه وتراجع شعبيته بشكل متسارع وخصوصاً بعد وباء كورونا. وهو ما أدى بالنهاية إلى ابتعاد ميرسر عن حملة إعادة انتخاب ترمب، إذ لم تتعدَ تبرعاته المليون دولار للحملة مقارنة بنحو 35 مليونا عام 2016، ربما لأنه فهم مبكراً أن الاستثمار بترامب ليس جيداً على المدى الطويل.


وعلى الرغم من خسارة ترامب، إلا أن الترامبية اليمينية ما زالت موجودة بقوة في أوساط المحافظين الأميركيين، والذين تراجع تيارهم التقليدي بشكل حاد لصالح التيار اليمين الشعبوي. لذلك لن يغيب اسم آل ميرسر عن الساحة السياسية في وقت قريب، فما زالت عشرات المؤسسات اليمينية تتلقى دعماً مستمراً منهم، ولا تزال الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي أوصلت ترامب قائمة، وهو ما ينبئ ببقاء اليمين كأحد أقطاب السياسة في أميركا حتى إشعار آخر.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً