زيارة بينت لأميركا: تذكير بالعهد

في خضم حالة الفوضى التي تلت انسحاب أميركا من أفغانستان وما صاحب ذلك من تداعيات كالهجوم على مطار كابول، أصرَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينت، خلال اجتماعه مع الرئيس الأميركي جو بايدن في البيت الأبيض بواشنطن يوم 27 أغسطس/آب 2021 على استرجاع انتباه الولايات المتحدة إلى الملف النووي الإيراني الذي يهدِّد الأمن القومي الإسرائيلي والذي يجب ألاّ يقل أهمية، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، عن الأمن القومي الأميركي.


يأتي الإلحاح الإسرائيلي على ضرورة كبح جماح البرنامج النووي الإيراني وتعطيل فرامله في هذا الوقت الدقيق الذي أعلنت فيه أميركا تغيير استراتيجيتها العسكرية الخارجية وبدأت بحزم أمتعتها والانسحاب التام من أفغانستان، عاقدة العزم على تكرار سيناريو الانسحاب، حتى ولو جزئياً، في العراق وسورية، وهذا هو الكابوس الذي تخشاه إسرائيل.


استعمل بينت كل أساليب الإقناع لاستمالة عقلية وعاطفة ومنطق الرئيس الأميركي بايدن وصوَّر له بأنّ المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران لا تختلف أبداً عن المواجهة التي خاضتها الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، وشبَّه إيران بالاتحاد السوفييتي الذي أرَّق أميركا قبل أن ينهار، وظلَّ ماضيها المُخيف.


وبحسب تصريحاته الإعلامية، خرج بينت مُتفائلاً من لقائه بالرئيس بايدن الذي طمأنه بأنّ إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً في عهده وأكَّد له اللجوء إلى الخطة ب في حال فشل المساعي الدبلوماسية. وعملاً بالمثل القائل “إياك أعني فاسمعي يا جارة”، وجَّه الرئيس بايدن رسالة ضمنية قوّية لنظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، يُخيِّره فيها بين الدبلوماسية والخيارات الأخرى البديلة التي قد تضرب الاقتصاد الإيراني في مقتل.


لا تفوِّت إسرائيل أي فرصة يمكن أن تُوجَّه بشكل أو بآخر لخدمة مصالحها والتشويش على أعدائها، فالرئيس الإيراني رئيسي ما زال يحاول إيجاد موطئ قدمٍ له ولحكومته في ماكينة السياسة والاقتصاد الإيرانية، فقد منح مجلس الشورى الإيراني يوم 25 أغسطس/آب 2021 ثقته لـ 18 من قائمة الوزراء المُرشَّحين الـ 19 الذين رشَّحهم الرئيس المحافظ والمتشدِّد للمناصب الوزارية.


تسلَّم الرئيس الإيراني الجديد تركة مثقلة تنوء بحملها الجبال يتمتَّع فيها بصلاحيات تنفيذية من دون أن تعلو كلمته على كلمة المرشد الأعلى للجمهورية، علي خامنئي، عندما يتعلّق الأمر بالسياسات العليا كالملف النووي.


ويُعدّ الاقتصاد المنهك من أبرز التحدِّيات التي تتربَّص به، ويعود السبب في ذلك إلى العقوبات التي أعادت أميركا فرضها على إيران بعد إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتِّفاق النووي الإيراني في عام 2018 تنفيذاً لوعده الانتخابي.




تحاول الحكومة الإيرانية الجديدة إيجاد مخرج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي وصلت إلى مرحلة فارقة، فإمّا التمسُّك بالخيار النووي وعدم الاستغناء عنه وتحمُّل عواقبه وتبعاته. وإمّا إعادة إحياء الاتِّفاق النووي المُوقَّع في عام 2015 والامتثال الصارم لبنوده مقابل فكّ العزلة عن البنوك الإيرانية، الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمَّدة التي تراوحت قيمتها ما بين 32 و120 مليار دولار، دخول سوق الصادرات النفطية، عقد صفقات تجارية واستثمارية مع الدول الأوروبية المنضوية في الاتِّفاق، وكذا الصين وروسيا في العديد من القطاعات الاقتصادية، كالبنوك والمالية، التأمين، النفط والغاز والبتروكيميائيات، النقل البحري والموانئ، تجارة الذهب والسيارات، صناعة المنسوجات والسجّاد، وتجارة الألومنيوم والفحم الحجري شرط عدم ارتباطها بالمجال النووي.


من ناحية أخرى ليس من مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينت ولا الكيان الصهيوني عودة الولايات المتحدة إلى الاتِّفاق النووي الإيراني وهدم التقدُّم الذي حقَّقه الرئيس السابق دونالد ترامب والذي تسبَّب، من خلال سياساته المُفصَّلة على قوالب صهيونية، بإلحاق أضرار جسيمة ومزمنة بالاقتصاد الإيراني، كتوحُّش معدل التضخّم الذي وصل الى 45.2 بالمائة في أغسطس/آب 2021، ووصول معدل البطالة إلى 9.7 في المائة في نهاية السنة الفارسية التي بدأت في 21 مارس/آذار 2020، وفقدان 1.43 مليون عامل وظائفهم خلال السنة الماضية بحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني.


بالإضافة إلى ارتفاع معدل الفقر بنسبة 11 في المائة خلال الفترة الممتدة ما بين مارس/آذار 2018 ومارس/آذار 2020، وانخفاض الحدّ الأدنى للأجور من 260 دولاراً إلى ما يقارب 70 دولاراً فقط في الشهر، وفقاً لمسح دخل وإنفاق الأسر الإيرانية الذي أجراه المركز ذاته، وهبوط احتياطي النقد الأجنبي إلى 4 مليارات دولار بنهاية عام 2020 طارقاً بذلك أبواب المنطقة الحمراء، وفقاً لتقرير أصدره صندوق النقد الدولي في إبريل/نيسان 2021 تحت عنوان “آفاق الاقتصاد الإقليمي، النهوض من الجائحة: بناء مستقبل أفضل” علماً بأنّ “البنك المركزي الإيراني نفى الرقم الأخير وأعلن في الشهر نفسه بعد اعتراضه على تقرير صندوق النقد أنه استلم بريداً رسمياً من الصندوق عدل فيه تقديره لاحتياطيات إيران من النقد الأجنبي لتصبح نحو 115 مليار دولار”.


استغلَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بينت لقاءه بالرئيس الأميركي على أكمل وجه لشيطنة إيران وترسيخ ضرورة استبعاد العودة إلى الاتِّفاق النووي الذي تلاشت فعاليته، مُتذرعاً بذريعة أنّ إيران تخصِّب حالياً اليورانيوم بمستويات ستُمكِّنها من إنتاج الأسلحة النووية في وقت قريب، مُستعيناً في ذلك بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، الذي أكَّد بأنّ مدّة شهرين تفصل إيران عن حصولها على المواد الانشطارية التي ستسمح لها بتصنيع وتطوير القنبلة النووية التي تُشكِّل بدورها تهديداً وجودياً لإسرائيل التي تُردِّد هذه الأسطوانة منذ سنة 2010 حتى الوقت الحاضر الذي لم يبصر فيه السلاح النووي الإيراني النور بعد.




  


خلال اللقاء الذي أتقن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بينت أسلوب الإقناع بأنّ إسرائيل محاطة بالأعداء، تعهَّد الرئيس الأميركي بايدن بتجديد مخزون صواريخ القبة الحديدية الإسرائيلية، وأكَّد التزام الولايات المتحدة الثابت الذي لا يتزعزع بضمان التفوُّق العسكري النوعي الإقليمي لإسرائيل وأمنها.


لطالما نجحت إسرائيل، رغم اختلاف من يتكلَّم باسمها وعلى لسانها، في الحصول على الدعم الدبلوماسي الأميركي والمساعدة العسكرية الأميركية اللتين مكَّنتاها من التصدِّي لأي محاولة قد يحصل فيها “نظام إسلامي” على السلاح النووي.


خلاصة القول، ستسعى إسرائيل دوماً لجعل نفسها أولوية أميركية في الشرق الأوسط، فهي تدرك الآن بأنّ الحرب على الإرهاب التي كان من المفترض أن تنتهي رسمياً بالانسحاب الأميركي من أفغانستان لم تنتهِ بعد، بل ستشتدّ، وتعي أيضاً بأنّ حكومة الرئيس، رئيسي، أقلّ ميلاً من حكومة حسن روحاني للخضوع للضغوط، لذلك فهي تريد التحرُّك حالياً حتى لو رغبت أميركا بالهدوء والسلام الآن.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً