سقوط وهم "الاستثناء": هل ينجح بايدن في ترميم صورة أميركا دولياً؟


ستبقى صور اقتحام أنصار الرئيس الأميركي الخاسر في الانتخابات الرئاسية، دونالد ترامب، واحتلالهم مقر الكونغرس، عالقة لسنوات مقبلة في أذهان الملايين، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل حول العالم. المفاجئ في الموضوع، هو السهولة التي تمكن بها هؤلاء، من الدخول إلى مبنى الكونغرس واحتلاله، على الرغم من أنه كان معروفاً منذ فترة، أن هناك نيّة لمحاولة القيام بذلك. وقد طالب عددٌ من أعضاء مجلس النواب الأميركي، بالتحقيق في الموضوع. مهما يكن، فإن أقل من أسبوعين تفصل جو بايدن عن توليه كرسي الرئاسة الأميركية رسمياً. ولعل واحداً من أكثر التحديات التي تواجهه، هو إعادة الهيبة لمنصب رئيس الولايات المتحدة، ومعها الثقة في سياسات واشنطن والاقتصاد الأميركي، ليس محلياً فقط، بل حتى دولياً، بما في ذلك بين حلفائها.


من أكثر التحديات التي تواجه بايدن، إعادة الهيبة لمنصب رئيس الولايات المتحدة


ولا شك في أن صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ترتبط ارتباطاً وثيقاً، وسلبياً، بسياساتها الاستعمارية، والخارجية المتعلقة بفلسطين والعراق، وغيرها من دول المنطقة، كما باستمرار دعمها للدكتاتوريات والحُكّام المستبدين. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً، عندما يتعلق الأمر بهيبة أميركا وقوتها العسكرية واقتصادها وحرّية التعبير داخلها، ووزنها على الساحة الدولية، بغض النظر عن مدى دقة تلك التصورات.




ترامب وسنوات حكمه الأربع، جعلت من صورة الولايات المتحدة في الخارج تتراجع، ليس في الدول المتضررة من سياساتها كالشرق الأوسط فقط، بل كذلك في دولة حليفة. وتأتي أحداث الكونغرس الأخيرة، لتسقط أي وهم حول أسطورة “الاستثناء” الأميركي.

يشير استطلاع للرأي أجراه “معهد بيو للأبحاث” في أغسطس/آب الماضي، إلى أن صورة الولايات المتحدة حول العالم تحولت من “متواضعة” إلى “سيئة”. وأظهر المسح، الذي أجري في 13 دولة ذات اقتصادات متقدمة، من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أن الثقة الدولية في الولايات المتحدة وترامب، قد انخفضت بشكل حاد في جميع المجالات، لتصل إلى أدنى مستوياتها التاريخية في العديد من تلك الدول الحليفة لواشنطن وسياساتها.

ولكن هل يمكن أن يُحّسن جو بايدن تلك الصورة بسهولة، والأهم أن يعيد الثقة وبعض الهيبة لبلاده وعلاقاتها على الصعيد الدبلوماسي والدولي، وداخل المؤسسات الدولية، وكيفية النظر إلى الدور الأميركي داخل هذه المؤسسات، بما فيها منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها، كمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة؟ يتوقع الخبراء أن تكون هناك فترة “شهر عسل” مع إدارة بايدن، قد تطول أو تقصر بحسب التطورات على الأرض، لأن الدمار الذي أحدثه ترامب والمسؤولون الذين عيّنهم، لا يمكن الاستهانة به، ما يعني أن تعاوناً، وحتى تغيير النبرة في التعامل من قبل بايدن، سيجدان ترحيباً ومديحاً من المجتمع الدولي. كما أن إدارة الرئيس المنتخب أعلنت عن رغبتها في العودة إلى التعددية الدولية، ومعها إظهار التزام تجاه التعاون الدولي، على الأقل نظرياً.

سيساعد اختيار بايدن لليندا توماس – غرينفيلد مرشحةً لمنصب سفيرته للأمم المتحدة في نيويورك، في تحسين قنوات التعامل مع الدبلوماسيين الآخرين وصورة الولايات المتحدة عموماً، وذلك لعددٍ من الأسباب، من بينها خبرتها الطويلة على الساحة الدبلوماسية الدولية سفيرةً لبلادها في عدد من الدول، من بينها ليبيريا، ومستشارة وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الدول الأفريقية.

لكن التحديات التي تواجه بايدن وإدارته ليست ببسيطة، إذ زاد النفوذ الروسي والصيني داخل المؤسسات الدولية، ولم تنعكس هذه الزيادة بالضرورة بشكل إيجابي على مستوى ديناميكية القوى. فصحيح أن ميزان القوى الدولي أحادي القطب، الذي كان يميّز أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وحتى احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003، قد تراجع، ولم تعد الولايات المتحدة وحدها الآمر الناهي، وهذا بحدّ ذاته جيد. إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح كثيرة بسبب قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية ونفوذها، لذلك فإن انخراطها بشكل إيجابي ضروري.


لن يكون الدمار الذي تركه ترامب من السهل ترميمه بشكل جذري


أظهر انسحاب ترامب من المؤسسات الدولية تأثيره سلباً على السياسات الدولية التي لا يمكن إحراز أي تقدم ملموس فيها، إن لم تقده أو تدفعه الولايات المتحدة، أو تكون جزءاً رئيسياً فيه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قضية المناخ والتعامل مع جائحة كورونا وتبعاتها الاقتصادية والصحية، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل حول العالم.

انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ في الوقت الذي أصبح فيه خطر التغيير المناخي من أشد التحديات التي تواجه الدول الفقيرة قبل الغنية، كما انسحابها من منظمة الصحة العالمية وعدم مشاركتها في مبادرة “كوفاكس” الدولية، التي من ضمن أهدافها توفير اللقاح للدول الفقيرة ومتوسطة الدخل بأسعار معقولة، يزيد من الفجوة بين الدول التي ستتمكن من التعافي من تبعات الفيروس الاقتصادية والصحية كالدول الغنية، وبين الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل التي تغرقها الجائحة بفقر وعواقب إضافية، ناهيك عن مخاطر جدية بتحقيق أهداف التنمية المستدامة. إن العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم، من بينها دول حليفة، كانت مسمومة في مجلس الأمن، وانعكس ذلك على مقدرة المجلس في التحرك في أبسط القضايا التي كان من المفترض أن يتحرك خلالها بشكل سريع، ولعل أبرزها جائحة كورونا.

واحدة من القضايا الأخرى التي عكست بشدة ضعف السياسة الخارجية الأميركية، وتجلى ذلك في مجلس الأمن، كان الملف السوري، لكن هذا لا يقتصر على إدارة ترامب، وإن زاد التخبط في ظلّ إدارته. ولعل أبسط الأمور، كعدم تمكن الولايات المتحدة من الضغط على الروس، والصينيين الذين دعموا موقف موسكو، بخصوص استمرار تقديم المساعدات الإنسانية في سورية للشمال الشرقي والشمال الغربي ضمن الآلية العابرة للحدود، حيث تقلصت المعابر الأربعة خلال السنتين الماضيتين إلى معبر واحد فقط، خير مثال على ذلك.

مع كل النوايا “الحسنة” المنتظرة لإدارة بايدن، فإن الدمار الذي تركه ترامب لن يكون من السهل ترميمه بشكل جذري. وكلما زادت الملفات تعقيداً، قد يعني ذلك أن فترة “شهر العسل” بين بايدن والمجتمع الدولي ستزول سريعاً، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالملف الإيراني مثلاً. فالعودة للاتفاقية النووية لن تعني العودة لمرحلة ما قبل ترامب، وكأن شيئاً لم يكن. في السنوات الأخيرة، زادت إيران من قدراتها على تخصيب اليورانيوم ونفوذها العسكري في المنطقة، كما أن الضرر الذي لحق بها اقتصادياً نتيجة العقوبات الاقتصادية الأميركية وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية، لا يستهان به. وفي سنة تشهد فيها إيران انتخابات، قد لا تُظهر طهران في مفاوضاتها مرونة بالحدّ الذي قد تتمناه الإدارة الأميركية. وقد أثبتت إيران أنها ليست بالخصم الذي يمكن التفاوض معه بسهولة.

في الأمم المتحدة ومقرّها الرئيسي في نيويورك، يمكن الشعور بالإرهاق الشديد عند المسؤولين الأمميين وحتى الدبلوماسيين الدوليين، مما خلّفته سياسات ترامب وتبعاتها، بما فيها انسحاب إدارته من عدد من المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، كمجلس حقوق الإنسان ومنظمة “يونيسكو” وغيرها، وقطع التمويل الاختياري عن عدد من المنظمات. كما عدم دفع الولايات المتحدة لجزء من المستحقات الإلزامية لميزانية مؤسسات الأمم المتحدة على مرّ السنوات الأخيرة، والتي تقدر حالياً بقرابة ملياري دولار يعود نصفها تقريباً لميزانية قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. هذا الإرهاق الشديد، يقابله ارتياح شديد عند الكثيرين. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً، هو ما إذا كان بايدن ينوي اتخاذ خطوات جذرية لتغيير سياسات بلاده، من بينها إجراء مراجعة حتى لإرث الرئيس باراك أوباما، الذي كان بايدن واحداً من أعمدته.




 


 

 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً