"سلامبو" لفلوبير: حيواتٌ فنّية لعمَل أدبيّ واحد

يكاد اسم الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير (1821 ــ 1880)، يكون مرتبطاً لدى عموم القرّاء، على نحوٍ شبه حصريّ، بروايته “مدام بوفاري”. روايةٌ جلَبتْ له الكثير من الشُّهرة، ومعها الكثير من المتاعب (جرت محاكمته بسببها فورَ صدورها)، خلال حياته، وظلّت، بعد رحيله، عملَه الأكثر مقروئيةً، في فرنسا وخارجها. أمّا اشتغالاته الأُخرى، التي تختلف كثيراً عن أجواء “بوفاري” (1857)، وهواجس بطلتها إيمّا، مثل “التربية العاطفية” (1869)، و”بوفار وبيكوشيه” (صدرت بعد رحيله بعام، في 1881)، و”إغواء القدّيس أنطونيوس” (1874)، فقد كُتب لها أن تبقى أعمالاً في الظلّ، رغم أنها ساهمت، وربما أكثر من “مدام بوفاري”، في تسجيل اسمه بين أبرز أسماء الواقعية السّردية في القرن التاسع عشر.


رواية “صلامبو”، أو “سلامبو” (1862)، تنتمي أيضاً إلى أعمال فلوبير التي تبدو اليوم “ثانويةً” لدى قسم كبير من الجمهور، رغم الجهد الكبير الذي بذله فلوبير لكتابتها (خمس سنوات)، ورغم النجاح الواسع الذي عرفته فورَ صدورها. كما أنّها شبه مجهولةٍ عربياً، رغم صدور أكثر من ترجمة لها، ورغم أن أحداثها تجري على أرض عربية ومتوسّطية. لكنّ هذا التجاهل لا ينطبق على العمل في المجال الفني، حيث كان للرواية ــ التي تجري أحداثها في قرطاج، بتونس، في المئة الثالثة قبل الميلاد ــ  صدى واسع، وهو ما يسعى إلى إبرازه معرضُ “سلامبو: غضبٌ، شغفٌ وفِيَلة” الذي يقيمه متحف “موسِم” (متحف حضارات أوروبا والمتوسّط)، في مدينة مرسيليا، جنوب فرنسا، حتى السابع من شباط/ فبراير المقبل.


رواية بقيت في الظلّ لدى القرّاء وتركت أثراً واسعاً لدى الفنانين


يكشف تنوّع الأعمال المعروضة، وانتماؤها إلى عدد واسع من الحقول، عن التأثير الكبير ــ والمفاجئ ــ للرواية. إذ يجد الزائر نفسَه أمام لوحاتٍ تشكيلية، ومنحوتات، وأزياء، وصور فوتوغرافية، وكتب قصص مصوّرة، إضافة إلى أفلام، وعروض مسرحية، وكذلك لقىً ومكتشفات أثرية ــ وكلّها متعلُّقٌ ونابعٌ، بشكلٍ أو بآخر، من قراءة رواية فلوبير. قراءةٌ تبدو ملهمةً حيناً، كما في لوحتين تعودان إلى نهايات القرن التاسع عشر للفنان الألماني كارل ستراتمان (1866 ــ 1939)، وتنطلقان من وصف فلوبير لسلامبو، ابنة القائد العسكري القرطاجي حملقار برقة وبطلة الرواية؛ وهي قراءةٌ تدفع، حيناً آخر، إلى التوثيق، أو إعادة ابتكار العمل صُوَريّاً، كما في قصّة مصوّرة (2010)، تحمل عنوان الرواية نفسه، من توقيع الرسّام الفرنسي فيليب درويّيه، الذي أراد رسْم مخيال فلوبير في هذه الرواية، عبر ثلاثة أجزاء.


إلى جانب الأعمال الفنّية، يخصّص المتحف صالة عرضٍ تضمّ قِطعاً ولقىً أثرية، ومنحوتات، وألواحاً، استعارها المتحف الفرنسيّ من “المتحف الوطني بقرطاج”، بهدف إيضاح السياق الذي تجري فيه أحداث الرواية. وهنا يكتشف الزائر، في النصوص التي يقدّمها المعرض، أنّ كلّ هذه الآثار، والمعرفة التي باتت اليوم موثّقةً حول تاريخ قرطاج، لم تكن متوفّرة حين شرع فلوبير بكتابة نصّه، وهو ما دفعه إلى السفر إلى تونس، ومعاينة المكان، وأخْذ ملاحظة حوله، إضافة إلى قراءته عدداً من الكتب والمؤلّفات التاريخية التي متح منها صورة المدينة وحال مجتمعها في الحقبة التي تتناولها “سلامبو”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً