سورية: هل تطيح مهلة تفكيك "تحرير الشام" هدنة إدلب؟

على الرغم من أن بنود الاتفاق التركي – الروسي حول وقف إطلاق النار في إدلب أو “منطقة خفض التصعيد” في شمال غربي سورية، لم تظهر بكاملها إلى العلن، إلا أن التسريبات التي رشحت عن أروقة المفاوضات المتعددة التي صاغت الاتفاق، تتقاطع بمجملها حول شرط روسي مرتبط بوقت زمني يُلزم تركيا بحل “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) بالكامل أو إذابتها، على الرغم من أن اتفاق سوتشي الموقّع بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في سوتشي الروسية في سبتمبر/ أيلول من عام 2018 يقضي في أحد بنوده بإبعاد الفصائل المتشددة، ومنها “الهيئة”، عن المنطقة المنزوعة السلاح، التي جرى تحديدها ضمن بنود ذلك الاتفاق بعمق 15 إلى 20 كيلومتراً حول إدلب ومحيطها.
وتتخذ روسيا من وجود “تحرير الشام” ذريعة لتبرير هجماتها المتكررة على إدلب وما حولها، متهمةً أنقرة بعدم التزامها بإنهاء هذا التنظيم، ما جعلها تدعم قوات النظام في أكثر من هجوم بري، قضمت خلالها أجزاء كبيرة من “منطقة خفض التصعيد”، التي تضم كامل إدلب مع أجزاء من أرياف حماة الشمالي وحلب الغربي واللاذقية الشرقي، على الرغم من خضوعها لاتفاقات متعددة، أهمها نتائج مباحثات أستانة واتفاق سوتشي.

ولم يتضح حتى الآن برنامج التوقيت المشروط من قبل روسيا على تركيا لحل الهيئة، مع تضارب المعلومات التي تشير أقلها إلى 25 يوماً، وأوسطها إلى ثلاثة أشهر، وأبعدها إلى ستة أشهر، إلا أن هذا الملف سيشكّل نقطة مفصلية وفارقاً في استمرار تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار من عدمه، بالتوازي مع إصرار موسكو على التزام أنقرة بهذا الشرط بالتحديد، متذرعة بأنه مطلب دولي وليس روسياً فقط.

وكشفت مصادر داخل فصائل المعارضة السورية، لـ”العربي الجديد”، أن الجانب التركي أبلغها بأن التوقيع الكامل لم يتم بعد حول اتفاق وقف إطلاق نار يتضمن بنوداً وتفاصيل لتنفيذ آلياته، وإنما ما جرى يُعدّ بمثابة إعلان عن هدنة فقط، مع تأكيد استمرار المفاوضات بين تركيا وروسيا في موسكو، لوضع البنود النهائية والتفاصيل الكاملة لوقف إطلاق النار، وذلك سيحدد بدقة ما يترتب على كل طرف في مرحلة ما بعد الإعلان عن الاتفاق بشكله الكامل والنهائي.

وفي السياق، أكدت مصادر في وزارة الخارجية التركية، لـ”العربي الجديد”، أن الوفد الرفيع العسكري والاستخباري التركي الموجود حالياً في موسكو، يناقش آليات تنفيذ الاتفاقات التركية الروسية الحديثة حول منطقة خفض التصعيد في إدلب، وهي تدور في فلك الحديث عن مهلة روسية لأنقرة من أجل الالتزام بتعهداتها في القضاء على “تحرير الشام”، والتي تجد فيها تركيا منغصاً للعلاقات مع روسيا وتهديداً دائماً للمدنيين في المنطقة.
وأبدت المصادر استغرابها من التهدئة في بعض المحاور، والتصعيد في محاور أخرى، مثل جبهات حلب، معتبرة أن إيران قد تكون منزعجة من الاتفاقات التي جرت بين تركيا وروسيا خلال لقاء أردوغان وبوتين الأخير يوم الأربعاء الماضي، خصوصاً أن الأخير جاء إلى تركيا بعد زيارة دمشق في رسالة واضحة بأن لموسكو علو الكعب على الساحة السورية.

بالتوازي، رجحت مصادر ميدانية تركية أخرى، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تكون الاتفاقيات هي عبارة عن تنفيذ مخططات سابقة تم الاتفاق عليها، منها العمل على تفكيك “تحرير الشام” من الداخل ومطالبة العناصر الأجنبية بالمغادرة من المنطقة وإلا ستواجه القوات التركية وربما الروسية، مع سعي موسكو لتكون العمليات مشتركة في المنطقة بينها وبين أنقرة. وبحسب المصادر، بعد مرحلة تفكيك الهيئة تتولى الحكومة المؤقتة إدارة منطقة إدلب كجهة تنفيذية مرتبطة بالائتلاف الوطني السوري المعارض، ويترافق ذلك مع تسيير الدوريات المشتركة على الطرق الدولية بين القوات التركية والروسية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما قالته مصادر سورية معارضة عن بدء حوار مهم بين الجانب الأميركي والائتلاف من أجل ترتيب المرحلة المقبلة، فللولايات المتحدة مصالح أيضاً في منطقة خفض التصعيد في إدلب وموجودة فيها بنفوذها، في حين أن الدول الأوروبية قد تعاود تقديم الدعم المالي للائتلاف ولكن ذلك يحتاج لمزيد من الوقت.


وبين حل “هيئة تحرير الشام”، أو إذابتها بالفصائل، أو إبعادها عن إدلب ومنطقة خفض التصعيد، فإن كل هذه السيناريوهات المحتملة تحمل تعقيدات في آلية تنفيذها.
وأكد مصطفى سيجري، رئيس المكتب السياسي في “لواء المعتصم” التابع لـ”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، في حديث مع “العربي الجديد”، المعلومات التي تفيد بعدم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بشكل نهائي، وأن المفاوضات على البنود ستستمر بين الروس والأتراك. أما في ما يخص مستقبل “تحرير الشام” بعد توقيع الاتفاق، فأشار سيجري إلى أن “روسيا لا تملك أي جدية باتجاه إنهاء هيئة تحرير الشام”.

واعتبر سيجري أن “روسيا تتخذ من الهيئة ذريعة لاستهداف المنطقة وجعل إدلب ورقة للضغط على الجانب التركي، وبالتالي وجود الهيئة يشكّل أزمة داخلية للقوى الثورية باعتبار أن أداء الهيئة السابق كله كان يصب في صالح العدو، من خلال تفكيك القوى الثورية والعسكرية الموجودة في إدلب، وتشتيت قوات المعارضة من الداخل”، متابعاً: “من جهة أخرى، فإن الإشكالية بين روسيا وتركيا الآن ليست إدلب وحدها، وإنما الإشكالية الحقيقية بينهما تنقسم إلى جزأين: الأول يخص تفاهمات شمال شرق سورية، ومساعي روسيا للتنصّل من التعهدات التي أبرمتها مع الجانب الروسي والتي تقضي بالتزام روسيا بإبعاد قوات سورية الديمقراطية عن حدود ما يسمى بالمنطقة الآمنة، وحتى الآن لم تفِ روسيا بهذه التعهدات، والجزء الثاني يتعلق بملف إدلب، وهناك دفعت روسيا للتصعيد من أجل الضغط على تركيا تعبيراً عن استيائها حيال الملف الليبي بعد الاتفاق بين أنقرة وحكومة الوفاق هناك”.

وعن ملف “تحرير الشام”، أكد سيجري أن “هذا الملف يشكّل أزمة داخلية بالنسبة لنا، وفي الفترة السابقة دفعنا وبقوة للحصول على تعهدات من الأطراف الدولية بأنه في حال قامت فصائل المعارضة بإنهاء وجود الهيئة في إدلب وما حولها، فستكون هناك ضمانات بعدم استغلال الروس لهذا الإجراء والتقدّم لاجتياح إدلب، ولكن لم نتلقَ أي ضمانات من أي جهة كانت، وأيضاً لم نلمس جدية من أي جهة خارجية بأن هناك إرادة حقيقية لإنهاء هيئة تحرير الشام”، مضيفاً “باعتقادنا كقوى ثورية في المنطقة، فإن الجميع يستثمر في وجود هذا التنظيم والاستفادة منه من أجل تمرير المصالح الخاصة بكل طرف، وهي مصالح خارجية بكل تأكيد، ونحن موقفنا واضح حيال هذا الملف، يتمثل بأنه إذا وجدنا جدية من أي جهة كانت تجاه إنهاء الهيئة فسنكون رأس الحربة في هذا المشروع، ولكن في المقابل لا نقبل بأن تُستنزف قوات المعارضة في قتال الهيئة، في ظل انقطاع الدعم عن فصائل الجيش الحر منذ عام 2016، في الوقت الذي يستمر دعم هيئة تحرير الشام من أكثر من جهة خارجية حتى الآن، لكن موقفنا الأكيد والواضح يتمثل بعدم وجود مستقبل لهذا التنظيم، لكن ننتظر الفرصة المناسبة والضمانات الحقيقية التي تدعمنا في ذلك”.

من جهته، لفت الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، الصحافي التركي طه عودة أوغلو، إلى أن “أنقرة حذّرت أكثر من مرة من انهيار اتفاق سوتشي في حال لم يطبق بشكل جدي، وتحديداً حل تحرير الشام، لذا فالسيناريو المحتمل في المرحلة المقبلة والذي ستعمل عليه أنقرة، هو توحيد المعارضة ودمج الفصائل وتنظيمها وحل عقدة إدلب وهي هيئة تحرير الشام، تجنباً لتدمير إدلب”. واعتبر في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “في حال حصل العكس، يمكن القول إن معادلة إدلب الصعبة ستصبح معقّدة وتدخل في مجاهل عديدة، لأن الصمود في وجه الروس غير ممكن في هذا الوقت والظرف الذي تمر به تركيا حالياً ومعها الفصائل المسلحة على الأرض”، مضيفاً “في حال تعذّر الوصول إلى حل سريع مع الروس قريباً، فإن النتائج ستؤدي إلى قضم النظام لمساحات كبيرة من إدلب وما حولها، وتعريض المحافظة لكارثة إنسانية كبيرة تتمثّل بتهجير عدد أكبر من المدنيين، وفي المحصلة لا يمكن إغفال الحراك التركي الروسي الأخير والزيارة التي يقوم بها الوفد التركي (الدفاع والخارجية والاستخبارات) إلى موسكو”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً